رؤى

الفارون من الجماعة .. تعددت الأسباب والخروج واحد

العديد من شباب الإخوان غادروا الجماعة بعد أول اختبار سياسي جاد في يناير 2011

فى ظل حالة الاشتباك الأحدث فى تاريخ الصراع بين جماعة الإخوان والنظام السياسى فى مصر، وتوابع الزلزال الأضخم فى تاريخ الجماعة الذى أحدثته صدمة الخروج السريع من الحكم، بعد عام واحد ظنته الجماعة بداية تمكين ظلت تحلم به لعقود، عرفت الجماعة موجات من الخروج الجماعي والفردي ربما هى الأكبر والأكثر تأثيرا فى تاريخ التنظيم، بالنظر إلى تباين النوعيات التي غادرت فضاء الجماعة الضيق إلى رحابة سماء الوطن.

تعددت الأسباب والخروج واحد وصاخب، يطرح من الأسئلة أكثر ما يكشف من إجابات، وهو ما نحاول تحريره عبر تلك السطور، بالإجابة عن السؤال: لماذا يغادر بعض من تربوا داخل الجماعة الأقدم ضمن جماعات الإسلام السياسي (جماعة الإخوان)، تنظيمهم الذي نشأوا فيه وأحبوه وأندمجوا مع مناخه النفسي والاجتماعي والقيمي.

بداية يجب أن ندرك أن مغادرة عضو بجماعة أيدلوجية كجماعة الإخوان لجماعته، أشبه بمن يغادر حالة إدمان شراب أو مخدر، فقد يشفى تماما وقد ينتكس إذا عرض له ما يدفعه للعودة، الأمر لا يرتبط بقوة المخدر أو باختلاطه بالدم والعظم، بل بطبيعة القرار ودوافعه وبدائل الشفاء المطروحة وفضاء الحرية المتاح.

 تتعدد أسباب من يغادرون الجماعة سواء استقالوا منها أو أقيلوا رغم دقة الفارق بين الحالين، فالمستقيل شخص اتخذ القرار بنفسه متحملا نتائج يظن البعض أنها طفيفة أو ضئيلة الأثر، وبين من يقال، وهو فى النهاية شخص ترك التنظيم يتخذ عنه القرار مشفقا على نفسه كلفة قرار من هذا النوع.

الأسباب التنظيمية والإدارية، هي الأكثر شيوعا والباب الرئيس لغيرها من الأسباب، ففي تنظيم مثل الإخوان وفي ظل صيغة عسكرية تقسم الأعضاء إلى قادة وجنود يخضع تقييمهم لمعيار واحد وصارم هو السمع والطاعة وعدم القدرة على إنتاج أسئلة، باعتبار أن الله كره لنا قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال، بعيدا بالطبع عن جيوب الجماعة التي تبقى مصرفا من مصارف الزكاة والصدقة الشرعية وفقا لفتاوى التنظيم.

يسحق التنظيم الفرد تحت حزمة من التعليمات والأوامر، يبدو غالبها مقطوع الصلة عن أي منطق شرعي أو إنساني صحيح. تأمل توجيه الأعضاء إلى محاصرة مقر المحكمة الدستورية العليا في مشهد الصدام مع الدولة والمجتمع والمؤسسات. تأمل استئساد أعضاء الجماعة على المحتجين على الإعلان الدستوري أمام الإتحادية وحالة العنف المؤجل التى خرجت سريعا، تأمل ترحيب الأعضاء بعدم ترشح أحد من الجماعة لمنصب الرئاسة ثم ترحيبهم بقرار آخر عكسي، تأمل تصويت أعضاء مجلس الشورى على الأمر ثم تدخل الشاطر وأمواله لتغيير نتيجة التصويت. عشرات المشاهد تلخص أزمة تنظيم لم يعرف الديمقراطية أو الشفافية أو تداول الرأي، اختلط فيه سلوك الشركة بسلوك الجماعة.

محاصرة أفراد الجماعة للمحكمة الدستورية العليا

في النهاية يدرك الأعضاء الذين تلح عليهم الأسئلة المشروعة، ويضغط عليهم غياب المنطق في كل قرار وسلوك، أن هذا تنظيم عسكري لامكان فيه لشخص مدني حر، فيغادروا التنظيم بالاستقالة أو بالإقالة، بعد طرح أسئلة لا يجيب عنها التنظيم سوى بإقالته في النهاية متهما بجريمة التفكير.

فى ظل تنظيم يلتبس فيه ما هو دعوي مع ما هو سياسي، خصوصا فى ظل إصرار الجماعة على تقديم نفسها كهيئة إسلامية جامعة، دولة داخل الدولة، تفشل الجماعة غالبا فى أداء الوظيفة السياسية أو الوظيفة الدعوية، والشواهد على فشلها فى المجالين تفوق سطور مقالات.

 تجد ظلا لذلك فى الجماعة التي لم تنجح في الممارسة السياسية، في حرص سلطة الأكليروس الذي يمثله مكتب الإرشاد على التفكير والتدبير بالنيابة عن الحزب، الذي نشأ وظل رضيعا يحتاج إلى حضن أمه الحانية، التي لم يطاوعها قلبها على فطامه فعينت وكيل مؤسسي الحزب ثم رئيسه ونوابه ورؤساء أماناته فى المحافظات ومكتبه التنفيذي، ثم ألحق نشاط الحزب كله بالتنظيم ليكون قسما من نشر الدعوة أحد أقسام الجماعة، في دلالة واضحة على طبيعة تصور الجماعة عن العمل السياسي. لم تعرف الجماعة كيفية بناء حزب أو تحالفات أو اختيار المعارك الصحيحة أو غيرها من قرارات تخرج عن عقل سياسي لم يتعرف الإخوان يوما عليه، رغم الإدعاء الطويل أنهم أبرع الناس فى ممارسة السياسة، التي يظنون أنها فقط فن التعبئة والحشد ودغدغة مشاعر البسطاء بشعارات نصرة الدين بذم الدنيا.

يدرك من يعرفون معنى السياسة أن الجماعة لا يتوفر لها الحد الأدنى لممارسة فعل سياسي يتسم بالكفاءة والرشد، فيغادرونها على الفور نفورا من غياب السياسة كتصور وسلوك وثقافة.

أما من التحقوا بالجماعة لأسباب دعوية محضة تتعلق بدعاوى تطبيع الشريعة والارتقاء بسلوك الناس وإيمانهم، فينعون على الجماعة اشتغالها بالسياسة التى تعطلها عن واجباتها الدعوية، حيث تبقى السياسة فى وعيهم تلوث سمعة الدعوة، ويبقى قطاع واسع من هؤلاء سواء من بقى داخل الجماعة أو غادرها، مؤمنا بأن الفضاء الأصوب لحركة الجماعة هو فضاء الدعوة، مختارا تطليق السياسة طلاقا بائنا، ولاشك أن هذا المفهوم، أعني الدور الدعوي للجماعة، بحاجة إلى تحرير أدق لدى الشريحتين.

هناك بالطبع شريحة تغادر الجماعة لأسباب فكرية متعلقة بإعادة النظر فى المشروع وأهدافه، وقراءته للتاريخ وللكون، وانشغاله بسؤال الهوية بديلا عن سؤال التحديث، ورغم أن هذا الخروج هو الأهم لكنه يبقى أقل الدوافع والأسباب التي تدفع للخروج من الجماعة، وهؤلاء هم الأقدر على نقد أفكار الجماعة ومشروعها وربما تقديم البدائل التي يمكن مناقشتها بشكل علمي.

وكشأن كل الجماعات البشرية يكون من بين أعضائها من لا يصلح للعمل الجماعي لأسباب شخصية أو نفسية، تبقى الشريحة الأخيرة ممن تركوا الجماعة لمثل هذه الأسباب، وهؤلاء ساحة مهجورة فى البحث فى عالم الجماعات الإسلامية، بالرغم من أنهم ربما الحقل الأوسع لفهم سوسيولجي أكثر عمقا وجدة.

الخلاصة أنه تعددت الأسباب والخروج واحد.

أحمد بان

كاتب و باحث مصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock