مختارات

خطاب التعصّب وهزائم التنوير

لعل أهم إنجازات التنوير الاعتراف بالآخر أياً كان لونه أو دينه أو قوميته. ما أسس لتجاوز المنحى الأصولي الإلغائي الذي رأى إلى الآخر بوصفه ضالاً أو مبتدعاً أو عدواً يجب نفيه أو استئصاله. فيما الحق والحقيقة والصواب من سمات»الذات» التي أسبغت عليها العصمة والقدسية واحتكار الحقيقة. فالإيمان القويم وفق هذا المنحى هو ما نؤمن به. والحزب الطليعي هو الذي ننتسب إليه و «الفرقة الناجية» هي فرقتنا. والرؤية الصائبة هي رؤيتنا. والعرق المصطفى هو عرقنا. عليه، لا معنى ولا مشروعية للحوار لأنه ليس لدى الآخر ما يبدل قناعاتنا أو يضيف جديداً إلى تفكيرنا وتصوراتنا طالما أننا استحوذنا على المعرفة الكلية والحقيقة المطلقة.

جاء فكر التنوير ليضع حداً لهذه الرؤية الأصولية وهذا المنحى المدمر السلام الإنساني والعلاقات الودية والتضامنية بين البشر، فقال بالمساواة التامة بين الناس وبالنسبية والتعددية في الرؤى والتصورات والمعتقدات. نادى بالوحدة القومية. وبالأممية الإنسانية وتوحيد البشر إن بمقتضى الطبيعة أو بمقتضى العناية الإلهية. فجرى تبعاً لهذه الرؤية توحيد قبائل وإثنيات وأعراق وعشائر في أمم وأوطان، ثم في اتحادات إقليمية أو قارية، فيما ظل التطلع إلى الوحدة الكونية قائماً، إن من منظور إيماني أو من منظور طبقي أو إنساني.

تأسيساً على فكر التنوير، أبدى نهضويونا العرب إعجابهم بحداثة الغرب ونظمه السياسية والاجتماعية القائمة على المساواة والانفتاح على الآخر والتطلع إلى الوحدة الوطنية والقومية على أسس علمانية. كتب الطهطاوي في «تخليص الإبريز في تلخيص باريز»: «الغالب على أهل باريس البشاشة في وجوه الغرباء. ومراعاة خاطرهم. ولو اختلف الدين فالتعبد بسائر الأديان مباح عندهم. لا يعارض مسلم في بنائه مسجداً. ولا يهودي في بنائه صومعة». ولاحظ فارس الشدياق أن «من يأت إلى بلاد الإنكليز لا يسأل عن جواز ولا إجازة. ولا يهمه إن كان جاره قاضي القضاة أو شرطياً أو جلوازاً. لأن كل الناس في الحقوق البشرية عندهم متساوون».

في الإطـــار ذاتـــه دعا بطرس البستاني وفرح أنطون إلى الفصل بين الدين والسياسة. ونادى فرنسيس المراش بـ «المحـــبة الوطـــنية المنــــزهة عن أغراض الدين»، ونجيب العازوري وأمين الريحاني بالوحدة الوطنية القومية العربية.

 

إلا أن ما يجري في هذه الحقبة من تاريخنا، يمثل بارتداده عن تلك المثل والتطلعات. هزائم قاســية للتنوير. وخيبة كبرى لرهانه على تجاوز التفتت القبلي والعشائري. إن في العالم العربي أو في الغرب معقل الحداثة ومنطلق التنوير. فآفة التعصب ورفض الآخر باتت تهدد الغرب الليبرالي. ومن قلب أوروبا بالذات. مهد الحرية والتسامح والقبول بالمختلف. ولم يعد في وسع الأوروبيين الاعتداد بالنفس في هذا الخصوص. فبعد قرون على ليبرالية الغرب وأفكاره التنويرية، نجد لدى هولندا التي كانت شديدة التسامح. نسختها من القبلية العنصرية. حيث إن مجرد ذكر كلمة «مسلم» تحرّض على حملة شعواء من الاحتجاجات. وفي سويسرا العريقة في الديموقراطية، صوتت الأكثرية ضد تشييد مآذن في البلاد. وفيما قررت بريطانيا الانسحاب من الاتحاد الأوروبي تنجلي الانتخابات في فرنسا وألمانيا والنمسا والسويد، عن تقدم لافت للاتجاهات الشعبوية الرافضة الآخر، حتى إن الولايات المتحدة، وفق عالم الاجتماع الأميركي ريتشارد سينيت، تحولت إلى مجتمع قبلي يعارض الناس فيه التعايش مع من يختلف عنهم. وقد بات التماسك الاجتماعي حالياً، إن في المجتمع الأميركي أو في المجتمعات الأوروبية أقل مما كان علـــيه قبل ثلاثين سنة. فمن خلال بحث ميداني في سبعينات القرن الماضي في بوســـطن، تبين أن العمال كانوا يبدون قدراً كبيراً من التضامن والتعاون في ما بينهم، حتى إنهم كانوا يؤدون عمل غيرهم في حال حصول خطب طارء. أما اليوم، بعد أربعين سنة على هذا البحث، فقد عبر العمال عن ثقة سطحية بزملائهم، وعن هشاشة التعاون في ما بينهم. فضلاً عن إحساسهم بالمرارة بسبب الروابط الاجتماعية الضحلة مع زملاء العمل.

أصل الإشكال في رأينا، أن حركة التاريخ الإنساني حملت نقائض أعادت الإنسان المعاصر إلى أنانيته. ردته إلى جماعته – طائفته، قوميته – قبيلته، احتماءً من آخر يهدده وجماعته بالهيمنة أو النفي والإلغاء. فالتطور خلق الثروة المفرطة وخلق معها الفقر المدقع، أوجد القوة والتكنولوجيا وأوجد معها الهيمنة. أبدع وسائل التواصل المذهلة فيما عزل الفرد وراء هذه الوسائل ليقبع في غربته عن المجتمع والحوار الحي والمباشر مع الآخر. وقد مهّد ذلك كله لعالم يسوده تنازع البقاء وشرعية القوة بدل التواصل الودي والتعاون البناء بين الناس من أجل عالم أفضل وأكثر وداً وسلاماً.

لقد دفع التوحش الرأسمالي المتعــطش إلى الـــثروة والقوة والسيطرة عالمنا إلى حافة الهاوية غير مرة في تاريخنا الحديث. وهو ينذر الآن بأخطار غير مسبوقة على النوع الإنساني ونوعية الحياة وشكل العلائق الإنسانية إذا استمر التطور في الاتجاه المربك إياه. وليس إلا العودة إلى إرث التنوير ومقولاته الرائدة في النسبية والتعددية وقبول الآخر سبيلاً إلى إسقاط خطاب التعصب وأطروحاته البائسة.

نقلا عن موقع الحياة

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق