منوعات

كورونا والديمقراطية.. هل نجحت الصين لأنها سلطوية؟؟

لم يقتصر انتشار كورونا على الصين الشيوعية أو السلطوية، إنما امتد إلي نظم ديمقراطية وغير ديمقراطية متقدمة ونامية شمال وجنوب شرق وغرب، حتى أصبحت بتعبير منظمة الصحة العالمية، وباءً عالمياً عابراً للحدود والقارات.

وقد أصاب هذا الفيروس حتى الثلاثاء 17  مارس 212.867 شخصا تعافي منهم بشكل كامل 84.314 ألف شخص، وتوفي منهم 8,789 ألاف، وهناك 119,764 ألف لازالوا يتلقون العلاج بينهم 113,128 ألف في حالة متوسطة و 6,636 لازالوا في حالة حرجة.

الصين في مواجهه الخطر

حين يتفشى وباء في بلد يبلغ عدد سكانه حوالي مليار و 400 مليون نسمة فهذا يعني أننا أمام كارثة ستؤثر في العالم كله في حال الفشل في السيطرة عليه. وهذا ماجري في الصين منذ الشهر الماضي حين تعرضت لوباء كورونا بشكل جانح ونجحت في السيطرة عليه بعد ملحمة علمية وطبية رفيعة المستوي، لم تخل من مناكفات سياسية مع الولايات المتحدة الأمريكية، ومن ترويج البعض لنجاح «النموذج الصيني» غير الليبرالي في السيطرة على كورونا في فترة قياسية، في حين رفض البعض اعتبار النجاح الصيني انتصارا للنظم غير الديمقراطية واعتبروه انتصارا للأداء العلمي الجاد، وكفاءة النظام السياسي بصرف النظر عن طبيعته الديمقراطية أو غير الديمقراطية، الاشتراكية أو الرأسمالية.

وقد نجحت الصين في السيطرة على وباء كورونا الذي انتشر بشكل أساسي في مدينة ووهان (يسكنها 11 مليون نسمة) الواقعة في مقاطعة هوبي (يبلغ عدد سكانها 60 مليون نسمة) وأدي إلى وفاة حوالي 3200 شخص وإصابة حوالي 81 ألف شخص، ولم تشهد البلاد حتى أول أمس إلا 10 حالات إصابة جديدة كلها لأشخاص قدموا من خارج الصين.

هل نجحت لأنها نظام غير ديمقراطي؟

 سيطرت الصين على فيروس كورونا بمجموعة إجراءات صارمة طُبقت بشكل لم يخل من القسوة على كثير من الناس واعتبر البعض أن أحد أسباب نجاح الصين هو عدم ديمقراطية نظامها السياسي مما سهل من قدرتها على اتخاذ قرارات مركزية قابلة للتنفيذ الفوري على أرض الواقع.

والحقيقة أن هذا الطرح تكتنفه أوجه قصور كثيرة، فموضوع السيطرة على فيروس كورونا يتجاوز طبيعة النظم السياسية، ولا يمكن القول إن الصين سيطرت عليه لأنها سلطوية أو أن أمريكا وبريطانيا وفرنسا لن يسيطرون عليه لأنهم نظم ديمقراطية، أو كما أكد كبير مستشاري رئيس منظمة الصحة العالمية (بروس أيلوارد) إن أداء الدول في مواجهة الفيروس لا يقاس «إذا كانت ردودا ديمقراطية أو سلطوية»، وإن ما نتعلمه من الصين هو أن الأمر الرئيسي هو السرعة. «يمكنك السيطرة على أمراض الجهاز التنفسي، إذا تحركت بسرعة بالغة لاكتشاف الحالات وعزلها واكتشاف من تعاملوا معها عن قرب وعزلهم». وثمَّن الرجل جهود المواطنين الصينيين لمواجهة الفيروس واحتوائه واعتبر أنهم «لم يخشوا الحكومة إنما يخشون الفيروس ويخشون الإخفاق في مكافحته».

والحقيقة أن الصين قد سيطرت على الفيروس بكفاءة الأداء وأنها اختارت العلم كطريق لمقاومته حتى لو كان التنفيذ لم يخل من قسوة، إلا أن النجاح كان يرجع بالأساس لاتباع الأسلوب العلمي في مواجهه الفيروس.

والبداية كانت بعزل ووهان (مركز الوباء) عن باقي مدن ومقاطعات الصين ثم بناء 14 مستشفي استخدمت كلها في الحجر الصحي، وأخيرا وجود نظام تكنولوجي متطور لمتابعة السكان عن طريق هواتفهم النقالة مستفيدة من نظام الداتا الضخم (Big Data) التي تعرف من خلاله الدولة كثيرا من التفاصيل عن مواطنيها.

واستطاعت الحكومة الصينية أن تعرف المشتبه في إصابتهم بالفيروس بمجرد إدخال الرقم القومي، وقامت شركة على بابا بتطوير نظام اتصالات (QR Codes) مرتبط ببيانات الحكومة فيظهر على الهاتف النقال إشارات ثلاثة كتبت بألوان مختلفة يقدمها المواطن للشرطة لكي يستطيع المرور في الشوارع، وكتب على الأولي يحتاج إلى حجر أسبوعين، والثانية يحتاج لحجر لمدة أسبوع، وفي الثالثة سليم يستطيع العبور.

صحيح أن الوجه الأمني كان حاضرا حين طالبت السلطات من كل مواطن أن يبلغ عن أصدقائه وأقاربه في حال شعر أنهم يخفون إصابتهم بالمرض، كما قاموا بإجبار المشتبه في إصابتهم بالذهاب إلى العزل الصحي.

والحقيقة أن الصين نجحت لكفاءة نظامها السياسي وتقدمها الصناعي والعلمي وليس بسبب سلطوية نظامها، لأن باقي النظم الاستبدادية التي يعرفها العالم فشلت في مواجهة مشاكل (وليس كوارث) أقل خطرا من فيروس كورونا بسبب انعدام الكفاءة وكراهية العلم والمهنية وعدم استخدام العقل.

النظام السياسي الصيني

النظام السياسي الصيني ليس نظاما أمنيا (حتى لو حضر الأمن بقوة) ولا نظام هواة يعمل بالفهلوة والبركة، ولا نظام شعارات حتى لو رفع كثيرا منها، إنما هو نظام سياسي له هوية وأيديولوجية محددة، فجرت ثورته الكبرى في عام 1949 بقيادة ماوتسي تونج والحزب الشيوعي الذي قاد البلاد منفردا منذ ذلك التاريخ وحتى الآن، ونقلها من البؤس والفقر والتخلف والحروب الأهلية إلى واحدة من أقوي دول العالم اقتصاديا وعسكريا وسياسيا.

ويحكم البلاد منذ ذلك التاريخ نظام الحزب الواحد ممثلا في الحزب الشيوعي الصيني الذي يضم حاليا حوالي 90 مليون عضو، أي أكثر من 5% من عدد السكان، وهو بذلك يعد أكبر حزب سياسي في العالم، ويسيطر على التوجهات الأساسية في مكاتب الحكومة المركزية والمناطق الحضرية ويبدي مرونة أساسية في المناطق الريفية، حيث يعيش غالبية سكان الصين.

وعقيدة الحزب هي الاشتراكية بطبعة صينية، ويقوم على أربعة مبادئ أساسية، أولها التمسك بخط الحزب الشيوعي، والثاني «تحرير الأفكار وطلب الحقيقة من الواقع»، والثالث التمسك بخدمة الشعب بكل أمانة وإخلاص، دون استسهال المسؤولين والإعلاميين لاتهام المواطنين بالتقصير، وأخيرا التمسك بنظام المركزية الديمقراطية أي بعد الاستماع لمختلف الآراء وإجراء نقاش حقيقي داخل كل وحدة حزبية صغيرة ولو في قرية نائية، وبعدها يتم الالتزام بالقرار النهائي لقيادة الحزب.

وهذا ما قد يفسر لنا استجابة الناس التلقائية لتوجيهات السلطات بخصوص إجراءات الوقاية من الفيروس لأنهم تربوا داخل نظام سياسي رسَّخ مفهوم المركزية في اتخاذ القرارات.

ولعل هذه الخلفية السياسية ساعدت الصين على تحقيق نجاح كبير في معركة السيطرة على فيروس كورونا لأنها خلفية راسخة داخل المجتمع لا تخلو بالطبع من عيوب، والأهم إنها غير قابلة للاستنساخ لأن الاستثناء يصبح قاعدة  فقط في بلد يبلغ عدد سكانه مليار و400 مليون نسمة وغير وارد تكراره في تجارب أخري وإلا سينتج تجارب مسخ ومشوهة.

 

السيطرة على فيروس كورونا ليست حدثا عابرا إنما هي حدث كبير ومهم، وهي مستمدة من تجربة ترسخت في المجتمع الصيني منذ عام 1949، وأصبح وجهها الأبرز هو كفاءة الأداء وعلمية السياسات وليس غياب الديمقراطية، لأن كل النظم السياسية غير الديمقراطية التي ظهرت عقب نهاية عصر التحرر الوطني لم تنجح مثل الصين، وغالبيتها الساحقة فشلت في معركة العلم والإنجاز والتنمية الاقتصادية والسياسية، وأحد الأسباب الرئيسية وراء هذا الفشل إنها لم تكن ديمقراطية ولم تؤمن بدولة القانون.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: