فن

فى مذكراته: حكايات بديع خيرى مع الريحانى وسيد درويش

بديع خيري، ابن شارع المغربلين، ولد بحي الدرب الأحمر في 7 أغسطس عام 1893، زامل وعايش وشارك كبار الفنانين، الذين يطلق عليهم في مذكراته: «فرسان هذا الزمان وفارساته.. سيد درويش الصريح، وداود حسني الكتوم، ونجيب الريحاني الفنان الهاوي، والإخوة عكاش المتضاربين، وعزيز عيد مدمن الفن، وعلي الكسّار الساذج الذكي، ومنيرة المهدية الكريمة الطيبة القلب، وزكريا احمد صاحب الإخاء الصادق والقلب المفتوح، وبديعة مصابني العنيدة، وكمال سليم المعتز بفنه بكبرياء، وغيرهم من الفنانين الذين ماتوا، والذين ما زالوا أحياء وفي مشعل فنهم ومضات نور، أو انطفأ نورهم. وسأتحدث مع هؤلاء كلهم، وبقدر ما يستلزم الحديث عنهم عن بديع خيري، الذي واجه مر الحياة بنفس الابتسامة التي قابل بها حلوها». بهذه الكلمات يقدم بديع خيري لمذكراته التي كتبها عنه الصحفي الأستاذ محمد رفعت، وكانت نتاج العديد من الجلسات بينهما.

تأخذنا مذكرات بديع خيري عبر نصف قرن من حياة مصر بأوجهها المختلفة، فأي متابع لأزجاله أو مسرحياته، يستطيع أن يتعرف على شكل الحياة في مصر مع بداية القرن العشرين، فهو لم يترك حدثا قوميا أو قضية سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، إلا وأدلى بدلوه في أي مما يحدث، بأسلوب بسيط يفهمه ابن البلد والأفندي على حد سواء… كما انه تعامل فنيا وإنسانيا مع عدد لا حصر له من الفنانين والأدباء والكتاب، وتضمنت مذكراته الكثير من الذكريات حول أحداث مع العديد منهم، كان هو أحد أطرافها… لكننا سنركز في هذه السطور على علاقته بنجيب الريحاني، وسيد درويش فقط، وسنذكر في لمحات سريعة ما يشير إلى مدى ارتباطه بقضايا الوطن المختلفة.    

سندوتش مسدس «بروننج»!

 كانت قضايا الاستقلال والفَرْنَجة، والوحدة الوطنية بين عنصري الأمة، وقضايا التعليم والتحديث والتقدم بوجه عام، هي الشغل الشاغل لبديع خيري ولم يخل زجل من أزجاله -على كثرتها- من إحدى هذه القضايا. لقد شغلت قضايا الوطن بديع خيري منذ نعومة أظفاره.. ففي شبابه المبكر كان عضوا في جمعية سرية مهمتها طبع المنشورات الثورية وتوزيعها.. يقول بديع خيري في مذكراته: «…… وقد ألف هذه الجمعية شاب اسمه سعيد العناني»…… «وكنا نطبع المنشورات في مكان لا يخطر للبوليس ولا يجرؤ على تفتيشه، في عزبة الأمير إسماعيل داود بمحلة روح قرب المحلة الكبرى، ثم نوزعها سرا في القاهرة. وكنا مسلحين، ومركز توزيع الأسلحة الخاص بنا عربة كفتجي سريح اسمه عفيفي، يقف في ميدان باب الحديد، وكان يدس لنا المسدس في سندوتش كفتة، ولم نكن نخشى الأحكام العرفية المطبقة وقتئذ، والتي كانت تعاقب على حيازة السلاح بدون رخصة بالإعدام، لدرجة أنني كنت أتمرن على إطلاق النار علانية فوق سطح البيت الذي أسكنه في شارع جامع خورشيد لصق الجامع. حتى جاء يوم اقترب فيه رأسي من حبل المشنقة، إذ كان يسكن في نفس الشارع انجليزي اسمه مستر هاتون، موظف كبير في ورش عنابر السكة الحديد، وكان يسكن في بنسيون صاحبته ايطالية كنا نعرفها باسم أم بول.. وحدث يوما أن كان يسير في الشارع وأمام باب بيتي بالضبط أصيب بطلق ناري ووقع على حائط البيت.. ولحسن الحظ أن كنت في البيت ساعتها. وتوقعت بالطبع الاعتقال والتفتيش، فأخذت المسدس وصعدت إلى السطح، وربطت المسدس بسلك طويل وأسقطه في ماسورة المجاري. وحدث ما توقعت وتم التفتيش، ولم يعثر البوليس بالطبع على شيء، وصعدت إلى السطح بعد أن انصرفوا لاسترد المسدس فلم أجده.. كان قد انزلق وضاع في المجاري، فانطلقت إلي عم عفيفي الكفتجي وأخذت منه سندوتش بروننج جديد».   

 قصة التعرف على الريحاني

في عام 1917، كتب أمين صدقي ـ الذي كان مؤلف فرقة نجيب الريحاني وقتئذ ـ  مسرحية «حمار وحلاوة»، وكان نجيب الريحاني في أوج نجاحه، وقد حظيت هذه المسرحية بنجاح ضخم، فطلب أمين صدقي من الريحاني تعديل طريقة التعامل المالي بينهما، فطلب نصف إيراد المسرحية، وبالطبع رفض الريحاني هذا الطلب، وافترقا. فأصبح الريحاني في مأزق يحتاج إلى مؤلف.. جرب ثلاثة مؤلفين لكنهم لم يوفقوا في التعاون معه، وهنا تأزم موقف نجيب الريحاني. 

في هذه الفترة كان بديع خيري يعمل بالتدريس، في مدرسة رفاعة باشا الطهطاوي في طهطا، ثم انتقل إلى مدرسة السلطان حسين في شبرا. وبعد أن استقر في وظيفته، كان يكتب مسرحيات لفرقة «نادي التمثيل المصري»، وكان لا يضع اسمه عليها حتى لا تضيع وظيفته كمدرس.

وذات ليلة حضر الريحاني عرض مسرحية «أما حتة ورطة» التي كتبها بديع لفرقة نادي التمثيل المصري، ولشدة عجب بديع خيري فقد ظل الريحاني يصفق لهم، تقديرا لأداء الفرقة.. وتلقى جورج شفتشى ـ صديق نجيب الريحاني الذي دعاه لحضور المسرحية ـ تهنئة الريحاني بالنيابة عن الفرقة. وبعد يومين أبلغ جورج شيفتشي بديع، أن نجيب الريحاني سأله عن اسم مؤلف المسرحية، فقال له شقتشي انه هو المؤلف، وبرر ذلك بأنه بذلك يحافظ لبديع على وظيفته كمدرس، وقال له: «انت تكتب وإنا أبيع للريحاني، ويا بخت من نفع واستنفع، النصف بالنصف يا عم، واهم قرشين ييجوا لك علاوة على ماهيتك كمدرس، وفي الوقت نفسه ماتضيعش وظيفتك.. اتفقنا».

 وافق بديع خيري على هذه الصفقة فلم يكن أمامه بديل، فمن ناحية يرغب بل برحب بالتعاون مع العملاق ـ وقتئذ ـ نجيب الريحاني، ومن ناحية أخرى لم يكن بديع يريد أن يخسر وظيفته كمدرس. يقول بديع: « قدمنا ثلاث مسرحيا الاسم لجورج شفتشي والتأليف لي»، إلى أن وشى أحد أصدقاء شفتشي به عند نجيب الريحاني نتيجة خلاف دب بينهما، وعندما سمع الريحاني القصة قال للواشي صديق شفتشي: «كده… أنا قلبي كان حاسس… اعمل معروف هات لي بديع خيري ده حالا».

ويتابع  بديع خيري: «عندما التقيت نجيب الريحاني، أبدى إعجابه بقلمي.. واتفقنا.. وكتبنا العقد.. وكان هذا اليوم هو يوم مولدي الفني، 18 أغسطس سنة 1918.. ومن عجائب المصادفات أن يكون في نفس اليوم الذي ولدت فيه في الدنيا، 18 أغسطس 1893» «بعد أن نجحت مسرحياتي مع الريحاني قررت أن أستقيل من خدمة الحكومة، وانقطعت للتأليف المسرحي من يومها للآن». «وأعلن اسمي كمؤلف للرواية الثالثة {استعراض 1918 ـ 1920الذي كان يعرض أحداث سنة 1918، والأحداث المنتظرة في سنة 1920 على ضوء أحداث سنة 18». 

مع سيد درويش

ونستمر مع مذكرات بديع خيري حيث يعرض للملابسات والظروف التي أدت إلى لقائه بسيد درويش، فيقول: «كان المتبع في الألحان التي تتخلل الاستعراضات، أن تقاس على القالب الموسيقي للحن شعبي شائع… مثلا على مقاس، أو على قد اللحن الشعبي الذي كان شائعا في ذلك الوقت، {يا عزيز عيني، أنا بدي أروّح بلدي}، كنا نقدم لحنا مطلعه {ياسي كشكش احنا محامية، ما تلاقيش فينا واحد بلية}» ……. «وكنا مع ذلك نحس أنا والريحاني بنقص جوهري يعتور أعمالنا»…….. «ولكن من أين لنا بالملحن الخالق الذي يصنع لنا هذا اللحن الأصيل؟»  

وبينما هما في هذه الورطة، التي لا يعرفان كيف الخلاص منها، زارهما بالمسرح صديقهما أحمد شفيق المصري.. الذى قال فى معرض حديثه معهما: «أنا امبارح شفت في مسرح جورج أبيض رواية فيروز شاه، وكأني شربت 100 كاس ويسكي، روحوا شوفوها واعملوا حاجة زيها.» يقول بديع خيري: «وذهبت في الليلة التالية، فإذا بها عمل غنائي مسرحي رائع، ولم أتمالك نفسي قبل أن انصرف من اقتحام باب الممثلين، وأوقفني البواب…. فقلت له أنا عاوز أقابل سيد درويش». كان اللقاء حارا كما يروي بديع خيري في مذكراته حيث كان سيد درويش يتابع الأزجال التي ينشرها بديع في مجلة (السيف والمسامير). «وكانت بداية تعاون ثالوثنا (يقصد بديع والريحاني ودرويش)، مسرحية (ولو ثم مسرحية (إش) و(رن). وتوطدت بيننا الألفة والصداقة، بل الإخوة، ومن أجلي نقل سيد درويش سكنه إلى جانبي في شبرا في جزيرة بدران، وتوطدت صلة والدته بوالدتي وأصبح بيتانا بيتا واحدا».    

الهلال مع الصليب

لحن سيد درويش الكثير من الألحان التي تتغنى بحب الوطن، فقد كان مخلصا لوطنه وشعبه وبلاده، شأنه في ذلك شأن بديع خيري، فقد كانا متقاربين ليس فقط بحكم العمل الفني الذي جمع بينهما، وإنما كان لانشغالهما بالشأن العام أكبر الأثر في ارتباطهما وتقاربهما، الذي وصل حد انتقال سيد درويش للعيش بالشقة المواجهة لشقة بديع خيري.. «وكان توحيد الهلال والصليب منبعه مسرحنا، مسرح الريحاني» …….. «وكانت التفرقة بين المسلمين والمسيحيين تذكي ضرامها سياسة الانجليز» ………… «وتهددت هذه التفرقة الحركة الوطنية… ورأينا أن ندعو لتآخي العنصرين بلحن قلنا فيه:

أوعى يمينك أوعى شمالك….

إن كنت صحيح بدك تخدم   مصر أم الدنيا وتتقدم

لا تقول نصراني ولا مسلم   الدين لله يا شيخ اتعلم

اللي أوطانهم تجمعهم    عمر الأديان ما تفرقهم

وانتشر اللحن من المسرح إلى الشارع… وخرجنا جميعا أفراد الفرقة وسيد درويش ونجيب الريحاني وأنأ، في عربات حنطور نحمل أعلاما (تعبر عن الوحدة الوطنية)»……… «وسرنا في مظاهرة شعبية كبيرة ونحن ننشد اللحن، حتى وصلنا إلى مسجد ابن طولون حيث التقى الشيخ مصطفى القاياتي بالقمص سرجيوس وتعانقا.. وواصلنا المسير في طريقنا إلى الأزهر، وعند تقاطع شارع الخليج بشارع الموسكي انكسرت العربة التي كانت تحمل سيد درويش تحت ثقله إلى نصفين، ووقع سيد على الأرض وهو ينشد لحنه وعلم التآخي في يده».

توقيع بالدموع

يستمر بديع خيري في سرد الأحداث التي مر بها، والشخصيات التي عايشها وتعامل معها طوال أكثر من نصف قرن من الزمان… وتقع مذكراته في 190 صفحة من القطع المتوسط، مقسمة إلى 17 فصلا، وقد أملاها على الكاتب الصحفي محمد رفعت، ونشرت على حلقات بمجلة الكواكب على مدى ستة عشر عددا، بدأت في 2 يوليو 1963، أي بعد وفاة ابنه عادل خيري بوقت قصير، بعد اقل من أربعة اشهر فقط.

لذا تنتهي المذكرات بهذا العنوان: «توقيع بالدموع»، حيث يقول: «واليوم وقد انتهينا أنا والصديق الحبيب محمد رفعت من كتابة هذه المذكرات، لم نك ننتظر أن نوقعها بدموعنا… دموعنا على عادل خيري… عادل ولدي الذي كنت ادخره ليتسلم من بعدي مسرح الريحاني ويرعى أبناء مدرسة الريحاني… وليواصل السير بالقافلة ومن بعده ولده، حتى لا تنطفئ أبدا أضواء مسرح الريحاني. ولم يك خير ما سأورث عادل المسرح أو المال… بل الحكمة التي حرصت عليها طول حياتي {كلما اشتد الظلام، كلما اقترب بزوغ الفجر}… ولكن أي فجر أرجوه الآن وقد ذهب عادل».    

لقد رحل سيد درويش عن دنيانا في10 سبتمبر 1923، وبعده بحوالى 26 عاما رحل الريحاني في 8 يونيو 1949، وقد تأثر بديع خيري برحيلهما أيما تأثر… ثم جاءت وفاة ابنه عادل خيري بعد الريحانى بسنوات طويلة لتمثل الضربة القاصمة لبديع خيري… فقد توفي عادل خيري في 12مارس 1963…. ويلقى بديع خيري ربه في 1 فبراير 1966 عن عمر يناهز 73 عاما.

في رثاء سيد درويش

الوسوم

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. مقال جميل وذكريات الوطن. كنت أتمنى أن أعرف التوجهات السياسية لهذه الجماعة السرية التي انضم إليها مبكرا.

  2. لم يذكر الاستاذ بديع في مذكراته اي شيء عن هذه الجماعة، غير ما ذكرت بالمقال.. ويبدو انها كانت جماعة معادية للاحتلال الانجليزي.
    تحياتي صديقي العزيز خالد

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: