منوعات

حمقاء بشهادتين!

كنت أعمل في الخارج وأنا في الثلاثين وزوجة وأم متعلمة ومعي شهادتين جامعيتين، عندما احتكت إحدى زميلات العمل الأجنبيات بزميلة أخرى واحتدت وضايقتها بلا مبرر، ثم وجدناها بعدها تحاول تلطيف الأجواء المحتقنة بالمزاح وإعلان أنها غالبا تمر بإحدى «هبّاتها الساخنة» أو her hot flashes كما قالتها بالانجليزية. فتفاعلت معها كل الزميلات من كل الأعمار دلالة على فهمهن التام لما تقوله، بينما ابتسمت أنا مدعية فهم هذا الذي يعتبرنه جميعا أمرا معروفا، فيما الحقيقة أنها كانت أول مرة أسمع عن الموضوع وأنا في سني تلك، بالرغم من دراسة علمية طويلة، وبرغم قراءات أدبية واجتماعية كثيرة كنت أظنني بها من ضمن مرتفعي الوعي.

عدت يومها وبحثت لأجد تلك الهبّات من كلاسيكيات دورة حياة المرأة فعلا، فهي إحدى أعراض مرحلة انقطاع الطمث شائعة الحدوث. وأخذت أقرأ عنها وعن بقية الأعراض حتى أدرأ عن نفسي خزي الجهل بما تعرفه أصغر صبية هناك. وأتذكر غصة عميقة أصابتني يومها وأنا أتذكر كيف حصلت على كل معلوماتي عن بيولوجيا جسدي كامرأة وعن تطورات تلك البيولوجيا في مراحل البلوغ ثم الزواج والحمل والإرضاع إلى آخره. وتذكرت أن لأمي كل الفضل في تنويري بما تيسر عند دخولي لكل مرحلة من تلك المراحل. وأن عشرون عاما من التعليم المنهجي في المدارس والجامعات لم تعُد عليّ بأي فهم جيد لأيٍ من ذلك كله. وتساءلت عما تحصّله غالبية النساء عندنا من إدراك لطبيعة أجسادهن، وهي أدواتهن لفهم أنفسهن وفهم العالم، تحت لواء تعليم يعتبر الموضوع تفصيلة هامشية، ويلقي بها على عاتق الأسرة وبها ما بها من مشاكل تواصل وقصور وعي وميراث عتيد من تغليف الجهل بشعارات الحياء.

والحقيقة أن مثل تلك الغصة أضحت تلازمني في مواقف كثيرة في حياتي. فما أكثر ما أتفاجأ بمعرفة شيء لأول مرة، ثم أكتشف أن البشرية في مشارق الأرض ومغاربها تتعامل معه كحروف الأبجدية، وتعلمه للصغار وهم في التعليم الأساسي، بينما تمر أعمارنا فنعرفه مصادفة من القراءة أو السينما أو حوادث الحياة..أو لا نعرفه أبدا فننعم براحة الجهل اللذيذ!

خذ مثلا موضوع الإسعافات الأولية، ماذا تفعل عند نشوب حريق؟ أو عند حدوث ماس كهربائي؟ أو في حالات الاختناق بالغاز؟ أو في المعالجة الفورية للحروق البسيطة أو الشديدة؟ أو في التعامل مع من يسقطون من ارتفاع؟ أو كيف تصارع للنجاة من مهاجم أو لص أو خاطف أو متحرش؟

والحق أن تعليمنا لا يجيب على أيٍ من هذه الأسئلة المهمة، بل ويأنف التعامل بجدية ومنهجية وإلحاح مع كل ما يتعلق بالإنقاذ وحفظ الحياة، ويعتبر كل ذلك من توافه الأمور، بينما ينفق الشهور والسنين في تدريس كيف أثبتوا نظريات الرياضيات اللوغاريثمية، وكيف انبثقت قواعد التفاضل والتكامل، وكيف يبدو جزيء الهيموجلوبين في المنظور الفراغي الرأسي والأفقي قبيل التحامه بذرات الأكسجين في الدم!

والمرء ليس من السذاجة بحيث يحقِّر من العلوم وتفصيلاتها، لكن أين المنطق في صرف التعليم الأساسي والثانوي كله في دقائق العلوم، فيما نهمل تعليم الناس من هم وكيف يحيون وكيف ينجون بحياتهم؟!

في مرة شاهدت بأم عيني المارة يلقون بسطل ماء ملآن فوق وجه رجل ملقى في الشارع فاقدا للوعي، فينساب الماء الغزير داخل فتحات أنفه وفمه ليخنقه ويتسبب حتما في موته، وهم يظنون أنهم يفيقوه!

وشاهدت مؤخرا بالصدفة فيديو يشرح بالتفصيل كيفية وحيثيات عمل الإنعاش القلبي الرئوي المعروف بـ CPR، وعرفت أنه بمثابة إعادة الحياة لإنسان توقف قلبه عن ضخ الدم عن طريق أداء ضغطات يدوية مماثلة لحركة القلب تضمن وصول الدم لخلايا المخ القابلة للموت في خلال دقائق. عملية إحياء نفس حرفيا! وهي مهمة سهلة التعلم لكنها شاقة في تأديتها وتتطلب دأبا واستمرارا حتى يصل المريض لأيدي الفريق الطبي على سرير العمليات بالمستشفى. لدرجة أنهم يوصون من يقوم بها بأخذ راحة كل عدة دقائق، والتناوب مع شخص آخر قادر على أدائها لأن المطلوب هو عمل حوالي مئة وعشرين ضغطة في الدقيقة الواحدة وهو أمر متعب جدا!

بالله كم فردا جامعيا في المئة يصلح لإنعاش مرضى السكتات القلبية عندنا، بالمقارنة بنسبة من يقدرون على هذا الإجراء، من غير الطواقم الطبية ومن غير أهل التعليم العالي، في بلاد الدنيا الفالحة؟

لماذا بحق الإنسانية والرحمة والفهم لا نتعلم ذلك في المدارس أو حتى في الجامعات؟ لماذا نكبر ونتعرض لكل الأخطار ولا نعرف عن موضوع كهذا سوى عبارة «منحه قبلة الحياة» التي نقرأها في الروايات، أو مشاهدة لقطة سريعة لذلك في أفلام الخواجات، فلا ينفعنا لا هذا ولا ذاك في التصرف وقت النوائب؟

والحديث عن قصور أنظمة تعليمنا عن مساعدتنا على فهم الحياة وممارستها وحفظها وتقديسها يطول ويثير شجونا فوق شجون. وإذا كنا نفتقد فهم أجسادنا وتعلم ما ننقذ به أرواحنا، فمن العبث والسخرية أن نشتكي من أن أحدا لا يساعدنا في فهم الطبيعة النفسية للجنس الآخر مثلا لنتقي تجارب فشلٍ مريرة. ولا أحد يتطرق للتأهيل النفسي للزواج طبعا. ولا أحد ينبئنا، ولو برؤوس أقلام، عن أمراض الكهولة والشيخوخة فيتركونا حتى ننفطر بحدوثها لأحبتنا ونحن أجهل وأعجز من أن نساعدهم بأي شيء. ولا أحد بالطبع يعلمنا عن الاقتصاد الشخصي وإدارة المصاريف. ولا عن التوفير في موارد الحياة الكبرى كالمياه. ولا نتعلم عن رعاية النبات ولا الحيوان وكأننا الحي الوحيد على ظهر الكوكب! ناهيك طبعا عن اختيارات مجالات التخصص والعمل، ومقابلات التوظيف، وحتى كيفية كتابة السيرة الذاتية! وغير ذلك من عشرات الموضوعات المهملة تماما.

ومفهوم بالطبع أن الثقافة والوعي والمعرفة عبء يقع على صاحبه طيلة عمره. لكن هذا لا ينفي أن الواحد منا يسلّم صاغرا ما يقارب العشرين سنة من زهرة عمره لوزارة التعليم ليحصل على بعض ذلك الوعي الأساسي ضمن طوفان المعلومات التفصيلية التي يصرون على أهميتها، بالرغم من أننا نخلعها بلا ندم على بوابات الخروج من الامتحانات.

والحاصل بكل صراحة هو أننا ننفق ما يربو على العشرين سنة من أطيب وأنشط وأجمل سنين العمر في تعليم مرهِق طويل لا يعيننا على الحياة أبدا.. فنخرج وواقع حالنا للأسف هو: أحمق بشهادة!

الوسوم

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: