ثقافة

استفت أنفك.. فلن تُضِلَّك الروائح!

يرتبك بعضهم عندما يأتي ذكر الطبيب النفسي «يحيى موسى»، المرتبكون يعانون من مشكلة «الخانة» فهم يريدون وضع كل اسم بل كل شيء في خانة محددة لا يتجاوزها، يريدون تصنيفًا حديدياً وأسواراً عالية قاسية صلدة يضربونها حول الكون بحيث يصبح لكل آدمي بل لكل معنى مساحة واضحة قاطعة حاسمة لا يغادرها بل لا يستطيع مغادرتها.

يحيى الذي يعد من نجوم مواقع التواصل الاجتماعي، يرهق الساعين للتصنيف فهو يكتب القصة القصيرة، ويكتب القصائد الفصحى والعامية، ويكتب الأغاني ويكتب كتابًا (عصيًا على التصنيف) ويعمل معالجًا نفسيًا ويقدم استشارات مجانية عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

يحى موسى

ذلك التنوع يتعبهم فتسمعهم يقولون: هو شاعر أخطأ طريقه إلى الطب النفسي، وهو قصاص أخطأ طريقه إلى الشعر، وهو مجرد طبيب نفسي حائز على شهادة جامعية يجب أن يتفرغ لعمله ولا يشتت أفكاره في مجالات متعددة.

 ضربة البداية

قبل عام نشر الدكتور يحيى كتابه «رغم أنف الذكريات» عن دار نشر «بيت الياسمين»، و حقق الكتاب نجاحًا لافتًا، حتى أنه ظهر مرات في قوائم الكتب الأكثر رواجًا، حاولت الحصول على نسخة لكي تكون قراءتي للحالة التي صنعها يحيي على بينة، ففشلت، حتى تكرمت الصديقة نجوى رسمي التي تعمل مسئولة عن النشر بإحدى دور النشر وأعارتني نسختها من الكتاب.

العنوان الذي اختاره الدكتور يحيى لكتابه هو عنوان خادع، فليس ثمة ذكريات من المتعارف على تسميتها بالذكريات، لقد استخدم يحيى كلمة أنف بطريقة مجازية، بينما يقصدها على الحقيقة، لأن الأنف الحقيقي هو الذي سيقود إلى الذكريات الحقيقية، وذلكم هو موضوع الكتاب وعقدته الرئيسية.

من السطور الأولى يبدأ الدكتور يحيى في التدليل والبرهنة على صحة ما كتب الكتاب من أجل إثباته، فيقول: «بعد سنوات من دراستي للطب النفسي، وعلم الأعصاب، عرفت سر الروائح، وكيف تشتعل فينا الذكريات، بفعل رائحة».

إذًن موضوع الكتاب عن الرائحة، عن الشم، عن الأنف، يُشرّق يحيي ويُغرّب لكي يقول: انتبه جيدًا، ليس هناك من هو أصدق من أنفك، ليس هناك حاسة أهم من حاسة الشم، أنت بكل تكوينك لست أكثر من مجموعة من الروائح.

أصحيح هذا ؟.

البداية تلك مبتكرة، لكنها مخيفة، فمن أدرانا أن ما يقوله الطبيب القصاص الشاعر ليس إلا نظرة لكاتب يعاني من وطأة الروائح عليه هو، فيروح يتلخص منها بأن يكتبها ويهوّل من تأثيرها لكي يشرك الجميع في تحمل تلك القبضة القاسية لروائح لا تغادره هو؟

من الواضح أن الأمر صحيح، وأننا لم نقدر الرائحة حق قدرها ولم ننزلها المنزلة التي تستحقها، يقول يحيي: «أصبح من المعروف الآن، أن أقوى الحواس ارتباطًا بالذاكرة، هى حاسة الشم، والتي تبعث من فورها بإشاراتها عبر العصب الشمي إلى المخ، هناك تستقبل هذه الإشارات منطقة بدائية قديمة من مخنا، هى الأقدم على الإطلاق، تسمى بالجهاز الحوفي، في هذه البقعة من مخنا، تقع الأجزاء التي تلعب الدور الأهم والأكبر في تحكم مزاجنا وذكرياتنا».

بدون لف أو دوران وبشجاعة عظيمة يقرر يحيى أن تاريخك بكل ما فيه، ما هو إلا رائحة عجيبة حقًا، فهى صلدة لا يمكن كسرها، ثم هى سائلة تجري في عروقك مجرى الدم، وليس بإمكان أحد أن يهرب من دمه.

يحيى يتحدث عن رائحة الأم، يولد الواحد منا لا يعلم شيئًا إلا رائحة أمه، نحن نتعرف على العالم من خلال تلك الرائحة، هل يستطيع أحدنا الزعم بأنه نسي رائحة أمه؟

أقول أنا وليس يحيى، إن أمهاتنا لم يكنّ أمهر الطباخات، لكن طعام أمك له رائحة لن تغادرك أبدًا، بل ستقود خطواتك فيما هو قادم من زمانك، تلك الرائحة ستلعب دورًا محوريًا في تحديد ملامح الإنسان الذي ستكونه.

كأن محمود درويش عندما بكي شعرًا قال فيه: «أحن إلى خبز أمي / وقهوة أمي» لم يكن ساقطا في فخ النوستالجيا، لم يكن يحن إلى الماضي، بل كان يكتشف من حيث لا يدري أمورًا سيأتي الدكتور يحيى موسي بعد نصف قرن من نشر قصيدة درويش ليقرر أن تأثير الروائح وتسلطها ليس من خيال الشعراء ولكن من حقائق العلم الحديث.

المعنى الحقيقي

في صعيدنا الطيب يقولون عندما يسمعون مغنيًا يعجبهم صوته: «فلان حسه حلو» أبدًا لا تنطق ألسنتهم كلمة «صوته»، إنهم هنا يذهبون برهافة إلى المعنى الحقيقي للغناء، فالأمر ليس أمر صوت قوي جميل، الأمر على وجهه الحقيقي أمر حس ووجدان. فالسيدة فيروز بصوتها الرقيق الهامس قادرة على اكتساح العشرات، بل المئات من أصحاب الحناجر التي تحطم الميكرفونات.

 وفي الصعيد أيضًا يقولون: «بيت فلان ريحه طيب»، هم هنا لا يقصدون الرائحة التي نشمها بأنوفنا فحسب، بل يقصدون كينونة البيت نفسه. تلك المعاني البعيدة الدقيقة يلتقطها يحيي ويجعل منها مفتاحًا نستخدمه في الولوج إلى عالم الغيب.

سأضع أدلة يحيى في نقاط لكي لا يختلط الكلام ويتفرق، وتلك النقاط مهمة جدًا لأنها براهين يحيى على صدق كلامه.

1ـ يقول الإنجليزي حين يشعر بالتوجس من شيء: «أشم فأرًا» هذا مماثل لتعبيرنا المصري الدارج في نفس الموقف: «الفار بيلعب في عبي».

2ـ تجتمع نسوة في المدينة للحديث عن زواج صاحبتهن المفاجئ، فتقترح واحدة منهن أن تذهب إلى بيتها لتشمم الأخبار.

3ـ في قرارة أنفسنا، نعرف أن حاسة الشم هى دليلنا إلى عالم الغيب، حين يكون الواقع المادي ملغزًا، ولا يشى بشيء، نرسل أنوفنا للاستطلاع، نسمح لها بأن تخبرنا عما يحدث، في غفلة من أبصارنا وأسماعنا، في قرارة  أنفسنا نمنح حاسة الشم ذلك التقدير حتى لو استخففنا بها علانية، وعملناها بإهمال.

4ـ تقول مارجريت تاتشر المرأة الحديدية التي ترأست مجلس وزراء بريطانيا لثلاث فترات امتدت من عام 1979 وحتى 1990: أستطيع أن أشم رائحة التملق النتنة في الهواء.

إنها تشم النيات إذن، ومن منا لا يفعل؟.

5ـ الروائية الفرنسية سيدوني كوليت، تعرف أن العواطف يمكن شمها وتقول: الشعور باللهفة، والشعور بالخيانة، والشعور بالغيرة لهم نفس الرائحة!

6ـ هناك من يشم الكذب كذلك المحامي الجنائي اللامع روبرت رينتدر اعتاد أن يقول: أنا اشم الكاذب، كرائحة ضراط في مصعد!

يختم الدكتور يحيى براهينه مؤكدًا: «لا مجاز في تلك التعبيرات اللغوية، لم ينتج البشر هذه المقولات بشكل بلاغي، إنهم يعرفون قيمة حاسة الشم، يفهمون أنهم يعيشون في عالم من اللامرئي، ويدركون تمامًا أن لديهم دائمًا ذلك المفتاح الفذ لولوج هذا العالم أنه أنوفهم!.

ختامًا كأن الدكتور يحيى يقول لقارئه بملء الفم: استفت أنفك فلن تُضلك الروائح.

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. دا أجمل ريفيو قريته عن الكتاب
    ريفيو بمثل جمال عمل أدبي مستقل

    ممتن جدا للقراءة المتمعنة الرائق ❤️

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: