منوعات

تعددت الأسباب والكذب واحد: يا عزيزي كلنا كاذبون

إحصائية طريفة تضمنتها بعض الدراسات تقول: إن متوسط عدد الكذبات التى يسمعها الشخص الواحد فى اليوم تتراوح ما بين 10 إلى 200 كذبة، العديد منها تكون كذبات بيضاء لتحسين صورتنا، أو لإخفاء سر ما، أو حتى لملء فراغات ما في حياتنا بشكل غير واع.. يحدث ذلك على الرغم من أننا جميعا نتكلم كثيرا عن أننا نكره الكذب والكذابين ونعتبر الكذب صفة مرذولة وقبيحة، فلماذا إذن نكذب ولماذا يشيع الكذب ويتفشى فى حياتنا؟

مع تطور الحياة وتعقد تفاصيلها تزداد معدلات الكذب – وهو أمر يبدو طبيعيا مع تزايد ضغوطات الحياة وصعوباتها – وتبدأ رحلتنا مع الكذب مبكرا جدا في عمر السنة، حينما يبكي الطفل متعمدًا، ثم يتوقف لبرهة ليرى الشخص القادم إليه، وبعدها يستمر في البكاء ليحصل منه على ما يريد، وحتى الشاب الذي أنهى دراسته ودخل معترك الحياة قد يصير لزامًا عليه أن يتعلم بعض الحيل ليعمل ويلتحق بوظيفة معينة.

وفقًا للأبحاث فإن كذبات الرجال تكون 8 مرات أكثر بشأن أنفسهم مقارنة بكذباتهم بشأن الآخرين، في حين تكذب النساء أكثر لحماية الآخرين، كما يكذب الناس عادة أمام الغرباء أكثر من زملائهم، أما إذا كنت متزوجًا فغالبًا ما ستكذب على شريكك مرة كل 10 تفاعلات لفظية، كثير من تلك الكذبات تتم بالتعاون ما بين الطرفين، فمثلًا يقول الزوج لزوجته: “تبدين رشيقة جدًا في هذا الفستان”، فتصدقه بسعادة رغم علمها بأن العكس هو الصحيح، لذا فالكذبة لا يصبح لها قيمة إلا إذا وافق طرف آخر أن يصدقها، ورغم أن المثال السابق يعتبر من “الكذب الأبيض” الذي لا يضر أحدا، إلا أن المشكلة تكمن في الكذب الذي يتم به خداع الآخرين، وتُسرق به أوطان وشعوب كاملة. وعلى الرغم من تنوع دوافع الكذب، واختلاف تأثيره، إلا أننا جميعًا نكذب بالطرق نفسها.

 

المسافة الوهمية

دائمًا ما يتحدث الكذّاب عن الآخرين أكثر من نفسه، لخلق مسافة تفصله عن كذبه، أحد الأمثلة على ذلك بطل ركوب الدراجات الأمريكي السابق “لانس أرمسترونج” الذي تورط في فضيحة لها علاقة بتناوله لمنشطات أثناء السباقات، حيث أنكر في حوار أجراه عام 2005 تلك التهمة قائلًا: “الأمر كله أن أحد العاملين بأحد المعامل الفرنسية في باريس يفتح عينتك ليحللها، وفجأة تتصل بك جريدة ما لتخبرك بأن فلان الفلاني فحص عينتك ووجد أنك تتعاطي العقاقير المنشطة، فتنتشر الشائعة”.
أما تصريحاته في 2013 فكانت مختلفة تمامًا حيث قال: “لقد فقدت نفسي في كل ما كان يحدث، أنا متأكد من أن هناك آخرين لم يتمكنوا من التعامل مع كونهم رياضيين معروفين، وهذا بالضبط ما حدث معي، فقد اعتدت على السيطرة على كل شىء في حياتي”.

يبدو الفرق جليًا ما بين التصريحين، فبينما يبحث الكذاب دائمًا عن شماعة يلقى عليها باللوم ليتنصل من مسؤولياته، يتحدث الصادق بوضوح مركزًا على نفسه وما يمكن تقديمه لحل المشكلة.

لانس أرمسترونج

  وهم “الحقيقة”

هناك كثير مما نقوله ونعتبره من المسلمات قد لا يكون صوابا أو صدقا فى حقيقة الأمر.. فمثلا نحن نقول دائما إن الجزر يقوي النظر، أو أن تناول فيتامين سي يمكنه علاج نزلات البرد، وكلها معلومات مغلوطة، إلا أنها تكررت بما يكفي لتصبح مسلمات نصدقها دون تثبت، نتيجة لانحياز معرفي يسمى “تأثير وهم الحقيقة” حيث يميل الناس إلى تصديق المعلومات التي تكررت على مسامعهم، وأصبحت مألوفة بالنسبة لهم بغض النظر عن كونها صحيحة من عدمه، وبالطبع يستغل من يعملون في مجالات الدعاية والإعلام والسياسيين أيضًا هذه الثغرة لجعل الناس يصدقون ما يرغبون فيه.

ولا يعد هذا  الاسلوب جديدا، حيث كان مستخدما في الدعاية النازية التي كانت تتم على يد وزير إعلام هتلر “جوزيف جوبلز“، كما ذكر هتلر في كتابه “كفاحي موضحًا: “إن قابلية الجماهير العريضة للاستيعاب محدودة وذكاؤها منخفض، أما قدرتها على النسيان فهي كبيرة وسريعة في الوقت نفسه، لذا فإن أي دعاية مؤثرة لابد وأن تقتصر على نقاط قليلة، مع تكرار تلك الشعارات مرارًا حتى يفهم آخر فرد في الجمهور ما تريد له أن يفهم من شعارك”.

Image result for ‫كتاب كفاحي‬‎

التلاعب بالحقائق

يحتاج الكذب مجهودا ذهنيا كبيرا وذاكرة قوية لكي يسترجع الكذاب التفاصيل التي سبق وتدرب عليها، ولا يخلو من احتمالية وقوع أي زلة لسان، لذا يستخدم بعض الناس الحقائق بشكل مضلل للهروب من هذا المأزق، أحد الأمثلة التقليدية على ذلك حينما تسأل الأم ابنها إذا كان قد أنهى واجبه أم لا، ليجيب بثقة: “لقد كتبت مقالة عن التاريخ الفرعوني”، وهي معلومة صحيحة إلا أنها لا تجيب عن سؤال والدته، لأنه كتب تلك المقالة الأسبوع الماضي، وعلى الأرجح لم يبدأ بعد حتى في كتابة واجبه.

تستخدم المراوغة غالبًا في المفاوضات أو لتجنب إجابة بعض الأسئلة، حيث تذهب بالمستمع إلى منطقة رمادية لا وجود بها للألوان الصريحة كالأبيض والأسود. أحد الأمثلة على ذلك كانت في 2016 عندما وجهت اتهامات بالعنصرية لشركة مرشح الرئاسة حينها “دونالد ترامب” نظرًا لرفضه تأجير الشقق في عقاراته  للأقليات في السبعينات، وبسؤاله عن هذه الواقعة في المناظرات الانتخابية أجاب بأن شركته لم يثبت عليها أي من تلك الاتهامات. ورغم أنه لا يوجد فعلًا دليل يدين الشركة، إلا أن  صحيفة “نيويورك تايمز” حققت في الأمر لاحقًا لتكشف أنه كانت هناك بالفعل  وقائع تمييز عرقي في شركته.
كذلك فإن للكذب علامات أخرى لها علاقة بلغة الجسد وتعبيرات الوجه وحتى نظرة العين، إلا أن اللغة المستخدمة ومحتوى الكلام عادة ما تكون عناصر كافية للكشف عن الكذب. فإذا توقف الشخص عند سماعه لمعلومة ما ليتحقق منها أولًا قبل أن يصدقها، فلن يتمكن أحد من خداعنا بأكاذيب حتى وإن كانت متقنة.. ففي عصر الهواتف الذكية والتكنولوجيا الحديثة أصبح من الممكن اختلاق سلاسل من الأكاذيب ونشرها بما يكفي لتتحول إلى حقائق نصدقها ونرى بها الواقع بشكل مشوش. لذا فإن من يسعى إلى الحقيقة عليه أن يبذل جهدًا إضافيًا للوصول إليها، وهو جهد لن يبذله العديد من الناس، لأن تصديق الأكاذيب أسهل وأكثر راحة أيضًا، إلا أنه بزيادة الوعي المجتمعي وحملات التوعية يمكن أن تنحسر الأكاذيب أمام الحقائق.

المصادر:

dont believe lies just people repeat

how to spot a liar

the disturbing art of lying by telling the truth

The language of lying

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: