منوعات

مارتن لوثر كينج في ذكراه الخمسين .. الانتصار للبشرية من «الشرور الكبرى»

في أبريل من عام 1968، تم اغتيال مارتن لوثر كينج في شرفة الفندق الذي كان يقيم فيه في مدينة ممفيس، بولاية تينيسي، على يد العنصري الأبيض، جيمس إيرل راي. وبرغم مرور نصف قرن على اغتياله، لا يزال الإرث النضالي الذي خلفه كينج يثري البحث التاريخي والاجتماعي، ولا يزال مصدر إلهام للباحثين عن الحرية والعدالة والمساواة في جميع أنحاء العالم.

انحصر العمل النضالي لمارتن لوثر كينج في الإطار المحلي، لكن بنظرة لم تخل من العالمية. كان كينج أحد مواطني الجنوب الأمريكي بحكم المولد، وبحكم الارتباط الوثيق بين جميع ولايات المنطقة من جانب والتاريخ العنصري للولايات المتحدة من جانب آخر. وبالرغم من أن دراسته خارج الجنوب جعلته يعرف أن العنصرية تنخر في عظام الجسد الأمريكي بأكمله، حتى فيما وراء خط ماسون – ديكسون الذي يفصل الجنوب عن الشمال. وبرغم التجذر الفج للعنصرية في أقصى الجنوب الأمريكي، استطاع كينج أن ينعم النظر خارج حدود هذا العالم في تشخيصه لحالة الانحراف التي يعانيها مجتمعه، وفي تحديده للعلاقات الكامنة التي تربط بين أنماط الظلم المتباينة في جميع أنحاء العالم.

لم يتوقف كينج عند حدود إدراك عالمية المشكلة العنصرية، وهي الفكرة التي تأكدت عندما هتفت مجموعة من العنصريين البيض في إنجلترا في وجهه: “حافظوا على بريطانيا بيضاء”، وذلك أثناء إلقائه إحدى الخطب في قاعة تمبل في ويستمنستر، بوسط العاصمة الإنجليزية لندن، في عام 1964، لكنه أدرك أيضا الروابط الوثيقة بين حقائق التمييز بمختلف أنواعه، سواء على أساس اللون أو الدين أو الطبقة أو الأيديولوجيا. كما أدرك آثار الإحساس بالخزي واللامبالاة على أفراد لا يدركون حجم قوتهم الداخلية والجمعية.

دفعه الإدراك العالمي المتجاوز للحدود المحلية إلى الطواف حول العالم؛ فراح يدعم حركات التحرر في إفريقيا، كما أبحر صوب الهند في نهاية الخمسينيات، وتأمل العلاقة الوثيقة بين الأزمات التي تعيشها بلدان العالم الثالث من ناحية وبين النضال الأفرو أمريكي من أجل الحصول على حقوق المواطنة والمساواة من ناحية أخرى. وعندما زار مدينة “نيوكاسيل أبون تاين” البريطانية في نوفمبر 1967 للحصول على درجة الدكتوراه الفخرية من جامعة نيوكاسيل، حذر كينج من مصفوفة “الشرور الكبرى” التي تهدد العالم، والتي تتألف من ثالوث الفقر والعسكرة والعنصرية، وأكد أن الروابط العميقة بين هذه العناصر تدمر الإحساس المتأصل “بالكينونة” الذي يستحقه جميع بني البشر.

شكلت هذه الطبيعة المتجاوزة للحدود في إدراك لوثر كينج لطبيعة الإشكالية الأفرو أمريكية، التي دعمها عمله قسا مسيحيا ودوره كمصلح اجتماعي، علاجا بسيطا، لكنه ناجع، للثائر الذي أرقته عمليات حرق المدن التي قام بها المحتجون، ونالت منه وسائل الإعلام الأمريكية، وناصبته الحكومة الفيدرالية العداء. نبذت استراتيجيته في المقاومة الخطاب المتشدد الذي تبنته جماعات، مثل “بلاك باور”، للدفاع عن حقوق الأفرو أمريكيين، كما أثار توجهه إلى “عولمة” النضال ليشمل، إلى جانب التمييز العنصري ضد السود الأمريكيين، قضايا الفقر والعنف التي تعيث فسادا في جميع أنحاء العالم، عداء قطاعات كبيرة من المجتمع والمؤسسات الأمريكية.

وعندما دفعه إيمانه بهذه القضايا إلى رفض الحرب الأمريكية على فيتنام وانتقادها بقسوة، أصاب حلفاؤه الذعر من أن يؤدي ذلك إلى استعداء الحكومة الفيدرالية أيضا. واجتهدت وسائل الإعلام الأمريكية آنذاك في إجباره على حصر نضاله في نطاق قضية التمييز العنصري في الداخل الأمريكي. كما اعتبرت حركات النضال الأسود المسلحة، التي صرفت كل جهودها إلى كسب القوة وتوفير الموارد بكل الطرق الممكنة، ولم تعر كثير اهتمام لدعوات الإصلاح والأخوة الإنسانية، دعواته شاذة وعبثية.

ويسعى كثير من الباحثين السياسيين والاجتماعيين اليوم، على غرار ما فعله كينج قبل نصف قرن من الزمان، إلى صيغة توافقية تجمع بين التناقضات الظاهرية التي انطوى عليها تاريخه النصالي وقيادته الكاريزمية؛ فقد كان كينج مهموما دائما بالتوصل إلى حلول وسط بين أفكار تسعى إلى إقصاء بعضها بعضا، بل ربما لا نبالغ إذا قلنا إن تحقيق التكامل بين هذه الأفكار التي تبدو متنافرة إلى درجة النتناحر كان هو ميدان نضاله الأساس.

لقد أبرز كينج حقيقة الارتباط العضوي بين كلتا المنهجيتين، منهجية المقاومة باستخدام القوة ومنهجية المقاومة التي تعتمد على العمل السياسي الملتزم بالأطر القانونية، وهو ما تمثل في قدرته على رفض استراتيجيات حركة “بلاك باور” القائمة على استخدام القوة، في الوقت الذي يعلن فيه تفهمه التام للأوضاع التي دفعتها إلى اعتماد تلك الاستراتيجية في مقاومة الفصل العنصري، وفي قدرته على الإيمان بمبادئ راديكالية في الوقت الذي يبدي فيه التزاما كاملا بالعمل في الإطار السياسي الذي يسمح به النظام الأمريكي من أجل إصلاحه من الداخل.

وإذا كانت شعرة معاوية التي سار عليها كينج عبر خمسة عشر عاما من النضال تشير إلى نزوعه الدائم إلى الخيارات التوافقية، ووعيه العميق بالمقتضيات التكتيكية، فإن ذلك كان من أجل هدف أسمى، وهو ما أطلق عليه كينح “المجتمع التراحمي” (The Beloved Community)، الذي يكفل الكرامة الكاملة ويحقق الإنسانية التامة لجميع بني البشر.

*هذه المادة مترجمة 

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock