منوعات

الفلاحون المصريون بين الثورة العرابية وثورة 1919

«كل هذه الطلبات لا حق لكم فيها، أنا ورثت ملك هذه البلاد عن آبائي وأجدادي، وما أنتم إلا عبيد إحساننا».. بتلك العبارة أعلن الخديوي توفيق رفضه لمطالب قادة الثورة العرابية، ما دعا أحمد عرابي لأن يرد عليه قائلا:«لقد خلقنا الله أحراراً، ولم يخلقنا تراثاً أو عقاراَ، فوالله الذي لا إله إلا هو، لا نُورث ولا نُستعبَد بعد اليوم».

مع نهاية عصر الخديوي إسماعيل كان الفلاحون المصريون قد بلغ بهم الفقر مداه، حتى أن بعض المؤرخين كانوا يصفون حالهم «بالضنك»، أي أشد حالات الفقر. وقد استمر الحال على هذا المنوال في عهد الخديوي توفيق، ما جعل الفلاحين المصريين يرون في أحمد عرابي محررا لهم من ظلم كبار الملاك الأتراك والشراكسة، وكيف لا، وقد رأوا فيه الفلاح الوحيد الذي استطاع أن يقف بنجاح ضد الطبقة الحاكمة من الأتراك والشراكسة، وربما هذا ما جعل بعض المؤرخين يرون في الثورة العرابية حركة فلاحية بحتة هدفها تحرير الفلاحين.

وبعد مرور ما يزيد عن ربع قرن من الثورة العرابية، وحين اندلعت ثورة 1919، وقف الفلاحون المصريون كظهير شعبي داعم للثورة.. فكيف عبر الفلاحون المصريون الرحلة من الثورة العرابية عام 1881 حتى ثورة 1919؟

في دراسته «الفلاحون بين الثورة العرابية وثورة 1919» الصادرة ضمن مجموعة الدراسات التي أحتواها كتاب «القارعة.. دراسات مختارة في ثورة 1919» الصادر مؤخرا عن دار «المرايا» يصحبنا الدكتور على بركات أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الآداب جامعة حلوان في رحلة شيقة للغاية يستعرض فيها الدور الملحمي الذي لعبه الفلاحين المصريين في الثورة العرابية وثورة 1919.

الفلاحون من الزراعة إلى الثورة 

يستهل الدكتور علي بركات تناوله للدور الذي لعبه الفلاحون المصريون في الثورة العرابية بالإشارة إلى أن أول مشاركة عامة لهم  في هذه الثورة جاءت مع جمعهم محاضر بتوكيل عرابي للدفاع عن البلاد، حيث توضح أوراق الثورة العرابية أن توقيع هذه المحاضر كان جزءا من حركة عامة شهدها الريف المصري لتأييد الثورة وإضفاء الشرعية على موقف عرابي في مواجهة الخديوي والسلطان العثماني.

ويشير بركات إلى تعدد الأساليب التي دعم بها الفلاحون المصريون الثورة العرابية، حيث شاركوا بحملة جمع التبرعات، التي شملت «الخيول والمواشي والغلال وعلف الماشية» وشارك في جمع التبرعات إلى جانب الفلاحين، صغار الأعيان وعمد ومشايخ القرى.

كما تطوع عدد كبير من الفلاحين بالقتال ضمن جيش عرابي، وهو تطور يصفه الدكتور بركات، بكونه تطورا نوعيا، حيث كان الفلاحون فيما سبق يتهربون من الجندية، فيما باتوا مع اندلاع الثورة العرابية يتقدمون للتطوع دفاعا عن الوطن تحت راية عرابي. وقد بلغ عدد المتطوعين على سبيل المثال: من مديرية المنيا وحدها 2600 متطوع، كما بلغ عدد المتطوعين من مديرية سوهاج ألفي شخص.

 وهنا يلفت بركات النظر إلى قضية خطيرة تتعلق بتسليح الفلاحين، حيث أصدر عرابي أوامره بضرورة تسليح الفلاحين وتنظيمهم بقيادة مشايخ القرى لمواجهة أي تسلل من قبل الإنجليز وأعوانهم، وعلى الجانب الأخر بلغت مشاركة الفلاحين أعنف مراحلها في الثورة، حين استولوا على بعض أراضي كبار الملاك، ومن ثم قاموا بتوزيعها فيما بينهم، كما اتجه بعض الفلاحين لتسوية حساباتهم مع بعض المرابين الأجانب الذين عانوا منهم في الماضي.

وهكذا رأى الفلاحون المصريون في الثورة العرابية فرصة للتحرر من الظلم الاجتماعي الذي عانوا منه أجيالا طويلة، ومن ثم أتخذت مشاركتهم في الثورة شكل الحركة العامة التي لم يشهد الريف المصري مثيلا لها من قبل.

وفي أعقاب إخماد الثورة العرابية حاولت سلطات الاحتلال البريطاني أن تستميل الفلاحين، عبر تخفيف الضرائب عليهم، وإلغاء نظام السخرة (ألغيت السخرة في 1882 ووضع تعديل مشروع الضرائب في 1884)، غير أن تلك الإجراءات لم تضع حدا لتردي أحوال الفلاحين المصريين، فالمشكلة الأساسية التي كان الفلاحون يعانون منها والتي كانت تتمثل في سوء توزيع الأراضي الزراعية، بقيت على حالها، إلى جانب استمرار المشكلات المتعلقة بزيادة الديون، إلى المستوى الذي دفع بعضهم إلى بيع أراضيهم وفاء لسداد هذه الديون المتراكمة، أو لسداد الضرائب المتأخرة عليهم.

حادثة دنشواي والحرب العالمية الأولى

يواصل الدكتور بركات في دراسته، استعراض رحلة الفلاحين المصريين من الثورة العرابية إلى ثورة 1919، موضحا أنه ومع مطلع القرن العشرين كانت حالة الفلاحين بالغة السوء، فالمستأجرون منهم كانوا يعانون من ارتفاع الإيجارات، كما تعرض بعضهم للطرد الجماعي من الأرضي، مثلما حدث مع فلاحي الدائرة السنية بمديرية المنيا.

ومن جانب أخر مثّلت حادثة دنشواي الشهيرة التي وقعت في 13 يونيو 1906، بداية تصاعد الصدام العام بين سلطات الاحتلال البريطاني والفلاحين المصريين، حين تسببت مجموعة من الضباط الإنجليز، كانوا يصطادون قرب قرية دنشواي في إصابة سيدة وإحراق أحد أجران القمح، ما دعا أهالي القرية إلى مهاجمة الضباط، فمات أحدهم متأثرا بجراحه، وأجريت المحاكمة الشهيرة التي انتهت بالحكم على أربعة من الفلاحين بالإعدام شنقا، والأشغال الشاقة المؤبدة لإثنين، والسجن سبع سنوات لأحدهم وحبس ثلاثة لمدة عام مع الشغل، إضافة لجلد كل منهم 50 جلدة، وقد تم تنفيذ الحكم في 28 يونيو بالقرية أمام كل أهالي القرية. 

ومع إندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، زادت أزمة الفلاحين المصريين، حيث أضافت هذه الحرب أعباء جديدة عليهم، حيث انخفض سعر القطن من عشرين ريالا قبل الحرب إلى حوالي عشرة ريالات مع بدايتها، فاشتد الضيق بالفلاحين وضاعفت البنوك من حدة الأزمة حين توقفت عن التسليف على القطن، واشتدت الحكومة في تحصيل الضرائب، وأصدرت تعليماتها باستعمال الشدة في تحصيل الأموال الأميرية وأموال البنك الزراعي، وسادت البلاد حالة حادة من إرتفاع الأسعار.

لم تقتصر معاناة الفلاحين المصريين على الجانب الاقتصادي، حيث عانوا مع إندلاع الحرب العالمية الأولى من أزمة تجنيد سلطات الاحتلال البريطاني لشباب الفلاحين، ومازال الفلكلور المصري يخلّد تلك المعاناة عبر تلك الأنشودة الحزينة: «بلدي يا بلدي والسلطة أخدت ولدي .. يا عزيز عيني وأنا بدي أروح بلدي».

الفلاحين وثورة 1919

لم تكد مظاهرات القاهرة تبدأ في 9 مارس 1919 حتى سادت الريف المصري موجة من الحراك الثوري العنيف التي استهدفت وسائل النقل والمواصلات ومراكز البوليس ومخازن الحبوب وغيرها، ووقعت أكثر أحداث الثورة عنفا في مديرية أسيوط حيث هاجم الثوار في يوم 18 مارس 1919 القطار القادم من الأقصر متوجها إلى القاهرة محملا ببعض الجنود البريطانيين، فقتل الثوار ثمانية منهم من بينهم القائم مقام بوب بك مفتش السجون في الوجه القبلي، وهو ما نجم عنه أن ألقت سلطة الاحتلال القبض على مئات من أهالي أسيوط، مما تسبب في تصاعد حدة احتجاجهم.

ردت سلطات الإحتلال بعنف هو الأشد من نوعه حين أصدرت إنذارا جاء فيه: «كل حادث جديد من حوادث تدمير محطات السكك الحديدية أو المهمات الحديدية، يعاقب عليه بإحراق القرية التي هى أقرب من غيرها إلى مكان التدمير» كما أصدرت سلطات الاحتلال أمرا بحظر التجوال بين القرى، ما بين غروب الشمس وشروقها، ووجهت الحملات إلى المديريات لقمع الثورة، ومن ثم اقتحم الجنود بعض القرى واطلقوا النيران بشكل عشوائي على الأهالي كما قاموا بحرق العديد من المنازل.

ومثلما اتسمت الثورة العرابية بكونها ثورة اجتماعية ضد الظلم، كان لثورة 1919 جانبها الاجتماعي حيث استهدف بعض الفلاحين عبر حركتهم أراضي كبار الملاك وممتلكاتهم.

ويسشتهد دكتور بركات بما ورد بكتاب فكري أباظة «الضاحك الباكي» عن ثورة 1919 من أنها: «كانت ثورة ضد الإنجليز يقودها بعض المتنورين وثورة ضد الثروة يقودها الأشرار الفقراء» مضيفا أن الجماهير الثائرة حين حاولت إحراق قصر محمود سليمان في أسيوط، حاول البعض منعهم بحجة أن ابنه أحد المنفيين في مالطة، فعلق أحد المهاجمين: «وهل وزع محمود باشا أرغفة العيش على الجائعين، نحن طلاب قوت».

يختتم الدكتور علي بركات دراسته بأنه وبالرغم من كون الفلاحين المصريين قد تحملوا التضحيات الرئيسية في ثورة 1919، إلا أنهم كانوا الفئة الاجتماعية التي خرجت من الثورة دون أي مكاسب، وظل الحال على ما هو عليه حتى قيام ثورة يوليو 1952، التي جاء أول برنامج اجتماعي لها متضمنا لقانون الإصلاح الزراعي، بما تضمنه من تحديد للملكية الزراعية وتوزيع جانب كبير من الأراضي الزراعية على الفلاحين.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: