فن

د. أحمد عبد الشافي: مصر ولّاَدة وموسيقانا لا شبيه لها

موسيقي رفيع اجتمعت فيه موهبة فذَّة مع دراسة أكاديمية عالية، هو الدكتور أحمد عبد الشافي عبده، أستاذ النظريات والتأليف الموسيقي في عدة جامعات ومعاهد مصرية، الملحِّن والموزِّع الموسيقي قائد فرقة محمد عبد الوهاب الموسيقية، كما قاد الأوركسترا المنفِّذ لأعمال الموسيقار عمَّار الشريعي، وله أعماله المغنَّاة مع علي الحجار ومدحت صالح ونبيل شعيل وغيرهم.

هو أيضا مؤلف الموسيقى التصويرية لأعمال درامية مميزة، أبرزها “حارة الزعفراني”، فضلا عن قيادة الأوركسترا المصاحب لموسيقى وأغنيات أعمال درامية أخرى، منها حدائق الشيطان، العندليب، درب الطيب، المصراوية، نقطة نظام، حق مشروع، شيخ العرب همام، شمس الأنصاري.. وغيرها.

لا حدَّ لمشاركات الرجل المحلية والدولية وإنجازاته الفنية المتنوعة ورعايته لدارسي الموسيقى ومحبيها كبارا وصغارا، في مصر وخارجها، وهو ما نتطرق إليه في حوارنا معه هنا.

  – يقول اليونانيون: إذا أردت أن تعرف أمة فاستمع إلى موسيقاها. إلى أي مدى تستشعر صدق هذه المقولة؟

الفن هو مرآة الشعوب عامة، والموسيقى بدورها تعبر عن مشاعر وربما أحوال الأمة ومدى تقدمها أو تأخرها، وكلما تقدمت الشعوب زادت موسيقاها رقيا واحتراما، ومن ثم أتفق تماماً مع هذه المقولة.

– كيف يفكر الملحنون حين يتفوَّقون؟ وهل يبقى من كلِّ واحد فيهم لحنٌ أو اثنانِ مهما كان الاجتهاد عظيما؟

حينما يفكر الملحن في التفوق فهو لا يتفوق عادة، فالملحن يحاول جاهداً التعبير عن مكنون الكلمات في الأغنية بكل ما يحمل بداخله من إمكانيات وموسيقى داخلية، وقد يفلح أو لا يحالفه الحظ، وكم من أغنيات وموسيقى تحمل الكثير والكثير من الجماليات لم تجد لها طريق النجاح بينما جاءت موسيقى أخرى لنفس الملحن وتحقق لها النجاح، لذا فالتفوق يكون نتيجة لعوامل كثيرة بجانب طبعاً الموهبة العميقة.

– في متابعتك لموسيقى الشعوب الفلكلورية، هل وجدت بينها من تشبهنا؟

شاركت في مهرجانات دولية عديدة على مدى سنوات لموسيقى الشعوب من كل أنحاء العالم، استمعت إلى الكثير منها وشاركت في تنفيذها وغنائها أيضاً، وبصراحة لم أجد في كل تلك الموسيقات ما يشبه موسيقانا الشعبية في ملامحها أو صفاتها حتى وإن اشتركت بعض الشعوب في مقاماتنا الموسيقية، إلا أن الموسيقى الشعبية المصرية والرقصات المصاحبة لها وكيفية أدائها ببهجتها لا تعلو عليها موسيقى أخرى في العالم.

– عالميا.. ما السيمفونيات التي تروقك؟ ومحليا.. من لا يفارق خيالك موسيقاه؟

أقرب السيمفونيات إلى قلبي هي سيمفونية “من العالم الجديد” وهي السيمفونية التاسعة للمؤلف الموسيقي التشيكي “أنطونين دفوراك” وبالذات الحركة الرابعة فيها، بجانب سيمفونية بيهوفن التاسعة لبتهوفن، وأعمال موتسارت، الموسيقي الأقرب إلى قلبي، أما محلياً.. فخيالي لا يستطيع أن يفارق أستاذي “عمار الشريعي” الذي عشت معه عمري كله فنياً وعشر سنوات عملياً أقود وأنفذ موسيقاه حتى توفاه الله.

– قيل إن صوت محمد قنديل أندى كثيرا من أصوات فاقته شهرة. هل توافق على المقولة؟

— نعم، هذه المقولة صادقة تماماً، فصوته امتاز بنقاء غريب لم يتميز به غيره، ولم يأخذ حقه من الشهرة التي يستحقها مع ذلك.

محمد قنديل

– هل نفتقد التذوق الموسيقي السليم؟

للأسف نعم نفتقر إلى التذوق الموسيقي السليم في منطقتنا العربية بأكملها، ومعناه ببساطة أن تتعرف كمستمع على الجماليات في اللحن والصوت، وكيفية تحديد عناصر الموسيقى لمعرفة ما يُستمع إليه من الذي لا يجب الاستماع إليه، وهي عملية تتوقف على الاستماع الجيد للخروج بقيمة معينة في الآخر، وهذا ما دفعني إلى محاولة مساعدة المتخصص والهاوي في كيفية الاستماع الجيد للموسيقى وكيفية تذوقها وأنشأت صفحة على موقع للتواصل الاجتماعي بعنوان “تذوق الموسيقى العالمية ” تحتوي على حلقات إذاعية أشرح فيها كيف نتذوق الموسيقى، وكيف ننمي حاسة التذوق الموسيقى الجيدة، وأسعدني أن متابعي الصفحة يزدادون باستمرار ما يجعلني متفائلاً بخير قادم.

– من أهم الأصوات التي تميل إلى سماعها، رجالا ونساء؟

لا أفرق عند الاستماع إلى الأصوات بين الرجال والنساء، فالصوت الجيد فقط هو ما يدعوني للاستماع له والإعجاب به بغض النظر عن جنس المطرب.

– هل تخشى أن نفقد كمصريين عرش الموسيقى في منطقتنا العربية؟

لا لم يخطر ذلك ببالي، فمصر ولادة موسيقيا ولن ينضب معينها من الكفاءات الموسيقية، والواقع يؤكد هذا، فالخريجون الذين يدخلون مجال الموسيقى كل عام في تزايد مستمر وأكثرهم متميزون للغاية.

– مصطلح “الموسيقى الصوفية” هل تراه دقيقا؟

التصوف هو نوع من التعبد لله، والموسيقى الصوفية هي ما يتغنى به المنشدون في تجمعاتهم، يتغنون بأبيات كلها تضرع إلى الله ومناجاته، ولا يوجد تحديد صريح ببدايات هذا النوع من الموسيقى ولا أساتذته حيث لا يلتزم بقوالب معينة عند الغناء، ولكن هناك أنواع أخذت شهرة وأتباع مثل طريقة “المولوية” وهذه مرتبطة أيضاً بالرقص بحركات معينة في مصاحبة الغناء.

– كيف تفسر اختفاء أصوات قديرة من الساحة الغنائية مؤخرا؟

الظروف الإنتاجية سبب رئيسي في شهرة بعض الأصوات واختفاء بعضها الآخر، إلا أن الموسيقى والشعر فعلاً أصبحا لا يستطيعان تقديم أعمال تليق ببعض الأصوات الأصيلة التي اختفت، خصوصاً تلك التي احترمت فنها وحرصت على تقديم فن راق.

– هل ترى الموسيقى سلاحا فاعلا في بيئة تعاني ويلات فكر ظلامي رجعي؟

الحقيقة لدي من الأفكار الكثير مما يشق ظلام الرجعية ولكن يعطل تنفيذها دائماً نقص الجوانب المادية التي تهيئ لها فرص الظهور إلى النور.

– ما الفيلم الذي حازت موسيقاه التصويرية إعجابك؟ ومن الأبرز محليا برأيك؟

الفيلم الأمريكي “الأسد الملك” الذي أنتجته استوديوهات ديزني فهو يمتلك موسيقى تصويرية معبرة تماماً عن الأحداث في خطوط لحنية رائعة، ويظل الأبرز دائماً بالنسبة لي في الموسيقى التصويرية العبقري عمار الشريعي.

– متى نجد مراكز لتعليم العزف لا تكون أولوياتها الرِّبحية؟

لن تجد في بلادنا هذه النوعية من المراكز، لأنها في الخارج تنهض بها مؤسسات عملاقة تهتم بالموسيقى مع باقي الفنون في منظومة ضخمة لا تتوافر عندنا، وربما كان ذلك تأثرا بوطأة الحالة الاقتصادية وانشغال الدولة بما تراه أهم وأجدى في هذه المرحلة.

– ماذا عن كتابة النوتة الموسيقية وقد نَدَرَ كُتَّابُها؟

لا أعتقد أنها ندرت، فأنا وزملاء كثيرون لي في الوسط نجيد كتابة النوتة الموسيقية، ولكن ربما يصل إليك هذا الإحساس نتيجة عدم اعتماد فرق الشباب الرائجة على النوتة الموسيقية المدونة وإنما على الحفظ، أي بالأذن وليس بالقراءة.

– شِقُّ التسلية مطلوبٌ في الفن، هل تؤمن بهذه المقولة؟

الفن في أساسه تسلية، فالاستمتاع بالفن والموسيقى هو نوع من أنواع التسلية، ولكن يجب أن تكون التسلية وراءها هدف ورسالة أيضاً، فلو لم تكن حالة الموسيقى جدية لما صح الاستمتاع ولا التأثر، وفي هذه الحالة تصبح الموسيقى مجرد وسيلة للتوجيه الشعوري، سواء كانت عاطفية أو دينية أو حماسية.. إلخ..

– بعيدا عن الموسيقى، هل تجد وقتا لهوايات أخرى؟

لا أقدر عن الابتعاد عن الموسيقى أصلاً، لكني في بعض الأوقات التي أريد فيها تصفية أذني وذهني قليلاً لكي أرجع بأفكار جديدة، فإني أهوى القراءة في كافة المجالات، خاصة العلمية والتكنولوجيا، إلى جانب متابعة الرياضة قليلاً.

– أخيرا، هل لديك ما تودُّ أن تقوله بلا حسابات؟.

عندما أتكلم عن الموسيقى، فلا أحسب أية حسابات، لكني أتمنى من صميم قلبي إتمام الأفكار التي لدي والتي آمل أن تقدم لمحبي الموسيقى وجبة ماتعة مشبعة وفن هادف وراق في زمننا الموحش هذا، وربما تكون وسيلة لخفز الناس لتغيير أشياء خاطئة كثيرة انتشرت مؤخرا في وطننا الغالي.

الوسوم

عبد الرحيم طايع

شاعر وكاتب مصري

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: