فن

عماد حمدي.. الفتى الأول

عماد حمدي لم تكن بدايته فى السينما موفقة على الإطلاق، ولم يكن الفشل الذريع الذى مُني به فيلمه الأول «السوق السوداء»، الذى عُرض عام 1945 ينبىء -على أي مستوى – عن أن بطل هذا  الفيلم، سيكون واحدا من ألمع نجوم السينما المصرية، والفتى الأول للشاشة الفضية المصرية على مدار 15 عاما، وبعدد هائل من الأفلام تجاوز 150 فيلما، هى أكثر من نصف  أفلامه جميعا.

ورغم  عشقه للسينما، إلا أن البداية السينمائية لعماد حمدي كانت متأخرة، وجاءت بمحض الصدفة، فقد مثّل اول أفلامه السوق السوداء فى سن السادسة والثلاثين، فهو من مواليد محافظة سوهاج  بصعيد مصر، فى 25 نوفمبرعام 1909، اذ كان أبوه يعمل مهندسا للرى فى المحافظة الجنوبية التى ولد فيها وشقيقه التوام عبد الرحمن، حيث لم يكن كل من يشاهدهما يستطيع تمييز احدهما عن الاخر لتطابقهما التام فى الشكل.

بداية بالصدفة

كان عماد حمدي – كما أشرنا آنفا – عاشقا للتمثيل، فكان يمثل كثيرا فى مسرح الهواة، وكان يسير على قدميه من شبرا، حيث كان يقيم مع اسرته، إلى شارع عماد الدين وسط القاهرة، لكى يشاهد نجوم ذلك الزمان أمثال يوسف وهبي وحسين رياض وأحمد علام وفاطمة رشدى وغيرهم، وظل مسكونا بحلم التمثيل، لدرجة أنه قدم استقالته من وظيفته كمحاسب  بأحدى المستشفيات، ليلتحق بوظيفة كاتب حسابات باستوديو مصر بحثا عن فرصة. إلا أنه وبعد أن عُين فى الاستوديو وصار قريبا من مسرح عشقه، لم تتح له أي فرصة لتحقيق حلمه، كما أنه لم يسع بجدية لكي يجد له مكانا فى الاستوديوهات كممثل وليس كمحاسب. لكن شاء حسن حظ عماد حمدي وحظ السينما المصرىة، أن المخرج كامل التلمسانى، وكان صاحب رؤية فنية متجاوزة، كان يبحث عن بطل لأول أفلامه، لا يتمتع بمواصفات البطل الوسيم، بطل عادى شعره كث، وليس فيه تلك الوسامة الظاهرة ليقوم ببطولة فيلمه «السوق السوداء».. بحث التلمساني كثيرا فلم يجد ضالته، إلى أن رأى التلمسانى عماد حمدي عند أحد اصدقائهما المشتركين. راح التلمساني يتأمل وجه عماد حمدي كثيرا، ثم طلب منه رقم تليفونه، وبعد أيام قليلة فوجىء عماد بالتلمساني يتصل به ويعرض عليه بطولة الفيلم.

عرض فيلم «السوق السوداء» لأول مرة فى السادس من ديسمبر عام 1945، وهو من تأليف وإخراج كامل التلمسانى، وكتب الحوار الشاعر الراحل بيرم التونسى وقام بالبطولة عماد حمدي وعقيلة راتب وزكي رستم وعبد الفتاح القصرى.وتتناول أحداث الفيلم قضية جشع التجار وتجارتهم فى السوق السوداء، ولكن من خلال قصة إنسانية فى حارة مصرية قديمة في زمن الحرب العالمية الثانية  وبالتحديد عام 43 حيث يحب حامد  نجية  ويطلبها للزواج، لكن شريرا فى الحارة يدعى المعلم سيد يقنع والد نجية بالتجارة فى السوق السوداء ويتصدى لهما حامد بمساعدة هاشم الحلاق، ونرى الصراع بين المصلحة الخاصة وزواج حامد من محبوبته نجية والمصلحة العامة وتصديه لجشع والدها. كان الفيلم يحمل رسالة مفادها أن الجشع والاحتكار لا يقلان خطورة عن قنابل الحرب، و كما ذكرنا فشل الفيلم جماهيريا فشلا ذريعا. وقد تعرض  المخرج كامل التلمساني فى ليلة أول عرض للفيلم، إلى سيل من الشتائم، لكن عماد حمدي نجا من أن يكون ضحية لهذا الفيلم، فقد أثبت أنه ممثل موهوب وواعد. خسر الفيلم إنتاجيا  فلم يحقق إلا بضع مئات من الجنيهات، وكان أجر عماد فيه مائتي جنيه، لكن المثير فى هذا كله أن فيلم «السوق السوداء» كان فيلما رائعا من الناحية الفنية وسابقا لعصره، بدليل أنه احتل المركز الرابع والثلاثين فى قائمة أفضل مائة فيلم فى تاريخ السينما المصرية.

عماد حمدي.. الفتى الأول

بعد فيلم السوق السوداء قام عماد حمدي بدور البطولة فى فيلم «دايما فى قلبى» وهو أول أفلام المخرج الكبير صلاح أبو سيف، وكان فيلما متوسط القيمة، فلم يفشل كما أنه لم يحقق النجاح الكبير. لكن «سجى الليل» ثالث الأفلام التى قدمها عماد حمدي حقق نجاحا هائلا، وذلك لسبب ذكره عماد نفسه فى حديث تليفزيونى، وهو أن هذا الفيلم كان أول فيلم مصرى يخلو من الغناء والإستعراضات والرقص حتى ذلك الوقت. فقد كان عبارة عن قصة سينمائية  فقط بلا أى شكل من أشكال بهارات سينما تلك الأيام من رقص غناء أو استعراضات، وهي أمور كان الجمهور قد سأم منها.

بعد نجاح فيلم سجى الليل، سعى المخرجون والمنتجون إلى عماد حمدي، فقام ببطولة عشرات الأفلام التى كان فيها الفتى الأول بلا منافس، وأجاد فى تلك الأدوار التى أداها جميعا. وقد تميّز عماد حمدي فى دور البطل الرومانسى الذى يكون على استعداد دائم لبذل أى تضحيات من أجل حبيبته، ووقف عماد أمام حسناوات ونجمات السينما المصرية آنذاك، مثل فاتن حمامة أو شادية أو مديحة يسرى ومن بعدهن سميرة أحمد. وشارك كل واحدة منهن بطولة عدد كبير من الأفلام التي أثرت السينما والفن المصرى على وجه العموم.

وقد تنوعت أدوار عماد حمدي  والتي نجح فيها جميعا، فهو الكاتب وهو المحامى وهو المليونير صاحب الأملاك، وهو الطبيب حيث أحب عماد حمدي أدوار الطبيب، بسبب قدرته على إجادتها لسابق خبرته فى مصادقة الأطباء أثناء عمله كمحاسب فى أحدى المستشفيات لمدة ثلاثة أعوام، بعد تخرجه مباشرة من كلية التجارة.

ومنذ بدايته فى عام 1945 وحتى أوائل الستينات قام عماد حمدي بدور الفتى الأول فى أكثر من مائة وخمسين فيلما نذكر منها أفلامه مع فاتن حمامة مثل «وداعا يا غرامى» و«موعد مع السعادة» و«الله معنا» الذى قام فيه بدور جمال عبد الناصر، وكان هذا الفيلم الذى عرض عام 1955 يحكى قصة ثورة يوليو، و«حب فى الظلام» و«ست البيت» و«أنا الماضى» و«حتى نلتقى». وقد ربط كثيرون بين عماد وفاتن على أساس هذا العدد الكبير من الافلام التى مثلاها معا وبسبب نجاحها الكبير، وتلك الكيمياء الانسانية التي كانت تجمعهما، لكنها كانت كيمياء فنية فقط، أما الكيمياء العاطفية، فهى تلك التى ربطت بين عماد حمدى وشادية التى تزوجها عام 1953 بعد أن جمع بينهما الحب فى قطار الرحمة الذى كان الفنانون يجمعون من خلاله تبرعات للثورة. وقد استمر الزواج لمدة ثلاث سنوات، ويبدو أن الفتى الأول كان قد بدأ يشعر بالغيرة على زوجته دلوعة السينما المصرية فتم الطلاق، لكن هذا الطلاق لم يمنع من استمرار العلاقة الطيبة بينهما، بل إن شادية كانت حريصة تماما على رعاية ومباشرة نادر ابن عماد حمدى من زوجته السابقة الفنانة فتحية شريف التى تزوجها فى بداياته الفنية فى أواخر، الأربعينات وأنجب منها ابنه الأكبر نادر الذى التحق بالمعهد العالى للسينما ثم عمل مصورا صحفيا بوكالة أنباء الشرق الأوسط. وقبلها كان عماد قد تزوج زواجا قصيرا جدا من الفنانة حورية أحمد.

مثّل عماد حمدي مع شادية عددا من الأفلام منها «ارحم حبى» و«ليلة من عمرى» و«شاطىء الذكريات» و«مشغول بغيرى» و«أقوى من الحب» و«المرأة المجهولة». ومع مع مديحة يسرى قام عماد حمدى ببطولة عدة أفلام منها «وفاء للأبد» و«إني راحلة» و«قتلت زوجتي» و«من غير وداع»، إلى جانب فيلم «الخطايا» الذي يعد أحد روائع السينما المصرية.

مرحلة جديدة

وقد كانت الفنانة سميرة أحمد من أكثر الفنانات اللاتى تعامل معهن عماد حمدي، فمثّل معها عددا من الأفلام مثل «صخرة الحب»، و«السابحة فى النار» و«يوم الحساب» و«خان الخليلي» الذى أنتج عام 1966 وأدى فيه عماد واحدا من أبدع أدواره، وكان يبلغ وقتها سبعة وخمسين عاما، حيث كان قد تخلى عن دور الفتى الأول ليقوم بدور الاب أو الاخ الأكبر.، فمنذ بداية الستينات تحرر عماد حمدي من دور الفتى الأول ليقوم بعشرات الأدوار التى تنم عن نضج وإبداع وموهبة حقيقيين لا يعتمدان على الشكل أو المظهر. أدوار عظيمة أداها عماد حمدى فى مرحلته السينمائية الثانية مثل دوره فى «أم العروسة» حيث أدى شخصية حسين ذلك الموظف البسيط الذى يضطر لسرقة 150 جنيها من عهدته فى الشركة لكى يستطيع تزويج ابنته «سميرة أحمد»، وقد أبدع عماد حمدي من خلال هذا الدور، في التعبير عن الصراع النفسى الرهيب الذى عاشه، بسبب اختلاسه الذى مر على خير لأن صديقه مرقص أفندى سدد عهدته.

عماد حمدي ونادية الجندي

كانت الفنانة نادية الجندى آخر زوجات الفنان الراحل عماد حمدي، والتي ارتبط بها بعد أعجب بها في فيلم زوجة من الشارع. وقد ارتبطت به رغم فارق السن الكبير بينهما واستمر زواجهما 12 عاما انجبا خلاله ابنهما هشام، قبل أن يتم الطلاق بينهما.

وقد توج عماد حمدي رحلته السينمائية العظيمة بعدد رائع من الأدوار مثل دوره فى «المذنبون» و«سواق الأتوبيس» الذي كان أخر أفلامه، قبل أن يرحل فى 28 ينايرعام 1984 بعد أن عاش فترة صعبة من الحزن على شقيقه التوأم عبد الرحمن حمدي الدبلوماسى فى الخارجية المصرية.. رحل عماد حمدي كئيبا حزينا بعد أن فقد بصره لمدة عامين كاملين، لكنه سيظل دائما مبعث الإعجاب والحب والراحة والتفاؤل لكل محبيه وعشاق أدواره السينمائية الخالدة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: