منوعات

الطبقة الرأسمالية وثورة 25 يناير

ضمت آخر حكومة مصرية قبل ثورة 25 يناير 2011، وهي حكومة أحمد نظيف (2004- 2011)، عددا كبيرا من رجال الأعمال الذين يملكون ويديرون شركات عائلية ضخمة، بجانب عدد من التكنوقراط من ذوي القناعات النيوليبرالية، وذلك بالتزامن مع صعود تمثيل الطبقة الرأسمالية في الحزب الوطني الحاكم ومجلس الشعب آنذاك، وارتباطهم جميعا بمشروع التوريث ومحاولة تصعيد جمال مبارك خلفا لوالده.

فكيف أثر قيام ثورة 25 يناير 2011 على هذه الطبقة الرأسمالية ومواقفها؟.. حول هذا التساؤل أجرى الباحث عمرو عادلي، الباحث المتخصص في مجال الإقتصاد السياسي دراسته المعنونة «الطبقة الرأسمالية الكبيرة وثورة يناير .. صعود وانهيار مقامرة التوريث»، وذلك بهدف تسليط الضوء على العلاقة بين الطبقة الرأسمالية وثورة 25 يناير 2011.

صعود الطبقة الرأسمالية المصرية

يستهل «عمرو عادلي» دراسته، التي جاءت ضمن كتاب «ثورة يناير .. رؤية نقدية» الصادر مؤخرا عن دار «مرايا» ويضم مجموعة من الدراسات لعدد من الباحثين عن ثورة يناير، بالإشارة إلى أن الطبقة الرأسمالية المصرية، وجدت طريقها للحياة خلال عقود من التحول نحو اقتصاد قائم على القطاع الخاص، مع بداية تطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادي في منتصف سبعينيات القرن الماضي.

 وقد خرج من أوساط تلك الطبقة الرأسمالية عدد من الفاعلين السياسيين الذين تمكنوا من شق طريقهم عبر عدد من القنوات والأشكال التنظيمية، ومن ثم تمكنوا من السيطرة على السياسات العامة للدولة، حتى بات دورها مُسَخَرا لخدمة رأس المال، سواء كان ذلك من خلال التوسع في خصصة الأصول الإنتاجية أو عبر فتح الباب أمام الاستثمار الأجنبي المباشر، أو تحرير التجارة، وصولا إلى استحداث أجهزة بيروقراطية لم تكن قائمة من قبل مثال: «مركز تحديث الصناعة أو المجالس التصديرية»، بالإضافة إلى تعديل بعض الهياكل الإدارية لعدد من المؤسسسات، كما حدث مع البنك المركزي والكثير من البنوك المملوكة للدولة منذ عام (2003).

ويفرق عمرو عادلي بين نوعين من أبناء الطبقة الرأسمالية، النوع الأول ارتبط بالسلطة بشكل مباشر، مثال رجل الأعمال الراحل حسين سالم، الذي تلخص دوره في كونه مجرد وسيط عمل لصالح أسرة مبارك في مجال الغاز والبترول والأستثمار في الأراضي بجنوب سيناء، أما النوع الثاني فيضم رجال أعمال اعتمدوا في تحقيق التراكم الرأسمالي على إنتاج سلع أو خدمات حقيقية وبيعها في السوق الداخلية أو التصديرية مثال: «ساويرس، ومنصور والسويدي والعربي وغبور»، و إن كانوا قد اعتمدوا أيضا على أوجه الدعم الحكومي الذي حصلوا عليه في مجال دعم الطاقة والأراضي الصحراوية الرخيصة، أو الحماية الجمركية وغيرها من السياسات الحكومية الداعمة.

 وفي هذا السياق يشير عمرو عادلي إلى أن الفاعلين في الطبقة الرأسمالية لم يلعبوا دورا سياسيا مؤثرا، إلا مع مطلع القرن الحادي والعشرين. وقد تجلى ذلك في الإرتفاع التدريجي والمستمر لحضور رجال الأعمال في البرلمان كمنتسبين للحزب الحاكم، بعد خوضهم الانتخابات كمستقلين وتمكنهم من هزيمة المرشحين الأصليين للحزب في كثير من الأحيان، ومع تصعيدهم لشغل عدد من المراكز التنفيذية في ظل حكومة أحمد نظيف (2004-20011).

الطبقة الرأسمالية والاعتماد على الدولة

وقد أمتاز العقد الأول من القرن الحادي والعشرين -وفقا لعمرو عادلي– بتناقص اعتماد الكثير من فاعلي الطبقة الرأسمالية الكبيرة على الدولة، حيث سمح اتساع سوق الأوراق المالية، خاصة خلال فترة (2004-2008) باستثمار الكثير من أموال الشركات، ومن ثم اتساع حجم حيازة الأصول والأسماء التجارية التي أصبحت تحظى بها الشركات بعدد من القطاعات، حيث ساعد التوسع في سوق الأوراق المالية، في تخفيف اعتماد الشركات العملاقة على التمويل من البنوك التي لايزال أكبرها مملوكا للدولة.

وفي هذا الإطار سعى بعض أصحاب الشركات المصرية إلى التوسع في الملكية عبر التسجيل ببعض أسواق الأوراق المالية الأجنبية إلى جانب التوسع في إنشاء شركات خارج مصر، وذلك بهدف حماية استثماراتهم وحقوق الملكية من مخاطر التقلب الاقتصادي والسياسي المحلي، وقد ضرب عمرو عادلي مثالا لذلك بما فعلته الشركات القابضة الثلاث المملوكة لآل ساويرس، والعاملة في مجال التشييد والبناء والاتصالات والسياحة، حيث خرجت تلك الشركات من سوق الأوراق المالية المصرية، وجرى إعادة تسجيل اثنين منها في إيطاليا والثالثة بهولندا وذلك قبيل أزمة (2008). أما النموذج الثاني فقد تمثل في شركة السويدي إليكتريك التي مازالت تحتفظ بكونها مسجلة بسوق الأوراق المالية المصرية، إلا أنها إلى جانب ذلك باتت تمتلك أصولا في عدد من البلدان الإفريقية والأوروبية، وقد زادت تلك الأصول بعد ثورة يناير 2011 بما يفوق حجم أصولها المملوكة داخل مصر.

النقطة الهامة التي توقف عندها عمرو عدلي خلال توصيفه لطبيعة الطبقة الرأسمالية في مصر، تمثلت في كونها «لم تحدث نقلة تنموية بهيكل الاقتصاد المصري ككل» على حد وصفه، على غرار ما حدث ببلدان مثل «كوريا الجنوبية، أو تايوان أو الصين» من حيث توسيع رقعة النشاط الصناعي أو القدرة على إنتاج التكنولوجيا وتطبيقاتها، بل حدث العكس من ذلك، حيث تركز نمو الأنشطة الرأسمالية الكبيرة في مصر في أغلبه في  قطاعات لا علاقة لها بالتصدير أو الإستيراد مثال قطاع التشييد والعقارات والخدمات المالية والإتصالات، أو مجال تجميع وتركيب السيارات والإلكترونيات بهدف الإستهلاك المحلي.

المشروع السياسي للطبقة الرأسمالية الكبيرة

 تناول عمرو عادلي الملامح العامة للمشروع السياسي للطبقة الرأسمالية الكبيرة في مصر، مشيرا إلى أن ذلك المشروع قد تميز بثلاثة ملامح رئيسية، الملمح الأول منها تمثل في التمكين السياسي لعدد من الفاعلين من بين كبار فاعلي السوق المصرية المنتمين للقطاع الخاص، الذي تكون وتركز واتسع منذ سبعينيات القرن الماضي، ولم يكن هؤلاء بالطبع وحدهم، بل كان عليهم أن يتفقوا ويتصارعوا ويتعايشوا مع فاعلين بيروقراطيين أقدم منهم حاولوا الحفاظ على نفوذهم ونفاذهم إلى الموارد الاقتصادية وسلطة صنع القرار، على نحو خلّف الكثير من التوتر الذي كان له دور مفصلي في الانقضاض على مشروعهم في أعقاب ثورة 25 يناير 2011.

أما الملمح الثاني للمشروع السياسي للطبقة الرأسمالية الكبرى – كما يضيف عمرو عادلي- فقد تمثل في كون المشروع السياسي لفاعلي الطبقة الرأسمالية لم يجر بمعزل عن السرديات الكبرى عالمية الأصل، ذلك أن فاعلي الطبقة الرأسمالية المصرية جميعهم تقريبا أعضاء في شبكات ممتدة عابرة للحدود، إما عبر قطاعات تصديرية أو كشركاء لرأس المال الأجنبي أو كوكلاء له بالسوق المحلي.

الملمح الثالث تمثل في أن هذا المشروع السياسي كان معبرا عن مصالح فئة من القلة شبت عن الطوق في حينها، الأمر الذي نجم عنه إرتفاع درجات الفساد والمحسوبية، وتضارب المصالح والتداخل بين الثروة والسلطة. غير أن هذا لا يعني أن زمرة رجال أعمال جمال مبارك -وفقا لعمرو عادلي- كانوا مجرد مجموعة من النهّابين أو السارقين، بل يمكن القول إنهم كانوا مجموعة بصدد إنشاء سوق يحتلون فيه مراكز متميزة، وقد نجحوا بالفعل في تعديل بعض القواعد لتكون أكثر استجابة لمطالبهم، كطرح الأراضي في مزادات بعيدا عن الطرق غير التنافسية التي سادت قبل حكومة أحمد نظيف. وبشكل عام تضمنت التعديلات التي وضعت، عددا من القواعد التي تميزت بالشفافية النسبية والقدرة على توليد عائد أكبر لخزانة الدولة.

غير أن هذا المشروع الذي طرح قد عابه الفساد وتضارب المصالح وتقييد قوى السوق الحرة بتلك الممارسات الاحتكارية والنفاذ غير المتكافىء للأصول الإنتاجية المملوكة للدولة، إلى جانب عجز ذلك المشروع عن إعادة صياغة وضع مصر في الاقتصاد العالمي عبر المزيد من التصنيع أو إنتاج سلع وخدمات ذات قيمة مضافة مرتفعة تسمح بتحسين مستويات معيشة غالبية الناس، وبصفة عامة فإن هذا المشروع – كما يرى عمرو عادلي- لم يكن مشروعا تنمويا في مجمله.

الرأسمالية المصرية بعد سقوط حلم التوريث

أطاحت ثورة 25 يناير 2011 بنظام مبارك وبمشروع التوريث داخل العائلة.. فهل أطاحت الثورة بهؤلاء الفاعلين الرأسماليين؟.. يجيب عمرو عادلي على هذا التساؤل مشيرا إلى أن الثورة قد عصفت بمشروع هؤلاء الفاعلين الرأسماليين، لكنها لم تقتلعهم من الساحة، رغم تبدل العلاقات السياسية، وإعادة رسم ملامح شبكات المصالح. ذلك أن هؤلاء الفاعلين الاقتصاديين مازالوا يلعبون دورا في تعافي الإقتصاد بطريقة جعلت سلطة ما بعد الثورة -على إختلافها- تسعى جاهدة لكسب ودهم.

غير أن ما أحدثته الثورة في هؤلاء الرأسماليين قد تجسد في القضاء على أي دور سياسي لهم، سواء تعلق ذلك بمستقبل السلطة السياسية، أو صنع وتنفيذ السياسات الاقتصادية التي تمس مصالحهم، حيث بات الواقع الراهن يشهد حالة من إعادة دمج تلك الطبقة الرأسمالية بوصفهم شركاء صغار لسادة جدد يهيمنون على الدولة والمجتمع والمنظومة الإقتصادية.

اقرأ أيضا:

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: