فن

«مركب بلا صياد».. عندما يطهرنا الحب من نوازع الثأر

“مركب بلا صياد”، قصة الكاتب الأسباني أليخاندرو كاسونا، رغم ثراء النص بالأفكار الفسلفية وصراع المشاعر الإنسانية، إلا انه لم يجذب المسرح المحترف لعرضه على جمهوره الواسع، وسبق تقديمه فقط كمسرحية إذاعية، إلى أن تم عرضه ضمن الموسم الحالي لمسرح الهناجر.

العرض من بطولة وإخراج عمرو قابيل، ويشاركه في البطولة رندا عوض، ومنحة زيتون، ومي رضا، وإبراهيم فرح، وهاني عبد الناصر.

كمشهد تمهيدي يدخل المشاهد المسرح في ظلام دامس، ليغوص في تفاصيل خشبة المسرح التي تصور منزل”بيتر أندرسون”، يطل المنزل على الفنار وميناء المدينة الصغيرة، ومع استخدام الأمواج كمؤثر صوتي، يخرج المشاهد من صخب المدينة ليصبح جزءا من المنزل الخشبي ذو المدفئة والمزرعة الصغيرة الخلفية.

حول اختياره لهذا النص يقول المخرج عمرو قابيل لـ”أصوات”: “أفضل النصوص هي تلك التي تناقش قضايا إنسانية وتطرح أشكال صراع الإنسان مع نفسه، مثل أن يفكر أحد منا ما الموت؟، ما الضمير؟، ما الغفران؟، وكل ذلك متاح بكثرة في الأدب الإسباني بشكل عام، وفي أدب كاسونا بشكل خاص ومميز”.

تبدأ المشاهد الأولى بحديث الجدة “منحة زيتون” مع نفسها، لتحكي للمشاهد وصفا ساخرا بسيطا عن الملل، الذي احتل المنزل منذ أن أصبح “بلا رجل”، بعد وفاة صاحبه “بيتر أندرسون”، الصياد الذي لم يترك لأسرته سوى المركب الذي طالما خاض به رحلاته في أعماق البحار، لكنه هذه المرة “مركب بلا صياد”، وأسرة غارقة في الديون.

هنا تطل فريدا “مي رضا” (شقيقة ستيلا أرملة أندرسون) في المشهد وتزف إلى الأسرة أن زوجها كريستيان دفع كل الديون المتراكمة عن إيجار المنزل، وهو ما ترفضته ستيلا الجميلة “رندا عوض” التي تصر أن زوجها قتل عمدا، وتروادها الشكوك في تورط كريستيان في الجريمة.

تتهلل أسارير الجدة سريعا عندما يخبرها العم ماركو”إبراهيم فرح” أن أحد المسافرين العابرين استفسر منه عن منزل بيتر أندرسون، ويبدو أنه صديق قديم له، راود الجدة الأمل أن يملأ ذلك الضيف العابر المقعد الثالث الشاغر أمام طاولة الطعام لرب الأسرة، ولو لعدة أيام.

 العم ماركو هو الجار العجوز الذي يساعد العائلة في بيع نماذج المراكب الخشبية الصغيرة للسياح المارين على ميناء المدينة، أداء الفنان إبراهيم فرح يجعلك كمشاهد تريد أن تصحبه إلى اقرب “قهوة بلدي” للحديث حتى الصباح.

وسط فرح الجدة ودهشة ستيلا، يذهب العم ماركو ليأتي بصديق بيتر اندرسون المزعوم والمنتظر، ريكاردو خوردان “عمرو قابيل” الذي يدخل المنزل، وكأنه يصطحب معه جبال من الهموم وحزن يجعله يبدو أكبر من عمره. هنا يتوقف المشهد عند أول جملة بين ستيلا وريكاردو، ليحملنا المشهد الجديد داخل ذاكرة ريكاردو خوردان “فلاش باك”، في حرفية عالية في التنقل بين مشهد حال ومشهد من الذاكرة مع انتقال بين مشاعر مختلفة وعكسية تماما وأيضا ديكور مختلف.

حول المعالجة الدرامية واختياره لفكرة الفلاش باك، يقول عمرو قابيل: “المشهد غير معالج بهذه الطريقة في النص الأصلي أو في المسرحية الإذاعية، حاولت أن اضيف شكلا من الإثارة والتشويق على مستوى التكنيك، بحيث يتعرف المشاهد على المنزل ثم تتكشف الأحداث، ويتم استرجاع مشاهد من الماضي، ما يجعل جريمة القتل أكثر غموضا، وهو تكنيك صعب مسرحيا ويختلف عن السينما، لأنه يحتاج دقة في التنفيذ حتى تعود من مشهد الفلاش باك للمشهد الأصلي، بنفس وقفة الممثل ونفس تفاصيل الديكور ولكن مع مشاعر مختلفة طبقا لاختلاف المشاعر بين المشهدين”.

ينقلنا مشهد “الفلاش باك” للضيف القادم في حديث مع مدير البنك “محمد فتحي” لنكتشف معاناة رجل الأعمال الثري ريكاردو مع انهيار أسهم شركاته في البورصة، وأن غريمة في السوق استطاع استمالة كل من حوله تقريبا، ليبدو ريكاردو على حافة الإفلاس.

حالة الضعف التي أصبح عليها ريكاردو، كانت بابا خلفيا للمدبر الأعظم لكل شروره.. الشيطان “هاني عبد الناصر” ليظهر له معتمدا على ضعفه عارضا “صفقة العمر”، حل كل المشاكل المادية، ولكن في مقابل ماذا؟.. الجريمة الوحيدة التي لم يرتكبها ريكاردو عن قصد وهي القتل، يتفق ريكاردو والشيطان على اختيار ضحية عشوائية، وتقتل تلك الضحية بالفعل، لكن صوت وحيد يبقى في ذاكرة الرجل الثري، امرأة تصرخ “بيتر”.

هاني عبد الناصر قدم دورا خفيف الظل، جعل حتى الأطفال يحبون ذلك الشيطان الراقص، وهنا يقول عمرو قابيل “أردت في المعالجة أن اظهر الشيطان كما كان يراه ريكاردو الطفل الذي كان يحمل كم من البراءة، قبل ان يصبح ريكاردو خوردان الثري بلا قلب”

نعود من مشهد الفلاش باك لمشهد الظهور الأول لريكاردو في منزل بيتر اندرسون، وسط حزن ريكاردو وصوت السيدة التي أمامه “ستيلا”، الذي ظل يطارده لسنوات منذ مقتل بيتر، وفرحة الجدة بوجود رجل جديد، وعدم مبالاة العم ماركو.

تتدخل الظروف لتجبر ريكاردوا على الإقامة في المنزل لمدة أطول مما توقع عند مجيئه للمدينة، يبحث خلالها عن الاعتراف بجريمته المزعومة والغفران من ستيلا، لكنه يصبح في تلك المدة القصيرة، كأنه نشأ في تلك المدينة، رجل غير ثري، عادت له الذاكرة، يصنع المراكب الخشبية الصغيرة للسائحين، ويصطاد السمك، وبمساعدة من العم ماركو يعرف الوقت دون النظر للساعة.

ريكاردو الجديد، يظهر له الشيطان من جديد لكنه يتغلب عليه هذه المرة، خاصة عندما يدرك انه لم يرتكب جريمة قتل بيتر اندرسون، حينها يشعر بالرغبة في التخلص من الماضي “الثراء”، وأن بقاءه بجانب ستيلا، صيادا في البلدة الصغيرة، هو العالم الذي كان يبحث عنه منذ الصغير، أما ستيلا فتصفح عن قاتل زوجها الحقيقي، وتبدأ هي الأخرى، حياة جديدة مع ريكاردو، لتكون النهاية في نفس المنزل الذي أصبحت طاولة طعامه تحوي ثلاثة أطباق للطعام وتحيط بها ثلاثة مقاعد.

عن عدد الجمهور الذي يبدو أقل من قيمة المسرحية، يقول عمرو قابيل: “في المسرحية جملة على لسان أحد أبطالها تقول: القمح في بلدنا قليل لكنه حقيقي وليس مزيفا، وأراها مناسبة للتعبير عن نوعية جمهور المسرحية، لكن هناك أيضا أسباب واقعية، مثل أن توقيت بداية العرض كان شديد الصعوبة، بسبب التزامن مع شهر رمضان، وامتحانات ثانوية العامة، وكأس العالم، كلها ظروف ضد أي عمل مسرحي سواء جيد أو غير جيد”.

وحول الدعاية المتواضعة للمسرحية، يقول قابيل: “مسرح الهناجر له جمهوره، لكن المسرح عامة يفتقد فكرة التسويق والدعاية، فمعظم العروض تعتمد على دعاية الفنانين أنفسهم وعن طريق صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي”.

أما عن مدة التحضير، فيقول “أصعب الأوقات وأكثرها إرهاقا هي معالجة العرض كتابيا، خصوصا مع تحويله للعامية”.

ومن الصعوبات التي واجهت المسرحية أيضا، انتقال البطولة من الفنان محمد خميس لعمرو قابيل قبل أول أيام العرض بنحو 48 ساعة، ويعلق عمرو عليها قائلا: “محمد زميل رائع وصادفه ظرف طارئ في رمضان لانشغاله بأحدى المسلسلات، وبالتالي اضطررت لأداء الدور بدلا منه”.

محمد خميس

ويختم قابيل حديثه لنا بأن العرض مستمر حتى نصف شهر أغسطس ويشارك في المهرجان القومي للمسرح، ثم سيتم تقديمه لاحقا في جولة خارج القاهرة تطوف عددا من المحافظات.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: