مختارات

القصة الحقيقية لتاريخ حجر رشيد

قطعة غريبة غير منتظمة من حجر البازلت قدر لها أن تشغل الدارسين بما أحدثت من أثر خطير في تراث العالم القديم بعامة، وكان أن أفضى السر عن تاريخ وحضارة مصر، وعندما عُثر عليه كان مفتقداً من بعض أجزائه، عُرف هذا الأثر باسم “حجر رشيد Rosetta Stone” نسبة لمدينة رشيد المطلة على البحر المتوسط وعلى بعد 65 كيلومتراً من شمال شرق الإسكندرية وحيث قادت الصدفة المطلقة ضابطاً أو جندياً فرنسياً “بوشارد Bouchard” إلى العثور عليه- ملقى على الأرض- وذلك عند قيام فرقة من الحملة الفرنسية عام 1799 بعمل استحكامات عسكرية في قلعة قايتباي برشيد. وقد أسرع “بوشارد” إلى قائده الجنرال “مينو Menou” فاحتفظ به في منزله بالإسكندرية عامين. إلا أن أخبار الحجر وصلت إلى نابليون حتى أمر بتسليمه إلى “معهد مصر Institude d’Egypt” لدراسة وتحقيق رموزه وعند عجز دارسيه، أمر نابليون باستنساخه وإرسال نسخ منه إلى علماء أوروبا. على أن الصراع الانكليزي الفرنسي في ذاك الوقت والتسليم بانسحاب الحملة من مصر- نتيجة معاهدة الجلاء عن الإسكندرية عام 1801 والمسماة “معاهدة العريش”- قد انتهى إلى تسليم حجر رشيد إلى إنكلترا حيث يحتل مكانة اليوم بمتحف لندن.

ولأن الحجر يحتوي على كتابة بلغات مصرية قديمة، فيجدر بنا التنويه إلى أن الكتابة المصرية القديمة قد استهوت مختلف الباحثين على مر العصور. فقد أخبرنا “كليمنت لسكندري” الذي كان موجوداً في الإسكندرية في القرن الثالث الميلادي، أن للمصريين خطوطاً ثلاثة هي الهيروغليفية والهيراطية والديموطية وإن لم يذكر عما إذا كان لهذه الثلاثة خطوط حروف واحدة أم لكل خط منها حروف خاصة به، وفي القرن الرابع الميلادي وضع “حورس” المصري مؤلفاً في اللغة المصرية القديمة ترجم إلى اليونانية فسر فيه نحو 189 كلمة هيروغليفية، كما اهتم العرب بتلك اللغة اعتباراً من أوائل القرن السابع الميلادي وأطلقوا عليها تسمية “لغة العصافير” وذلك لكثرة صور الطير فيها… هذا وقد ظلت تلك الكتابة الغامضة تثير الكثير من الجدل والمناقشات حتى عصر النهضة الأوروبية، وقد شهد القرن 16م عودة إلى قراءة الكتابات الكلاسيكية (اليونانية واللاتينية) وبحلول القرن الـ17م تزايد الإقبال على دراسة الأوراق البردية بسبب احتوائها على كم هائل من المعلومات اللازمة لدراسة “التوراة” (حدث أول كشف للأوراق البردية في مصر عام 1778 عندما عرض جماعة من الفلاحين على أحد السياح الأجانب خمسين لفافة بردية لم يشتر منها إلا واحدة أهداها بعد عودته إلى أوروبا للكردنيال ستيفانو بورجيا الذي أودعها في متحفه ببلدة فيليتري بإيطاليا، ومن ثم فقد عُرفت هذه البردية باسم قرطاس بورجيا Charta Borgia) وكان أن غر الألماني “كيرشر Kircher” بدراسة اللغة القبطية واستطاع الكشف عن العلاقة التي تربط بينها وبين اللغة المصرية القديمة، ثم ظهر كل من “جينس Guignes” و “وزويجا Zoëga” في أواخر القرن الـ 18م واستنتجا أن إشارات هذه اللغة صوتية، وإذا كان هناك إجماع على النقص الشديد في المعلومة التي تؤدي إلى الطريق الصحيح لحل طلاسم الهيروغليفية وكان حجر رشيد هو أول علامة على هذا الطريق. هذا وقد وقف عالم الفيزياء الإنكليزي “توماس يونج Thomas young” على أول هذا الطريق إذ حاول قراءة الهيروغليفية واستطاع التعرف على الأسماء الملكية التي نقشت على حجر رشيد داخل الخراطيش (كان من عادة المصريين كتابة اسم الملك أو الملكة داخل إطار مستطيل ملفوف الأركان أطلق الفرنسيون عليه اصطلاحاً اسم “خرطوش Royal ring”) ونجح في ترجمة اسم “بطليموس” بينما أخفق في ترجمة كلمات أخرى.

ثم جاء “جان فرانسوا شامبليون Champollion gean Francois” ذلك الشاب الذي درس اللغة القبطية بإجادة فضلاً عن إلمامه باللغات السامية عامة من سريانية وعربية وعبرية، وبدأ منهجه في حل طلاسم تلك اللغة مقتنعاً بأن أسس كتابتها كانت في نشأتها رسماً (أوضح فرانسوا دوماس Francois Doumas أن كل شيء بدأ بالرسم فكان المصري القديم عند كتابة كلمة “أوزة” مثلاً يرسم صورة هذا النوع من الطير) لولا استحالة كتابة كافة الكلمات على هذا الرأي ويبدو أن شامبليون قد سلك منهجاً يسيراً إذ استبدل بالكلمة التي ترسم صورة أخرى تنطوي على اللفظ أو الصوت، ثم دخل في تركيب الكتابة الهيروغليفية ثلاثة أنواع من الإشارات إشارات تصويرية وهي التي تمثل الأشياء على حقيقتها مباشرة وإشارات لفظية (صوتية) وأخيراً إشارات تخصص المعنى لا تقرأ في أواخر الكلمات لتحديد معناها. ومن ثم أدرك شامبليون كنه تلك الكتابة، وكان عام 1810م قرر أن للكتابة “الهيروغليفية” خاصية صوتية بحكم استخدامها في كتابة أسماء الأعلام وبهذا المنهج وفّق شامبليون فيما تصدى له.

وقد تعرض شامبليون لهجوم علماء فرنسا وعلى رأسهم “جومار Gomard” حتى أن أكاديمية الفنون الفرنسية رفضت استقباله في ساحتها أول الأمر، كما شنت الصحف الناطقة بالفرنسية حملة عليه لمواقفه السياسية وتأييده لنابليون ولكن شامبليون مضى في طريقه العلمي وزاد من حماسته ما قام به العالم الإنكليزي “بلزوني Belzoni” من دراسات وما كان من توفيقه في الكشف عن مقبرة سيتي الأول وإعداد نموذج عليها وترجمة كتابه إلى الفرنسية، وتلا ذلك من سنوات انكب شامبليون على جمع أكبر قدر من المعلومات عن اللغة المصرية وقد تصادف أن وجد بفرنسا مسلة مصرية نقشت عليها كتابات هيروغليفية وإغريقية استطاع شامبليون أن يقرأ عليها اسم كل من بطليموس وكليوباترا حيث يشتركان في حروف “ب” و “ل” و “ت” وهنا تساءل عما عسى أن يقابل هذه الحروف في المصرية القديمة. وبمقارنة خرطوش مسلة فيلة بما وجد من خراطيش على حجر رشيد اتضح التشابه بين خرطوش بطليموس وكليوباترا وكان ذلك أول خطوة علمية صائبة على طريق حل طلاسم الكتابة المصرية القديمة، وبمزيد من الصبر والدراسة أخذ شامبليون يزيد من رصيده من الحروف الهيروغليفية وتوصل إلى اكتشاف الإشارات المطموسة وبالنهاية استطاع ترجمة أسماء الأباطرة الرومان ثم تمكن من قراءة ملك من أشهر ملوك الفراعنة “رعمسيس Ramses” وكذلك ترجم اسم الملك “تحوتمس Thutmose”.

وفي باريس يوم 22 أيلول (سبتمبر) 1822 كتب شامبليون رسالته المشهورة إلى الأكاديمية الملكية والآداب بشأن “حروف الهجاء الصوتية الهيروغليفية”، وفي الحقيقة لم تنقطع محاولات ترجمة نقوش حجر رشيد الإغريقية ثم نقوشه الهيروغليفية بعد أن كشف شامبليون أسرارها، ثم الديموطية بعد ذلك، وبالنسبة للنص الإغريقي فقد ترجمه “اصطفان وستون” إلى الإنكليزية وقرأه أمام الجمعية الأثرية بلندن في نيسان (إبريل) 1802 ثم ترجمه “ثيل” إلى الفرنسية، ثم كانت ترجمة “أميلهون” إلى اللاتينية التي ظهرت في العام التالي. وفي عام 1903 ظهرت ترجمة “ديتنبرجر” للنص الإغريقي مع تعليق عليه باللاتينية ثم ترجم إلى كل من الفرنسية والإنكليزية ثم كانت ترجمته العربية منذ نحو ستون عاماً ومنذ هذا التاريخ لم يحاول أحد تقديم ترجمة عربية لنصوص حجر رشيد لذا كانت محاولة الأستاذ الدكتور “شحاتة محمد إسماعيل” رائدة وهامة جداً لتقديم ترجمة للنص الإغريقي في ضوء الهيروغليفي والديموطي.

وتنبغي الإشارة إلى أن هذا القرار الصادر عن كهنة منف المصريين سنة 196ق. م. لم يسجل على حجر رشيد ليس غير. فلقد عثر في جزيرة “الفنتين Elephantine” على جزء من القرار نفسه بالكتابات الثلاث وذلك فضلاً عما استدل عليه من نسخة أخرى من القرار نفسه بالهيروغليفية والديموطية دون سواهما على أحد جدران معبد إيزيس في جزيرة فيلة وكذلك عثر على نصب في نقراطيس لا يحمل سوى النص الهيروغليفي لهذا القرار، ثم عثر آخر الأمر في الفنتين سنة 1907 على كتلة من الحجر الرملي اتخذت وعاء عليها وسطوراً بالإغريقية من القرار نفسه ومن المرجح ألا يكون أي من النسخ التي كشف عنها هي الأصل بما في ذلك حجر رشيد ذاته.

إذن ثلاثة نصوص بالهيروغليفية والديموطية والإغريقية وعليه فبالتأكيد أحد النصوص كان أصلاً والآخران ترجمة عنه، ويجدر التنوية إلى أن كل نص من هذه النصوص الثلاثة لا يعد ترجمة حرفية للآخر، إذ أن لكل لغة خصائصها من مصطلحات وتعبيرات فقد كانت الهيروغليفية هي الكتابة المقدسة والديموطية الكتابة الشعبية التي ظهرت أواخر العصور الفرعونية ثم كانت الإغريقية اللغة الرسمية في البلاد وقت إصدار القرار الذي سجل باللغتين المصرية والإغريقية.

فهل صيغ القرار أولاً بلغة المصريين ثم ترجم إلى الإغريقية أم أنه صيغ بالإغريقية ثم ترجم إلى المصرية؟ وعلى أي حال فإن هذا الحجر سجل بلغة المصريين أولاً ثم ترجم إلى الإغريقية. فقد ورد بالقرار المسجل على الحجر: “ويسجل هذا المرسوم… بالهيروغليفية والديموطية والإغريقية…”، فمن البديهي أن يصاغ القرار بلغة أهل البلد، والبعض رأى في سبق الهيروغليفية في أعلى الحجر مرينة على أن عجز المصريين المادي إزاء حكامهم الأجانب لم يمنعهم من تلمس سبيل يعبر عن قوميتهم المغلوبة وكرامتهم الجريحة، كما روعي عند نشر هذا القرار “حجر رشيد” أن يبلغ الكافة من سكان مصر (مصريين وإغريق وعناصر أجنبية أخرى).

ولكن ماذا كان في القرار؟ على أي كتابة احتوى حجر رشيد؟ نعم تضمن بنود ذلك القرار على الحجر ما يلي:

– تنازل الملك عن بعض الضرائب وتخفيف بعضها

– تنازل عن ديونه في مصر وسائر دولته

– العفو عن المتهمين وإطلاقهم

– عدم المساس بدخل المعابد

– عدم المساس بالهبات السنوية التي تمنح للمعابد من المال والغلال

– إعفاء الكهنة من السفر سنوياً إلى الإسكندرية

– إلغاء السخرة في خدمة الأسطول

– رد أملاك الفارين زمن الاضطرابات إليهم

– المحافظة على أمن البلاد والعباد

– تنازل الحكومة عن مستحقاتها حتى العام الثامن من حكم الملك الحالي – تقديم الأضاحي والقرابين للآلهة … تلك كانت الأوامر التي وجب على الموظفين تنفيذها لأن إرادة الملك الفرعون بل مشيئته كانت هي القانون.

إذن فقرار حجر رشيد يمدنا بمعلومات هامة كانت بمنزلة الأثر الذي انسحب على تاريخ مصر البطلمي وقد أوضح هذا الحجر بنقوشه أن البطالمة من عهد خامسهم قد بدأوا سياسة جديدة استبدلت بالشدة والضغط، اللين وعدم المغالاة مع المصريين (أصحاب البلاد). كما كشف أيضاً عكس القاعدة المألوفة في التاريخ من تسليم المهزوم للمنتصر حيث توج بطليموس الخامس على مبدأ المصريين القدماء في منف بمعنى أن حضارة المهزوم فرضت نفسها على المنتصر…

وتجاوز الجدل حول أبجدية شامبليون حدود الدول ففي ألمانيا اعتبر شامبليون بطلاً في نظر عالم التاريخ الطبيعي الكسندرفون هامبولد وشقيقه الغوي قلهلم بينما رفضه البعض ولم يتأكد أن ما توصل إليه شامبليون بعيد تماماً عن الشك إلا عندما أقر ذلك ليبسيوس عام 1837 وعندما نُشرت أعمال شامبليون بعد وفاته ومنها كتابَي النحو والقاموس، كذلك اختلف الفرنسيون في الرأي حول إنجاز شامبليون. فعلى حين أيّده تماماً سيلفستر دي ساس أدت معارضة جومار إلى عدم انضمام شامبليون إلى “أكاديمية النقوش” حتى العام 1830 ولكنه عوّض عن ذلك بأمانة القسم المصري باللوفر عام 1826 أنه الحجر المصري الذي كشف عنه في بلده ولعلها دعوة لإعادة النظر في تاريخنا عموماً.

نقلا عن: الحياة

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: