فن

«أنا شهيرة.. أنا الخائن» .. المجتمع المحافظ حين تصدمه الدراما (2-2)

تتكوم سحب الكآبة.. وغبار الحزن يضرب الشاشة في كل مشهد من مشاهد مسلسل «أنا شهيرة.. أنا الخائن».. إما بفعل الوجوه المكتئبة، أو بفعل مدير التصوير الذي اختار الإضاءة المظلمة التي تضفي على الأماكن غيمة من الحزن العميق.

حضرة الناظر مدحت، ابن الستينيات، هادئ الطباع، معتدل المزاج، ذكي ألمعي، تربى على حزمة قيم كلاسيكية نبيلة، من أبناء الطبقة المتوسطة التي جار عليها الانفتاح، يمتلك شقة في عمارة عريقة مصر الجديدة، أصبحت بملايين الجنيهات، لكنه لا يملك سوى راتبه.

ليس له ذكور، لكنه كان راضيا، اتخذ من الشباب الذي حوله أبناء له.. لكن زياد، الشاب الصيدلي الفقير، كان أكثر من حظي برعايته.. زياد هذا شاب خلوق طيب القلب لا تخلو ملامحه من وسامة.. جعلته مرمى لمحاولات صيد النساء المترددين عليه في صيدليته.. لكن حبه الوحيد الذي ملأ قلبه كانت شهيرة ابن حضرة الناظر صاحب الفضل عليه وأسرته… لكنه لم يلق صدى لحبه هذا في قلب شهيرة، التي كانت ترى فيه أخا.

تدشن “نور” للخيانة المركبة القادمة الصادمة.. حتى تجمع خيوطها جميعا في النهاية.. فصديقة شهيرة، التي كان يشملها حضرة الناظر بالرعاية وأسرتها أيضا تحب زياد لكنه لا يبادلها العشق.. لكن عندما رفضته شهيرة تزوجها فكانت الزوجة المخلصة.

دخلت شهيرة على والدها لتلقي في وجهة تهمة الضعف في مواجهة خالها لكنه روى له قصة زواجه من أمها حتى تعرف الوجه الآخر للحقيقة: كنت مدرسا مبتدئا عندما أحببت أمك، وتقدمت لها، وهي من أسرة غنية، فظنوا أني ما سعيت لذلك إلا طمعا في مالها، فاتخذت قراري من البداية، تكفيني “رواية”، وسحقا لأموالهم. أخذت رواية في أحضاني، وكفاني حبها، كان هذا وعدا قطعته على نفسي، ألا أقرب من أموالهم وهي حية، ووعدي هذا ظل ساريا حتى بعد أن ماتت، هذا حقها علي.

حاول حضرة الناظر، أن يعطي لابنته درسا، وألا تغتر بالمال: كبرتك وعلمتك، ولم أتركك تنامي وأنت غاضبة مني، ولا أنا غاضب منك .. أليس هذا كافيا؟..: لن أسمح في شبهة لهذا الحب حتى بعد ما ماتت.. لم يكن ذلك كافيا لشهيرة التي لم تتخلص من شعور الظلم الذي أوقعه خالها على أمها وعليها.

بحثت شهيرة عن حب يشبه حب أبيها الطيب المخلص، لأمها الطاهرة الصابرة الشريفة، حتى جمعتها الأقدار برؤوف عبدالجواد.. كان اللقاء محض صدفة.. كانت تنوي مقابلة أبيه صاحب شركة الأحرار للأدوية، لتنبه بأن أحد الأدوية فاقد لفاعليته المطلوبة، فتأخر الرجل عن اللقاء تحت زخات الأمطار، وتعرض زياد لحادثة، فوجدت نفسها أمام قدرها منفردة.. فأحبها وأحبته، لكنها لاحظت في عينيه حزنا كامنا لم تجد له تفسيرا.. تنقشع سحب الكآبة وحديث الموت لتشرق شمس الحب، ولقاءات العشاق في جزيرة الدهب.

تبقى العقبة إذن لدي توفيق عبدالجواد، الرجل القوي الصارم، الذي يكره النساء، للحد الذي منعهن فيه من دخول شركته.. يرى عبدالجواد في النساء سببا لكل المشكلات، ويخشى من ذاك اليوم الذي يفاتحه ولده في الزواج، أنه يخشى من اقتحام امرأة بيتهم الحزين.

يخضع توفيق للأمر الواقع في نهاية الأمر بعد أن قبلت نفسه شهيرة، ذات الأصول الشرقاوية مثله، ثم يكون الزواج السعيد، ويتعرض ابنه للسجن، بعد اتهامه في قضية دواء انتجه غير مطابق للمواصفات.. لكن شهيرة تتحمل كل ما لاقت من أتراح، وتضع مولدها الذكر، وترفض ارتباطه بزياد بعد أن كاد يناديه الطفل بــ “بابا”… أخلصت شهيرة حتى خروج زوجها، ورفضت كل إغراءات أستاذها في الجامعة، الذي بدا كشيطان يحاول أن يكسر صلابتها: «زوجك لا يستحق كل هذا الإخلاص.. أرى في عينيك رغبة مكبوتة».

يموت حضرة الناظر في مشهد مأساوي.. وتتمكن شهيرة من كسر عقدة توفيق عبدالجواد تجاه النساء، بعد أن وقفت جانبه في مرضه، حتى قال لها “أنت أطهر ست في الكون يا شهيرة.. حتى أطهر من أمي التي رأيتها بعيني وهي تخون أبي”.. كشف لها عن سر كراهيته للمرأة .. لم يستطع أن يسامح فقتل زوجته معنويا بعد أن عرضها للقسوة والقمع مع أنها كانت مخلصة وحنونة، حتى حملها ابنه رؤوف في نفسه.. لم يكن يفهم لماذا يقسو أباه على أمه؟.

تبدو القصة حتى الآن عادية.. حتى بدت على رؤوف ملامح الحزن الشديد، حاولت زوجته أن تعرف ما يدور بداخله، حتى انفجر مرة باكيا: اغفري لي سامحيني قد خنتك وأريد أن أتطهر.. لا أستطيع أن أكتم في نفسي أكثر من ذلك.

ذهبت هي بكل بساطة لبيت زياد، زوج صديقة عمرها، وطلبت منه أن يضاجعها.. لن تترك حقها هذه المرة.. خيانة بخيانة… فإذا كان زوجها قد طلب منها الصفح، فعليه أن يصفح هو أيضًا.. لماذا يطلب من المرأة أن تغفر؟ ولا يطلب من الرجل ذلك.. لماذا خيانتها جرم بشع وخيانته خطأ عابر؟.

لم يكن رؤوف كآلاف الرجال حين اعترف بخطيئته، راجيا التطهر من فعلته، لكنها لم تغفر، استدعت إرث العذابات على يد الخال، والوالدين الذين رأت في موقفهما منه ضعفًا حين غفرا وتورعا.

لكنها داست على إرث حضرة الناظر.. وعلى حق وليدها.. وحق صديقتها.. وذهبت لإطفاء لهيب الشعور بالخيانة برمضاء الخطيئة.. تحولت شهيرة في أعين الشرقي المحافظ لخائنة حتى طالب المتابعون لمسلسل بتغيير اسمه “من أنا شهيرة .. أنا الخائن” إلى “أنا رؤوف .. أنا الخائنة” .. إلا أن اللافت أن الغالبية الكاسحة من النساء المصريات فقدن تعاطفهن مع شهيرة، أو حولوه في اتجاه رؤوف.. بما يشي بأن الثقافة الذكورية متمكنة من المكون الأنثوي في المجتمع.. كرهت النساء شهيرة واعتبرنها خائنه.. لكن تراجيديا المسلسل لم تتوقف عند ذلك بل تنحو منحى جديدا ومختلفا في رواية رؤوف التي تستمر لــ30 حلقة أخرى.. حتى يكتشف المشاهدون أن خيانة رؤوف كانت لها دوافعها الغامضة التي ستزيد التعاطف معه لحد مذهل.

مشهد من مسلسل «أنا شهيرة أنا الخائن»

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock