فن

مطربو المهرجانات.. مواجهة الفشل.. بمزيد من الفشل

«هو كويسكويسمش حيقدر يتخطى قدراته، ماحدش في الدنيا بيقدر يتخطى قدراتهأنا ما اعرفوش، بس حاسس إنه مش طموح، مش عارف ليه؟»

كان هذا هو رأي عبد الحليم حافظ في هاني شاكر الذي صرح به ذات برنامج مع الإعلامي طارق حبيب وأذيع عام1976.

قبل أن نشرع في الحديث عن قرار نقيب الموسيقيين، الفنان هاني شاكر، بمطاردة مطربي المهرجانات، وإغلاق أبواب أمامهم، لم يطرقوها بالأساس، وليست هي منفذهم إلى الجماهير، علينا تقرير بعض الحقائق:

– الفن مرآة للمجتمع، الجملة تبدو «كليشيه» لكننا في مرحلة من عمر الوطن نحتاج فيها إلى شرح البديهيات. بقول آخر، ليست مهمة الفنان أن يصلح المجتمع ويوجهه ويربيه ويؤدبه، الفن بشكل عام هو نتاج لأي مجتمع وفقا لثقافته ووضعه السياسي والاقتصادي والقيمي الذي ينتج مزاجا عاما مرتبطا بكل ما سبق.

– الفن تعبير، وليس بطبيعة الحال تأديبا وتهذيبا وإصلاحا، وكما قال منصور الرحباني: الفن تعبير عن ذات الفنان، فإذا كانت ذات الفنان غنية يخرج فنه غنيا، وإذا كانت ذاته فقيرة يخرج منه فن محدود.

– إذن فليس هناك فن جيد وفن رديء، هناك فن ثري وفن فقير، إذ أنه منتج يخرج بحسب المدخلات التي يتلقاها الفنان من محيطه الاجتماعي، وتجربته الشخصية، ومحيطه الثقافي والسياسي والاقتصادي.

– هناك عوامل كثيرة تؤثر على سلوكيات أفراد المجتمع ليس من بينها الفن! فالفن بشكل عام، ليس مسؤولا عن كون المجتمع مسالما أو عنيفا، مهذبا أم قليل الأدب، والفن لا يوجه أفراد المجتمع لاقتراف الجرائم أو إدمان  المخدرات، هو يعكس ما يحدث في المجتمع ولا يخلقه. فمثلا: أفلام كوانتن ترانتينو لم توجه المجتمع الأمريكي  لسفك الدماء، كما أن أغاني الميتال لم تتسبب في انتشار عبادة الشيطان كما يظن مواطنو العالم الثالث ويرددون دوما.

ومواطنو العالم الثالث لهم خيالات مبدعة فيما يتعلق بالمجتمعات الغربية، وبطبيعة الحال يتوجسون من كل جديد، فمثلا، أذكر في بداية ظهور الطبق اللاقط «الدش» انتشار قصة الأب الذي دخل على ابنه وابنته المراهقين فوجدهما في وضع مخل بالآداب العامة، فقتلهما، وكان ذلك بسبب أنه أدخل الطبق اللاقط – ذلك الشيطان الجديد – إلى منزله. ويحكي الآباء والأجداد ضاحكين عن ردة فعل المجتمع وقت ظهور التلفزيون، وانتشار الراديو من قبله، حيث روت الإعلامية الكبيرة صفية المهندس، ابنة الأستاذ الجامعي، وسيدة المجتمع، أن والدتها كادت تموت كمدا لإن ابنتها  هدمت الثوابت وألحقت العار بعائلتها الكبيرة، وعملت، والعياذ بالله، مذيعة.

أما الشبكة العنكبوتية ومواقع التواصل الاجتماعي، فمازال هذا المجتمع ينظر إليها بوصفها شيطانا يدخل كل بيت ليفرق بين المرء وزوجه ويفسد الأبناء، و«احنا في آخر الزمن والله القيامة قربت»!

نموذج نمطي لأمارات تخلف المجتع يدرس في الجامعات والأكاديميات. 

– هناك بالفعل أنواع من الفن التعليمي أو التوعوي، ولا تلقى رواجا في أي مجتمع كان، لإن الإنسان يميل للفن للاستمتاع، لا ليصغي لوصلة توبيخ أو إرشاد.

– الحرية تصنع فنا غنيا، لأن الفنان بطبعه يميل لإطلاق العنان لخياله، والخيال حالة من الإنتاج غير الواعي، فإذا تم بتر تياره بمحظورات يفرضها عليه العقل الواعي يفقد الخيال خصوبته ومن ثم لا يقوى على الإنتاج.

– غياب الحرية لا يمنع أي شكل من أشكال الفنون، لأن الفن عملية لا إرادية تدق رأس الفنان حتى يخرجها أيا كانت المحظورات، وأمامه عدة خيارات: إما أن يتحدى السلطات التي تمنعه ويدفع أثمانا باهظة من حريته وسمعته ومعيشته، وإما أن يتحايل بصناعة فنون غامضة، أو بالسخرية، أو بالتورية، أو بالتعريض، الخلاصة، لن يتمكن أحد من منع فنان من الإنتاج، وإن تمكن من محاربته في لقمة عيشه.

– المزاج العام الذي يقبل نوعا من الفنون ولا يقبل الآخر، يتم تخليقه كما ذكرنا بموجب ظروف سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية لا يسأل عنها الفنانون.

– ليس هناك قواعد جامدة يتبعها الفنان، والإبداع بالأساس هو كسر للقواعد، وليس من الحصافة الحكم على أشكال الفنون الجديدة بالرداءة لمجرد أن المجتمع لم يتعود عليها. «منتج رديء» كان هذا تعليق المعماريين المعاصرين لإنشاء برج إيفيل، والذي بدا في أول الأمر غريبا، وهو الآن من المعالم الكلاسيكية لباريس.

بناء على كل ما سبق، فإن الفنان هاني شاكر، الذي ترك الفن وتفرغ لوظيفة نقيب الموسيقيين، يحرث في البحر.

إذا أراد الناس الرقص على المهرجانات وأغاني محمد رمضان، سيرقصون عليها في البيوت والطرقات وعلى أسطح المنازل رغما عن الأستاذ هاني شاكر والملاهي الليلية والبواخر النيلية والحفلات الموسيقية التي حظر عليها الأستاذ هاني استضافة فناني المهرجانات.

الجدير بالذكر أن أغاني المهرجانات لم تنتشر عبر البواخر النيلية! وإنما انتشرت عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي، ومواقع الشبكة العنكبوتية، الأمر الذي جعل الأستاذ هاني شاكر يخاطب موقع اليوتيوب وموقع ساوند كلاود! وإنه لأمر حزين حقا أن يقرر نقيب الموسيقين أن يجعل من المصريين نكتة تتداولها بلاد العالم والقائمون على مواقع الشبكة العنكبوتية، فموقعا يوتيوب وساند كلاود لن يتسنى لهما الاستجابة لطلب الأستاذ هاني شاكر سوى بالإغراق في الضحك. إذا أراد الأستاذ هاني شاكر أن يربي الشعب المصري، فإنه لن يتمكن من تربية شعوب العالم «عشان المصريين ما يلقطوش منهم»! هم ليسوا زملاءنا في الفصل الدراسي.

حالة من «التردي» تثير الشفقة على فنانين فشلوا في الوصول إلى الناس فقرروا محاربة آخرين تمكنوا من الوصول إليهم.

إذا أراد مطرب سابق، من خلال موقعه المسؤول، محاربة مطربين منافسين، من واقع الغيرة الفنية، فهذا مفهوم، وإن كان يدخل تحت بند الفساد، أما الحكم على أذواق الجماهير أو الحجر عليهم، أو إجبارهم على سماع ما لا يحبون، فهذا لن يحدث، وغير قابل للتطبيق بالأساس.

بخصوص الأمهات اللاتي يخشين على أبنائهن من المخدرات والبلطجة، فأنا أؤكد لهن أنه:

– رشدي أباظة لم يكن مسؤولا عن تعليم الشباب شرب الخمور والسجائر وتعدد العلاقات.

– عادل إمام وسعيد صالح ليسا مسئوليْن عن شقاوة المراهقين أو تطاولهم على المدرسين. التطاول على المدرسين من قبل المراهقين ظاهرة عالمية وهي طبيعة الأشياء.

– أحمد زكي ليس له يد في انتشار الهرويين بسبب تمثيله لفيلم المدمن.

– محمد رمضان لم يعلم أحدا البلطجة.

– أغاني المهرجانات لم تعلم أبناءكن التحرش.

انتوا اللي مش مربيين عيالكم يا جماعة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق