منوعات

ست المُلك.. أميرة حمت عرش مصر

عندما تربع الحاكم بأمر الله على عرش إمبراطورية الفاطميين كان قد مضى على تأسيس دولة الإسلام قرابة الأربعة قرون وهذا يعني أن الحاكم لم تكن لديه حجة فيما سفك من دماء وفيما أقدم عليه من تصرفات شاذة وأفعال شائنة مثل قيامه بمنع أكل الملوخية والبقلة أو الجرجير، فهو ليس الحاكم الأول حتى يحق له التجريب.

الحاكم اسمه المنصور بن العزيز بالله بن المعز لدين الله الفاطمي، كان أبوه العزيز بالله حاكمًا قويًا يعرف كيف يسيطر على إمبراطورية شاسعة، فكان لا يصطدم بالقوى التقليدية من عباسيين في العراق أو قرامطة متفرقين في الولايات الإسلامية، وكان العزيز يعتمد على أهل الشورى في تدبير شئون حكمه، وكان على رأس هؤلاء ابنته ست الملك بطلة مقالنا.

قصة الأم

كان للعزيز جارية رومية مسيحية ولدتْ له في عام 359 هجرية بنتًا جميلة هى ست الملك التي كان ميلادها بعد دخول الفاطميين مصر بقرابة العام، ولا نعرف هل ميلادها كان في المغرب أم في مصر، ولكنها شبت في مصر في كنف جدها المعز لدين الله الفاطمي وفي رعاية والدها العزيز.

الأم المسيحية كان لها شقيقان هما أرسانيوس وأريسطيس، وبتأثير من الأم ثم من الابنة التي شبت متأثرة بأفكار أمها، قفز الشقيقان إلى أعلى المناصب في الدولة الفاطمية، فقد تولى أرسانيوس منصب بطريرك الطائفة الملكية بالإسكندرية، بينما أصبح أخوه أريسطيس بطريرك بيت المقدس.

عاش المسيحيون في عهد العزيز مكرمين أصحاب مناصب رفيعة وكل هذا كان بتدبير زوجته المسيحية وابنته التي تعرف أن هؤلاء هم أخوالها، وللحق فإن العزيز كان يقرب كل أبناء الطوائف المهرة، فقد اعتمد مثل والده المعز على الطبيب يعقوب بن كليس الذي كان يهوديًا ثم أسلم وظل يترقى إلى أن أصبح وزير الدولة الأول وأخطر رجالها.

هذا التنوع الفكري والعقدي ألقى بظلاله على تكوين ست الملك التي كانت راجحة العقل تشارك السياسيين مجالسهم وتدلي برأيها في أعقد المسائل، وقد أحبها والدها حبًا عظيمًا، وكذا أحبها المصريون فراحوا يدللونها على عادتهم فأطلقوا عليها ألقابًا مثل ست الكل والسلطانة.

عاشت ست الملك مكرمة مصونة إلى أن ولد أخوها المنصور الذي هو الحاكم بأمر الله.

أخت ومربية!

عندما ولد الحاكم بأمر الله كانت ست الملك تنعم بعظمة شبابها الملوكي، كانت  فتاة يافعة، وللأسف لم نعرف لها زوجًا أو حبيبًا، لقد أجمع المؤرخون على أنها كانت متفرغة لشئون الحكم ورعاية القصور الملكية وتدبير أمر الرعية.

تلقفت ست المُلك الحاكم وراحت تعلمه آداب الحكم وشئون السياسة، فهى تعلم أنه الحاكم القادم بعد والدهما العزيز بالله، وقد حدث، حيث مات العزيز فجأة بينما كان الحاكم في الحادية عشرة من عمره، فأصبح الطفل حاكمًا للإمبراطورية التي تبدأ من أقصى المغرب ثم تتوغل إلى أواسط أفريقيا السمراء ثم تتمدد حتى تصل إلى أجزاء مهمة من العراق والحجاز!

كانت ست المُلك هى محرك الأحداث ولو من وراء ستار، وكانت تشعر بحنان خاص تجاه أخيها الحاكم، فأمه كانت رومية مثل أمها وكانت مسيحية مثل أمها. وعندما تربع الحاكم على عرش أسرته كان بمصر رجلان في غاية الخطورة، أولهما هو أبو محمد بن عمار، وكان من قادة وزعماء قبيلة كتامة المغربية. أما الرجل الثاني فهو «برجوان»، وكان خادمًا أصله من سلوفينيا، «وبرجوان»، هذا هو الذي على اسمه حارة برجوان القاهرية الشهيرة.

كان التنافس بين الرجلين شديدًا، ابن عمار تولى قيادة الجيوش فأباح لجنوده نهب الناس، وقد تجبر حتى أصبحت له الكلمة الأولى والأخيرة، وتجاهل ست المُلك، بل تجاهل الخليفة نفسه، فعملت ست الملك على تحجيمه وعلى أن يصبح أخوها حاكمًا حقيقيًا.

جاءت الفرصة للتخلص من ابن عمار عندما اصطدم بالأتراك، الذين كانوا يعيشون في مصر، وقتل منهم طائفة، فانحاز برجوان للأتراك، ويشير المؤرخون إلى دور لـ«ست الملك» في تلك الواقعة، حيث يقول المقريزي في كتابه «المواعظ والاعتبار»: «جاء استدعاء إلى ابن عمار للذهاب إلى القصر فذهب وجلس مع من حضر فخرج ثم انصرف، فلما انصرف ابتدره جماعة من الأتراك وقفوا له فقتلوه واحتزوا رأسه ودفنوه مكانه وحُمل الرأس إلى الحاكم، ثم نقل إلى تربته بالقرافة فدفن فيها».

فرحت ست الملك وأخوها الحاكم بمقتل ابن عمار، ولكي تجعل ست الملك أخاها عظيمًا في أعين الرعية، فقد أهدته ثلاثين فرسًا مرصعة بالذهب والبللور، وعشرين بغلة، وخمسين خادمًا ومائة تخت ثياب وتاجًا مرصعًا وأدوات ثمينة وتحفة فنية عبارة عن بستان من فضة مليء بالأشجار، وذلك ابتهاجًا بالنصر على ابن عمار.

بعد التخلص من ابن عمار ظلت مشكلة الحكم قائمة، فالخليفة لا يزال في طور الطفولة أو المراهقة، ولذا لابد من رجل يحكم بالوكالة عن الخليفة الطفل، كان برجوان جاهزًا لتولى الحكم بالنيابة عن الحاكم وأخته التي تدير شئون الإمبراطورية من داخل قصر أبيها.

كان برجوان عبدًا خصيًا، وكان يتولى تعليم الحاكم في عهد أبيه العزيز، يعني كان موضع ثقة الأسرة الحاكمة، فحكم مطمئنًا ولكن نشوة الاطمئنان أنسته أمرين خطيرين: الأول أن الحاكم الطفل في طريقه لأن يصبح شابًا، والثاني أن الذي يجالس السلاطين كراكب الأسد عليه ألا يطمئن أبدًا. عندما كان برجوان أستاذًا للحاكم كان يلقبه بـ «الوزعة» والوزعة هى السحلية، ولن ينسى الحاكم قسوة اللقب كما سيظهر في قادم السطور.

ولأن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة فقد أصبح العبد الخصي برجوان من جبابرة الأرض، وجعل لنفسه حرسًا خاصًا، وأصبح يستخفّ بالخليفة ويسيء معاملته، فما الخليفة عنده سوى وزعة !

يقول المؤرخون إن برجوان نهب المال العام حتى بلغت ثروته أكثر من مائتي مليون دينار، وخمسين أردبًا من الدراهم والفضة، واثني عشر صندوقًا من الجواهر بالإضافة إلى الممتلكات العينية.

حلقة الدم

ماذا تفعل ست الملك وهى ترى بعينيها عرش أسرتها يكاد يضيع؟.. ثمة إشارات إلى أن ست الملك أوحت لأخيها بإجراء محاكمة لبرجوان، وقد كان ما أشارت به. وقد حفظ لنا المؤرخ ساويرس بن المقفع تلك الواقعة فقال: «أرسل الحاكم إلى برجوان برسالة شفهية جاء فيها: «الوزعة الصغيرة قد صار تنينا عظيما وهو يدعوك»، فقام برجوان وذهب إليه وهو يرتعد، وعندما حضر إليه أمر بقطع رأسه، لكن مقتل برجوان لم مرور الكرام.

يقول المؤرخ جاك تاجر: «لما أمر الخليفة الشاب بقتل برجوان, أقلق الشعب وأضجره وحمله على التوجه إلى مقر الخلافة». وكاد الأمر أن يصبح ثورة عارمة، إلا أن حكمة ست الملك عملت على احتواء الأمر، لقد أوحت لأخيها يأن يلين للشعب الغاضب الخائف ليحتويه.

إلا أن الرجل كان حقًا شاذًا في تفكيره ومسلكه، لقد نسب إليه المؤرخون مقتل ثمانية عشر ألف رجل خلال فترة حكمه. وبعد  التخلص من الجميع لم يعد هناك سوى الأستاذة القديمة ست الملك فكيف يتخلص منها الحاكم؟

كان الحاكم غريب الأطوار يؤمن بأن ست الملك تتعاون في الخفاء مع منافسيه، لذا بدأ مرحلة التخلص من سطوتها بأن عزلها في قصر يواجه القصر الملكي، وهذا ما جعل تلك المنطقة تسمى إلى يومنا هذا بـ «بين القصرين».

عاشت ست الملك في تلك الإقامة الجبرية بلا حول ولا قوة، وراح الحاكم يلهو بالعرش وبحياته وبحياة الشعب كما شاء له شيطانه، فكان يترك شئون الحكم ويركب حمارًا ثم يوغل في صحراء المقطم ليطالع النجوم.

لم يكتف الحاكم بأمر الله بعزلة ست الملك، ولذا فقد عمل على فضحها بطريقة مرعبة. أطلق جهاز دعاية الحاكم شائعة تقول: إن ست الملك على علاقة آثمة بقاضي القضاة مالك بن سعيد. فعمت تلك الشائعة أرجاء البلاد، فجاء الحاكم بقاضي القضاة وأمره بأن يقطع ألسنة كل الذين تحدثوا بتلك الشائعة

قال له قاضي القضاة: هذا مستحيل.

لقد رسب القاضي في امتحان الحاكم فقام بقتله، ثم جاء بست الملك وقال لها: أنت حامل من مالك بن سعيد، فردت عليه: هل تحبل امرأة تجاوزت الخمسين؟

حارة برجوان

الانتقام الرهيب

لقد لوث الحاكم سمعة أخته ومربيته وأستاذته، صحيح أنه لم يستطع أن يثبت خرافة حملها، لكنه نجح في صنع فضيحة مدوية لها. ولذا قررت التخلص من أخيها وتلميذها انتقامًا لشرفها وحماية لعرش جدودها الذي كاد أخوها أن يحطمه بتصرفاته الرعناء وبسفكه للدماء.

كانت قبيلة «كتامة» التي لا تكره أحدًا كما تكره الحاكم الذي قتل زعميها ابن عمار، على أتم استعداد للتعاون مع من يخلصها من الحاكم الذي راح يتخبط حتى كادت البلاد أن تنهار انهيارًا تامًا. التقطت ست الملك طرف الخيط وسعت للتقرب من الحسين بن دوّاس الزعيم الجديد للقبيلة.

يقول جاك تاجر: «كان ابن دوّاس يعيش في رعب متخوفاً من غدر الحاكم به، فأرسلت إليه (ست الملك) أن يأتيها، ولكنه خاف على نفسه من مكائدها أو من عيون أخيها، وتردد ولكنه فوجئ بها تأتي إليه متنكرة وتدخل عليه، فانكب على الأرض يقبلها أمامها، ودخلت في الموضوع مباشرة، فعرضت عليه أن يقتل الحاكم قبل أن يقتله وأطمعته في أن يكون مدبر الدولة لابن الحاكم الذي سيتولى الخلافة بعده، وأن شئون الدولة ستكون بينهما وبينه. وفي ليلة الاثنين السابع والعشرين من شوال خرج الحاكم بعد أن ودع أمه، وانتظرت أمه وأهل القصر رجوعه فلم يرجع، وبذلك نجحت خطة ست الملك في اغتياله».

يقول المؤرخ محمد عبد الله عنان: إن الحسين بن دوّاس بعد أن قتل الحاكم أحضر جثته لأخته التي قامت بدفن الجثمان في قاعة من قاعات القصر لكي تخفي كل معالم الجريمة. وهكذا مات الحاكم بعد أن تربع على العرش سنوات ذاق فيها المصريون تجارب مريرة من حكم الخرافات وشذوذ الفكر.

استرداد الدولة

فور تخلصها من أخيها العاق عملت ست المُلك على حماية العرش، حيث أمرت – كما يقول المؤرخون- الوزير «خطير الملك» باستدعاء الأمير الفاطمي ابن إلياس بدمشق دون أن تعلمه بما حدث للحاكم، وحين أتى إلى الحدود المصرية قتلوه حتى لا يطالب بالعرش، وفرقت في الجنود مليون دينار، وأعلنت للناس غيبة الحاكم، وأنه يراسلها وأمرت الناس بالكف عن الكلام، وأمرت بقتل من يتزيد في الكلام ومن يتخلف عن بيعة ابن الحاكم وهو الظاهر بالخلافة.

تمت البيعة للخليفة الظاهر الفاطمي – كما خططت ست الملك – في يوم الأضحى سنة 411 هــجرية، وكان عمره وقتها ست عشرة سنة وثلاثة أشهر، وهي التي ألبسته تاج الخلافة المرصع بالجواهر وجعلت على رأسه مظلة مرصعة، وأركبته فرساً رائعاً بمركب ذهب مرصع بالجواهر، وأخرجت بين يديه الوزير وكبار الدولة، فلما تقدم الموكب هتف الوزير في الناس: يا عبيد الدولة مولاتنا ست الملك تقول لكم هذا مولاكم أمير المؤمنين فسلموا عليه، فارتمى ابن دوَّاس بين يديه يقبل الأرض وتتابع بعده القواد والزعماء يعطونه العهد والميثاق.

لعنة القتل

ما يبدأ بالدم، به ينتهي، فالخلافة مترامية الأطراف يحكمها اسمًا مراهق هو الخليفة الظاهر، بينما الحاكم الفعلي كان هو شخص ست الملك التي قررت التخلص من كل آثار جريمة قتل الحاكم، فراحت تظهر لابن دوّاس المزيد من الود، حتى أنها زارته في منزله وجعلته يثق بها كل الثقة، وفي ساعة كانت قد حددتها أشارت إلى عبيد الحاكم بأن بن دوَّاس هو قاتل سيدهم فدخلوا عليه وقتلوه، وقتلوا كل من شارك في المؤامرة وبذلك نجحت في تنفيذ الجريمة التي تبدو كاملة.

وبعد التخلص من ابن دوّاس والذين ساعدوه في قتل الحاكم، أصبحت كل الخيوط بين يدي ست الملك التي يشهد لها المؤرخون بمقدرتها الفائقة على التحكم في كل صغيرة وكبيرة. فقد عاد الازدهار إلى البلاد تحت سيطرتها، حيث أعادت للدولة هيبتها وملأت الخزائن بالأموال واعتمدت على الموهوبين من الرجال، وظلت مضرب المثل في حسن السياسة والتدبير إلى أن جاء أول جمادي الآخرة سنة من العام 414 هجرية فرحلت ست الملك وهي في السابعة والخمسين من عمرها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: