رؤى

الأزهر.. تراكمات تعيق الانطلاق (1-2)

بحكم التاريخ والمكانة، يُحمل المهتمون بالفكر الديني المؤسسة الأزهرية مسؤولية كبيرة، ويرون أن عليها الدور الأكبر في مواجهة الغلو والتطرف، وتقديم خطاب يواكب التطور الهائل والمتسارع في العلوم والاتصالات والإعلام، لكن الأزهر يبدو في حالة من العجز بعد أن تراكمت عليه الأغلال والقيود، وفقد قدرا كبيرا من تأثيره.

أسباب عديدة، أوصلت المؤسسة الدينية الأعرق والأكبر في العالم الإسلامي إلى ما هي عليه من ضعف وجمود، فقد أتتها السهام من كل جانب، وهبت عليها أعاصير السياسة في عهود مختلفة، وخلال مدة تزيد عن نصف قرن، توالت القرارات التي ربما يكون بعضها صدر بحسن نية وبغرض التطوير والتأثير، فأثبتت الأيام أن النتائج كانت كارثية وأن المآلات جاءت على غير المرجو.

عام 1961، أصدر الرئيس جمال عبد الناصر القانون 103، المعروف بإعادة تنظيم الأزهر، وكان أخطر ما فيه المادة 34، التي فرضت على جامعة الأزهر إنشاء كليات للطب والهندسة والعلوم والتجارة والزراعة، بعد أن ظلت الجامعة الأزهرية مقتصرة على كلياتها الثلاث المعروفة: أصول الدين، والشريعة والقانون، واللغة العربية، مما استلزم فرض مناهج وزارة التربية والتعليم على المعاهد الأزهرية، وهو ما نصت عليه المادة 85 من نفس القانون التي جاء فيها أن “الغرض من المعاهد الأزهرية تزويد تلاميذها بالقدر الكافى من الثقافة الإسلامية، وإلى جانبها المعارف والخبرات التى يتزود بها نظراؤهم فى المدارس الأخرى، لتتهيأ لهم جميعا فرص متكافئة فى مجال العمل والإنتاج، كما تتهيأ لهم الفرص المتكافئة للدخول فى كليات الجامعات الأخرى”.

حمّل هذا القانون طلاب الأزهر عبئا كبيرا، إذ يدرس الطالب مناهج التربية والتعليم كاملة، مضافا إليها العلوم الشرعية والعربية، من قرآن كريم وتفسير وحديث وفقه ونحو وصرف، وكانت النتائج العملية مروعة، تمثلت في طلاب ضعاف، لا هم تفوقوا في العلم الشرعي، ولا هم استوعبوا العلوم المدنية.

كما أن القانون نص في مادته الثالثة على تعيين وزير لشئون الأزهر، أصبح من الناحية العملية الرجل الأول داخل المؤسسة العريقة، بعدما سلب كثيرا من اختصاصات شيخ الأزهر، وقد ألغي هذا المنصب لاحقا مع التعديلات المتكررة على القانون.

الموجة الثانية لإضعاف الأزهر في التاريخ المعاصر، كانت في عهد الرئيس السادات، الذي أصدر قرارا في 27 مارس 1973، بتعيين الدكتور عبد الحليم محمود شيخا للأزهر. ظل الرجل في منصبه حتى وفاته في 17 أكتوبر 1978، وخلال سنوات مشيخته، توسع محمود في إقامة المعاهد الأزهرية، وواجه ضعف الإمكانيات المادية بدعوة الناس إلى التبرع بالأرض والمال لبناء المعاهد، وكانت حجته أن المعاهد المقامة لا تكفي لإمداد الكليات الأزهرية، التي وصل عددها في عهده إلى 20 كلية، بالطلاب المؤهلين ثقافيا.

فتح عبد الحليم محمود الباب واسعا لنشر المعاهد الأزهرية في القرى والنجوع، ولم يقفل الباب بعد وفاته، إذ استمر شيوخ الأزهر في التوسع في بناء المعاهد، بمراحلها الثلاث: الابتدائية والإعدادية والثانوية، مستعينين بالتبرعات الأهلية، ولم يكن الأزهر يملك المعلمين المؤهلين للتدريس في تلك المعاهد، فبالرغم من حصولهم على شهادات أزهرية عليا، إلا أن الضعف كان سمة غالبة عليهم.

فتحت حالة الوهن التي أصابت المعلم والتلميذ الأزهري الباب أما تسلل تيارات الغلو من الإخوان والسلفيين إلى المؤسسة الأزهرية، ونال كثير من أعضاء الجماعات الإسلامية شهادات من الأزهر، بل إن كثيرا منهم حصل على درجتي الماجستير والدكتوراة، وترقى في السلم الجامعي الأزهري، وأصبح لهؤلاء نفوذ كبير على قطاعات من الطلاب لا يعترفون بمرجعية شيخ الأزهر.

اليوم تضم جامعة الأزهر 76 كلية، ينتسب إليها نحو نصف مليون طالب وطالبة، بينهم مبتعثون من 110 دولة، ويضم قطاع المعاهد الأزهرية 9250 معهدا ينتسب إليها نحو 400 ألف طالب وطالبة. لا شك أن هذا الاتساع سهل سيطرة التيارات الحركية على كثير من المعاهد الأزهرية، إلى درجة أن بعض هذه المعاهد لا تؤدي تحية العلم، ولا ينشد طلابها السلام الوطني في طابور الصباح، بعد أن استبدلوا به أناشيد دينية.

تمثل مناهج الدراسة الأزهرية إحدى أكبر المشكلات المعيقة لتطور المؤسسة، على سبيل المثال، فإن الأزهر يدرس الفقه للطلاب في المعاهد والكليات من خلال كتب تراثية، كتبت بلغة صعبة محنطة، وتحوي رؤى ترسخ للغلو والتطرف، بل وتؤصل للعنف والمواجهة باسم الفتح ونشر الدين.

كما أن هذه المناهج ترسخ لقيم “ماضوية”، كاستباحة الرق والعبودية، وجواز قتل الأسرى في الحروب، وأخذ النساء سبايا للخدمة والمتعة الجنسية، ومعاملة غير المسلمين بأساليب تخالف ما تعارفت عليه الدنيا من قيم المواطنة والمساواة، وقد وفرت هذه المناهج بيئة خصبة للمتطرفين، لينشروا أفكارهم بين الطلاب، سواء المصريين منهم أو المبتعثين.

هيثم أبو زيد

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock