عام

فن الدوبلاج.. من ينقذه من أزمته؟

عرفت مصر فن الدوبلاج منذ سبعينيات القرن الفائت، وتطور فيها سريعا وصار له فنانوه المعروفون ولو في دائرته الضيقة. الدوبلاج كلمة فرنسية الأصل تعني ببساطة تركيب صوت جديد مختلفة لغته على النص الأصلي المزمع إنتاجه؛ وعلى هذا هو فن صوتي صرف لكن هذا لا يشير إلى سهولته على الإطلاق.

الممثلون الجيدون فقط هم من يستطيعون نقل الأحاسيس والانفعالات الخاصة بالذين يلعبون أدوارهم صوتيا للجماهير، ولو كان الدوبلاج مجرد تحريك شفتين لما اشتكى العاملون بمجاله من ندرة البارعين فيه.

صناعة الدوبلاج تحتاج إلى قنوات منتجة، شركات منفذة، استوديوهات صوت، نص، مخرج، مهندس صوت، وأخيرا الممثلين. القنوات المنتجة هي الأساس في اختيار العمل المراد تحويله إلى دوبلاج، وهي تقوم بالتنفيذ من خلال شركات تتولى الاتفاق مع العناصر اللازمة وتوفير أماكن التسجيل وأجور العاملين بالتنسيق مع تلك القنوات. واستوديوهات الصوت المعدَّة لإنتاج الدوبلاج يتعين أن تكون مجهزة لا ينقصها شيء ضروري وتتولاها إدارة حازمة تقدر قيمة الوقت.

أما النص فيلزم ترجمته بأمانة ثم تمصيره بما يوافق القيم المحلية وتحديد لغته إن كانت عربية فصيحة أم لهجة دارجة مع صنع رؤية عامة له في صورته الجديدة وتحديد الأدوار فيه بدقة، وهذه هي العملية المعروفة بعملية إعداد النص للدوبلاج، ويستحسن أن يوجد مصحح لغوي عند التسجيل لو اختيرت الفصحى.

والمخرج هو قائد العمل ككل كما في الدراما، والمسؤول عن خروج العمل بصورة جيدة من كافة جوانبه، ويلزم أن يكون محترفا لا هاويا وخبيرا بالدوبلاج وخفاياه وصارما وليس مجاملا ودارسا لطبقات الصوت والأداء الدرامي، أو لديه حصيلته الممتازة بشأنهما، كما يجب أن يكون قادرا تماما على إدارة الصغار والأطفال.

ولأن الفن صوتي بالأساس يتضاعف دور مهندس الصوت في عملية إنتاجه، وهو يعتمد على الكمبيوتر اعتمادا كليا لذا عليه أن يحيط إحاطة تامة بالتقنيات الصوتية، وأن يتسم باليقظة والسرعة، وأن يرجع للمخرج فيما يجده بحاجة إلى ضبط أو إيضاح. وأخيرا يأتي دور الممثلين المحترفين أو الهواة، أطفال أو كبار، مع توافر الموهبة وعلم وافر بطبقات الصوت (القرار، الجواب، قرار القرار، جواب الجواب) وقدرات أدائية ممتازة.

ينمو هذا الفن لدينا نموا ذاتيا، أعني يتبادل أفراده الخبرات والأدوار التي بها يحدث الاستغناء، مع حرصهم على رعاية النشء المنتمين إلى الدوبلاج؛ فالممثلون مع الوقت يقومون بالإخراج والمخرجون يمارسون الهندسة الصوتية.. إلخ، والجميع قلة محدودة في الحقيقة وربما لهذا منغلقة على نفسها، فهو فن يفتقر إلى المتابعة الإعلامية والاهتمام العام.

أحد أكبر المشكلات التي تواجه أهل الصنعة قلة الموارد المالية في طريقهم الشاق، فالمنتجون لا يتحمسون للدوبلاج كالدراما السينمائية والتلفزيونية والبرامج، بل أدنى بكثير. والعاملون بالدوبلاج بلا نقابة تجمعهم وتوحد مطالبهم وتكون أمانهم في هجير الأيام، لذا يقلُّ حظهم من الغنى والشهرة وربما يشعرون بالدونية الفنية مع كونهم يؤدون خدمات فنية جليلة.

الأجور متدنية في جميع الأحوال، ونجوم التمثيل لو طلبتهم الشركات يبالغون في المقابل المادي كأنهم يلعبون أدوارا كاملة، أي يساوون أجر الدوبلاج بأجورهم في التمثيل الدرامي أو يقاربونه به، ومن ثَمَّ لا تقدر عليهم إلا الشركات الكبرى كديزني وأمثالها وتخسرهم الشركات المتوسطة والصغرى.

الفنان القدير الراحل عبد الوارث عسر سبق الآخرين في الدوبلاج حين قام بدور الراوي في فيلم “سنو وايت والأقزام السبعة” وبدور المرآة السحرية بالفيلم أيضا (إنتاج عام 1975). كان الفيلم، كما تقول المصادر، أول فيلم رسوم متحركة لشركة ديزني بالنسخة العربية، وشاركت الفنانة فاطمة مظهر ببطولته الصوتية، وأدت أغانيه السيدة رتيبة الحفني، فيما أدى جمال إسماعيل شخصية “القزم غضبان”.

ومن المشاهير الذين عملوا بالدوبلاج للأفلام الكرتونية لديزني بعد الأجيال الأقدم (أمينة رزق وعبد الرحمن أبو زهرة وغيرهم)، يحيى الفخراني وأحمد بدير ومحمد هنيدي وأحمد السقا ومنى زكي وماجدة زكي وهالة فاخر ورجاء الجداوي وسلوى محمد علي وخالد الصاوي ومحمد حماقي وهاني عادل ولطفي لبيب وعلاء مرسي وحنان ترك ورشوان توفيق وخالد صالح وعبلة كامل وصفاء الطوخي وماجد الكدواني وكريم الحسيني ومجدي كامل وعلا رشدي ولقاء الخميسي.

أمينة رزق، عبد الوارث عسر

وأيضا الراحلون أحمد راتب ويوسف داوود وعلي حسنين وثريا إبراهيم. وهؤلاء جميعا وغيرهم أغنياء عن التعريف، وجهودهم المتميزة في أعمال الدوبلاج، محفوظة في أرشيف التلفزيون المصري والعربي والعديد من الصحف والمواقع.

وهناك أيضا فنانون أقل شهرة لا مكانة كسهير البدراوي وعادل خلف وأحمد محمود وهنادي محمد وشقيقتها هايدي ومحمد الكاشف وسهى عرابي وجيهان الناصر وعلا مصطفى وسيد الرومي ومعوّض إسماعيل وعلي مصطفى وهاني عبد الحي وياسر عزت وأسماء عبد الحميد وأحمد عبد الحميد ولبنى ونس ولاشينة لاشين وزوجها الفنان محمود عامر وعارفة عبد الرسول ولنا مشتاق وجيسي.. على سبيل المثال لا الحصر.

الكرتون أكثر الدوبلاج وأشهره، لكنه ليس كله ولا أهمه، وكثيرة هي الأفلام الدرامية العادية التي تمت دبلجتها للعامية المصرية، من أبرزها بنجامين بوتين وفيلم الرعب رنج وقامت الفنانة علا مصطفى بالبطولة الصوتية لهما. وهنا لا يصح نسيان الراحلة القديرة منى أبو النصر منتجة ومخرجة مسلسل بكار (1998).

منى أبو النصر منتجة ومخرجة “بكار”

أبرز منافس للسوق المصري في هذا الفن هو السوري، لكن العامية المصرية من اللهجات الأثيرة لدى ديزني وغيرها من الشركات الكبرى في الدوبلاج؛ ولا غرو فعاميتنا المصرية شديدة الثراء من حيث اتساع تعبيراتها وخفة ظلها ووضوحها الذي يقترب من الفصحى ويفهمه الجميع على عكس اللهجات العربية التي لا يفهم كثيرا منها إلا أهل البلد المنتمية إليه.

ورغم ذلك يعاني فن الدوبلاج في مصر منذ سنوات من عثرات إنتاجية مقلقة تنذر بالخطر وبعض شركاته توقفت عن العمل بشكل نهائي أو مؤقت، لكن الأمل في التفات صادق إليه وفي ورشه التعليمية التي ما زالت تعمل وفي الأجيال الأحدث التي تحبه وتحترمه وتقبل عليه وترغب في مواصلة مشواره والإضافة إلى إنجازات سابقة سامقة.

الوسوم

عبد الرحيم طايع

شاعر وكاتب مصري

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: