عاموس هرئيل،1/6/2026
مقدمة أصوات:
يكشف هذا المقال للكاتب الإسرائيلي عاموس هرئيل جانبا من الجدل المتصاعد داخل إسرائيل بشأن الحرب الدائرة على الجبهة اللبنانية. فبعيدا عن مشاهد النصر التي تحاول الحكومة تسويقها بعد السيطرة على قلعة الشقيف، يطرح الكاتب تساؤلات حادة حول جدوى العمليات العسكرية الجارية، وحجم الخسائر التي تتكبدها إسرائيل، وما إذا كانت استعادة رموز الماضي قادرة على إخفاء الإخفاقات الميدانية والاستراتيجية في الحاضر.
كثيرون في الإعلام الإسرائيلي لم يتعلموا شيئا، ولم ينسوا شيئا. كان يكفي نشر صورة واحدة – إعلام إسرائيل ولواء جولاني، وهي ترفرف فوق قلعة شقيف في جنوب لبنان – من أجل إسكات النقاش الضروري حول الوضع الراهن للحرب هناك. فبديلا عن طرح التساؤلات الضرورية حول الاستراتيجية المشكوك فيها للحملة الحالية في الشمال، وحول غياب رد تكتيكي على خطر الطائرات المسيَّرة المتفجرة المزودة بالألياف الضوئية، والتي يطلقها حزب الله بالعشرات يوميا، غمرنا الحنين إلى الماضي والعودة المثيرة إلى المواقع التاريخية. يكاد لا أحد يسأل عما خسرناه هناك، وما حدث في المرة السابقة. كان من الأجدر التذكير بهذا من أجل فائدة أكثر من نصف مشاهدي التلفاز الذي لم يكونوا هنا في 1982، عندما استولى لواء جولاني على قلعة شقيف، وقتل ستة من المقاتلين بما فيهم قائدها الرائد جوني هاربيك. كما أن بعض المشاهدين لم يشهدوا لبنان في التسعينيات، عندما ألحقت العبوات الناسفة التي زرعها حزب الله دمارا هائلا بقوافل الجيش الإسرائيلي في المنطقة الأمنية. تحدث الوزراء وأعضاء الكنيست والصحافيون بحماس عن قلعة شقيف، وكأن هذه المرة ستكون مختلفة، وأن الاستيلاء على القلعة “الصليبية” العريقة سيضع حدا نهائيا لمشكلة حزب الله. لم يذكر أحد تقريبا أنه لم يكن هناك أي شيء مجيد في قلعة شقيف سوى شجاعة المقاتلين، وأن الدماء التي أريقت هناك في الماضي ليست مبررا بالتضحية بالمزيد من الجنود الذين قد يكونون أحفاد مقاتلي الدورية الذين استولوا على القلعة قبل 44 عاما.
إن الإثارة المصطنعة التي تخلقها وسائل الإعلام تخفي الواقع المرير الحالي. هذا واقع تتداخل فيه دوافع أيديولوجية خفية (فاليمين المتشدد يتوهم -بالفعل- الاستقرار في جنوب لبنان والسيطرة عليه بشكل دائم)؛ والمأزق السياسي الذي تواجهه الحكومة، والتي قد تجد صعوبة في تفسير تخليها عن البلدات في الشمال؛ وفي إحراج الجيش الذي انكشف عجزه في المعركة الحالية بعد هزيمته لحزب الله في الجولة السابقة عام 2024.
وكما هو معتاد يقود رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الرواية السائدة. لقد وصل يوم الجمعة في جولة تفقدية لمقر الفرقة 36 على الحدود اللبنانية (ولم يتسنَّ له بعد زيارة كريات شمونه أو المطلة).
التقط نتنياهو صورا مع الجنود، وتفاخر هناك بعبور نهر الليطاني، وأعلن: “نحن نعمل أيضا في بيروت، وفي البقاع اللبناني، وعلى امتداد الجبهة بأكملها، ونوجه ضربات موجعة لحزب الله. في الواقع يقيد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشدة الغارات الجوية الإسرائيلية على بيروت لاعتبارات خاصة به.
صباح أمس، وبعد إتمام استعادة قلعة شقيف ليلا، بدا رئيس الوزراء في غاية السعادة، قال: “عدنا إلى البوفور عازمين أكثر من أي وقت مضى ومتحدين”. ثم انتقل مباشرة إلى إحصاء القتلى، وروح المبالغة التي سادت حديثه ذكرتنا بالأمريكيين في حرب فيتنام. وادعى أنه “منذ بداية حرب النهضة، قضينا على 8 آلاف إرهابي من حزب الله، وفي الشهر الماضي وحده قضينا على 700 منهم.
تبعه الوزراء وأعضاء الكنيست كالببغاوات، قاطعين سلسلة رسائله فقط لنشر بيان يعبر عن حزنهم، والذي بدا وكأنه مصاغ بواسطة الذكاء الاصطناعي، على استشهاد الرقيب أول مايكل ثيوكين، أحد مقاتلي دورية جفعاتي ليلة أمس، في اشتباكات في المنطقة نفسها في لبنان. ثيوكين، 21 عاما من عسقلان هو الابن الوحيد لامه. قدم الاثنان بمفردهما من أوكرانيا قبل ست سنوات. لكن رئيس الوزراء يهتم بالإنجازات وليس بالأرقام. وقد أغفل الأرقام التالية في رسائله الاحتفالية: 13 قتيلا منذ إعلان الولايات المتحدة وقف إطلاق النار (الذي لم ينفذ) في لبنان قبل شهر تقريبا، وأكثر من 2000 قتيل إسرائيلي منذ بدء الحرب في 7 أكتوبر.
كما أن الجيش الإسرائيلي متورط في هذه القصة من الفشل العملياتي والاستراتيجي، والتي يحاول نتنياهو جاهدا تصويرها للرأي العام الإسرائيلي على إنها نجاح.
كانت حملة 2024 بالفعل نجاحا عملياتيا باهرا، تحقق نتيجة تحقيق منهجي ودقيق. لقد جُرِّدَ التنظيم الشيعي آنذاك من معظم قدراته الهجومية. لكن الوضع الحالي مختلف تماما. فقد توقف حزب الله عن العمل بوصفه جيشا “إرهابيا” منظما وعاد إلى أصوله باعتباره منظمة حرب عصابات، حيث لا مركزية في قيادته، ما سمح للقادة الميدانيين باتخاذ القرارات العملياتية بأنفسهم، ولم يعد منشغلا بخطط غزو الجليل. بدلا من ذلك يبحث الحزب عن نقاط ضعف تمكّنه من إلحاق خسائر بشرية في قوات الجيش الإسرائيلي كلما تعمّق انتشارا داخل لبنان.
ثمة تفسير تكتيكي-عملياتي لاحتلال قلعة شقيف. فقد سيطرت الفرقة 36 عليها ضمن خطة، يعلنها الجيش جهارا، والتي من شأنها أن تسمح بمعالجة أكثر جذرية لهضبة النبطية المجاورة. وتنتشر في هذه المنطقة قوة كبيرة نسبيا من فصيل بدر التابع لحزب الله، فضلا عن وجود العديد من المواقع العسكرية التابعة للتنظيم. إلا أن العمليات الهجومية الجارية للجيش الإسرائيلي لن تزيل خطر الطائرات المُسيرة عن القوات المتمركزة في الأراضي اللبنانية، ولن توقف على الأرجح إطلاق الصواريخ الذي يتزايد نطاقه وينتشر تدريجيا جنوبا في الأيام الأخيرة، وصولا إلى عكا وكرميئيل وصفد.
يبدو أن لبنان يمثل مشكلة تكتيكية. فالخطر الذي يشكله حزب الله أقل بكثير مما كان عليه في بداية الحرب. ظاهريا تدور رحى الأحداث في الخليج، بين الولايات المتحدة وإيران. لكن عمليا قد تظهر مشكلة استراتيجية جديدة هنا. رغم خسائره ينجح حزب الله في تعطيل الحياة تماما في مناطق واسعة قرب الحدود اللبنانية، ويزعم أنه يتسبب للجيش الإسرائيلي بسقوط قتلى وعشرات الجرحى أسبوعيا.
في المقابل عندما يتباهى نتنياهو ووزير الدفاع إسرائيل كاتس باحتلال أراضٍ بوصف ذلك ثمنا يدفعه لبنان، يتلقى حزب الله دعما متجددا لحجة ضعفت في السنوات الأخيرة والتي تقول أنه يمثل حامي البلاد من العدوان الإسرائيلي. وفي هذا السياق يبرز التساؤل حول العلاقة بين ما يحدث في الخليج وما يحدث في الشمال: هل يريد نتنياهو استغلال احتمال انتهاء الحرب مع إيران للتوصل إلى اتفاق على الجبهة اللبنانية أيضا أم أنه يريد من ترامب السماح له بمواصلة الصدام مع حزب الله هناك حتى الانتخابات؟ رئيس الوزراء يخفي نواياه، ولا يوجد جواب واضح حتى الآن.
https://www.haaretz.com/israel-news/israel-security/2026-06-01/ty-article/.premium/nostalgia-over-beaufort-masks-lebanon-wars-hard-questions/0000019e-7fc2-d719-af9f-7fc6f3800000








