ثقافة

فلاح بطين الأرض.. طاهر البرنبالي.. الشاعر الذي اختار «المستحيل»

«يا صرختين من حلق واحد

الجرح واحد

والجانى واحد

وإللى بينسى صرخته

وقت الألم جاحد»

ثلاث سنوات مضت على رحيل شاعر العامية الكبير «طاهر البرنبالي» الذى أمضى حياته مبشرا بالأمل محذرا من الإنكسار.. رحل البرنبالي بعد صراع طويل مع مرض خطير بالكبد وسنوات من الشعر والتمرد والسجن والمعاناة لم يفقد قدرته خلالها على الحلم ببكرة اللى جى.

طاهر البرنبالي

طالعين لوش النشيد

يمثل «البرنبالى» أحد أبرز شعراء العامية، وينتمي لجيل الثمانينات مع رفاقه، مجدي الجابري، وخالد عبدالمنعم، ورجب الصاوي، ومحمد الحسيني، ومحمد عبد المعطي، وآخرين من شعراء العامية، وهو أحد شعراء الهم الوطنى – إن جاز التعبير – الذين جمعوا بين جماليات قصيدة العامية المصرية وبين حمل قضية الناس والإنحياز لهم خلال مشواره الشعري الذى قدم خلاله 6 دواوين شعرية وأكثر من 12 ديوان شعر للأطفال

فى عام 1989 كان البرنبالي يقضي حكما صدر ضده بالحبس عامين على خلفية نشاطه السياسي، وفى تلك الأثناء صدر ديوانه الأول «طالعين لوش النشيد» عن سلسلة «إشراقات أدبية» التابعة للدولة وكتب مقدمته الناقد الراحل الدكتور سيد البحراوي.

خرج الديوان الاول إلى النور بينما صاحبه محتجز خلف أسوار السجن فى قضية سياسية فتلقفت أيادى المثقفين ديوان البرنبالى بشغف ليس فقط لأن البرنبالى كان يقضى عقوبة لكن لأن الديوان كان يمثل صوتا مغايرا شديد الخصوصية والتميز و يحمل سمات شعرية لا تشبه غيره.

«تلاتين سنة.. والبحر عازب

تلاتين سنة.. والبحر يحبل بالشطوط..

والحمل كاذب

تلاتين سنة.. والبحر ما داقشي الصبا

لأن عينه قريبة م المستحيل

والناس بترمح في الوريد

طالعين لوش النشيد»

مشوار

فى 22 نوفمبر 1958 ولد «طاهر محمود حسن البرنبالى» بقرية «برنبال» التابعة لمركز مطوبس بمحافظة كفر الشيخ – تلك القرية التى تقع فى أحضان فرع رشيد لنهر النيل وتطل من الجهة الأخرى على بحيرة البرلس.

«يابحر مين سماك

فلاح بطين الأرض

ولا ولد سماك»

تأثر البرنبالي بتلك القرية التي ظلت حاضرة فى مشروعه الشعري وألهمته حكاوي الصيادين والفلاحين وصاغت وعيه الاجتماعى بشكل واضح.

تخرج من كلية الطب البيطري بجامعة الزقازيق، وكانت مرحلة الجامعة بكل زخمها وتفاعلاتها ساحة لانطلاق طاقات البرنبالي الشعرية والسياسية، وكان أحد أبرز نشطاء الجامعة طوال دراسته وشاركه عدد من أصدقائه فى تكلفة طباعة مجموعة شعرية «نجمة الظهرية» التى خرجت بطريقة بسيطة جدا.

قدم خلال مشواره الشعري 6 مجموعات بدأت بديوانه الأول «طالعين لوش النشيد» و«طفلة بتحبي تحت سقف الروح»، و«طارت مناديل السعادة». و«طريق مفتوح ف ليل أعمى» و«طلعت ربيع دار الفؤاد» والذى يتناول تجربة مرضه المريرة و«طرطشات الذات والبنات 2008، كما اهتم البرنبالى بالكتابة للأطفال وقدم 12 عملا للطفل هي «مريم وطيور الفرحة»  و«الشمس وردة» و«بحر ومركب» و«ورد المحبة» و«زغاليلو» و«ألوان يا عيال» و«مراجيح» و«البنت الشاطرة» و«فتافيت السكر» و«تفانين فنان» و «يحكى أن» و«مشاوير العصافير»، كما كان للبرنبالى تجارب عديدة فى الكتابة للإذاعة المصرية فقدم برامج «شايفة الماضي بعين الحاضر» و«كل يوم جايزة» و«البنت مصرية».

  وتمثل تجربة البرنبالي مع صحيفة البديل واحدة من تجاربه المميزة حيث كان يطل من خلالها يوميا على القارئ لمدة تسعة أشهر متتالية فى زاوية «طلقة شعر» وتعتبر واحدة من أبرز التجارب الشعرية فى الصحافة المصرية 

«مالناش بديل

إلا اختيار المستحيل

مالناش بديل

إلا انتصار الفجر على الليل الطويل»

خاض البرنبالي تجربة كتابة الأغنية محملا بحلمه الذى تمسك به دوما حلم انتصار الفجر على الليل والتمسك بصدق الأمنيات وبريق المستقبل فكتب تترات عدد من المسلسلات من بينها مسلسل «أيام المنيرة» و«حياة الجوهري» و«حروف النصب» كما كتب أغنيات لكل من عفاف راضى ومها البدرى وحنان ماضى وغادة رجب، كما كتب الأشعار الغنائية لمسلسلات للأطفال منها «همام وبنت السلطان» و«الأرض الطيبة» و«حارة الموناليزا» و«رمانة وبرقوق» و«سر الصندوق». وخاض تجربة الكتابة الغنائية للمسرح فكتب الأشعار الغنائية لبعض المسرحيات التي عرضت على مسرح الدولة منها «عشى العميان» و«طعم الكلام» و«وفر وطار» و«وآخر أتوبيس للحب».

تتر مسلسل حياة الجوهري.. كلمات «طاهر البرنبالي»

قسوة المرض

فى عام 2000 اكتشف البرنبالي إصابته بمرض «فيروس سى» فى مراحل مـتأخرة، ومنذ تلك اللحظة بدأ رحلة مريرة وقاسية مع مرض لا يرحم، وعن مرضه قال البرنبالي فى لقاء تلفزيوني: «اكتشفت المرض سنة 2000، كان في وقت متأخر بشكل كبير، فيروس سي انتشر، كنت مش بهتم ولما أتعب أقول هستريح شوية وأرجع كويس، الحمدلله ربنا وقعني في طبيب عظيم (فؤاد ثاقب) رجل كان مرشح لجائزة نوبل، وزوجتي طلعت من نفس الفصيلة وتبرعت بفص من كبدها، وكنت لما أشكرها تقول لي بتشكرني على إيه!»

كان تبرع زوجته بفص من كبدها له بمثابة طوق النجاة الذى أنقذ شاعرا قضى حياته يعانى التجاهل الرسمي، ويتجرع مرارة لا تفارقه بسبب موقف الدولة الرسمي منه، فهو الذى لم تكرمه الدولة يوما فى حياته ولم يحصل على أى من جوائزها يعانى أيضا من قسوة المرض وهو الذى ذاق غربة السجون بسبب مواقفه ويعانى أيضا من مرض لا مناص من قدرته على الفتك به.

إذا مت فجأة..

ما حدش يقول دا انتحاري

قولوا بإن الألم أكل صوابع ناري

ماحدش يقول خدع الجميع..

لما لبس هدوم أمل كداب..

واخدنا وياه ع الطريق الضياع

قولوا.. قصف الألم نعناع

أنا مش هاموت صدقوني سراب

أنا هاموت لما كل حته ف جسمي..

هترفض تعيش تناتيش

وماتقولوش إني كافر

الكفر إنك تصلي للألم..من سنين..

والجرح واضح سافر

امتلك البرنبالى قدرة هائلة على التفاؤل فى أصعب اللحظات وحتى مع عذابات المرض كان يبتسم ويلقي النكات بلا توقف يكتب الشعر ويجوب القرى حاملا حلمه يبشر بالفجر الذي حتما سينبعث من ظلام الليل، وظل حتى رحيله متأثرا بمرضه فى 3 مارس 2017 قابضا على جمر عزة نفسه وكرامته ملقيا بنفسه دوما فى حضن الناس التى هى زاده وزواده وكما كان يقول «الناس بترمح فى الوريد».. كان البرنبالي مخلصا للشعر، وللناس.  

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: