رؤى

الجماعات الدينية المتشددة.. قنبلة موقوتة

حين يتحول الدين إلى أداة هدم للمجتمعات: من أخطر الآفات التي ابتليت بها مجتمعاتنا العربية خلال العقود الأخيرة انتشار الجماعات الدينية المتشددة التي احتكرت فهم الدين، ونصبت نفسها وصية على الناس، وادعت امتلاك الحقيقة المطلقة، فحوّلت الدين من رسالة أخلاقية وإنسانية تدعو إلى الرحمة والعدل والتسامح إلى وسيلة للتخويف والإقصاء والتكفير.

المشكلة ليست في الدين نفسه، فالأديان جاءت لإصلاح الإنسان وتهذيب سلوكه وبناء مجتمعات أكثر عدالة وتماسكا، وإنما تكمن المشكلة في أولئك الذين يوظفون الدين لخدمة مشاريع سياسية معادية أو أيديولوجية ضيقة، وخدمة أجندات لا وطنية، ويقدمون تفسيرات متشددة للنصوص الدينية تتجاهل ظروف الزمان والمكان ومتطلبات الحياة الحديثة.

الجماعات الدينية المتشددة قنبلة موقوتة وزرع شيطاني، فهي لا تستطيع البقاء دون أن تزرع الخوف والكراهية في نفوس الناس، ولذلك نجدها في حالة صراع دائم مع المجتمع، ومع الدولة المدنية، ومع المثقفين الوطنيين، ومع أصحاب الرأي المختلف، بل ومع الجماعات الدينية الأخرى التي لا تتفق معها في الفهم والتفسير.

ومن أخطر ما تفعله هذه الجماعات أنها تقتل العقل النقدي وتستبدله بعقلية السمع والطاعة، فالفرد داخل هذه الجماعات لا يُطلب منه أن يفكر، وإنما أن يطيع، ولا يُشجع على البحث والاجتهاد، وإنما على التلقي والتسليم، وهكذا يتحول الإنسان من كائن حر يمتلك القدرة على التفكير واتخاذ القرار إلى مجرد تابع يردد ما يُملى عليه دون فهم أو تدبر.

ولعل السبب الرئيس في نجاح الفكر المتشدد يعود إلى البيئة المناسبة التي يجدها في بعض المجتمعات العربية، فالتخلف والفقر والبطالة وضعف وتراجع الثقافة وانتشار الجهل السياسي والخرافات، كلها بيئة خصبة وعوامل تساعد على انتشار الخطاب المتطرف، فكلما تراجع دور المدرسة والجامعة المتحضرة والمؤسسات الثقافية التقدمية، ازدادت قدرة الجماعات المتشددة على تجنيد الأفراد واستقطابهم.

كما أن السلطة الحاكمة تتحمل جزءا من المسئولية عن هذه الظاهرة، فغياب الديمقراطية، وتقييد الحريات، وانتشار الفساد، وعدم توفير متطلبات الحياة الكريمة، كلها عوامل تولد الإحباط لدى قطاعات واسعة من الناس، الأمر الذي يدفع بعضهم للبحث عن حلول سريعة أو خلاص وهمي؛ تقدمه تلك الجماعات المتشددة تحت شعارات دينية براقة مثل التغيير والإصلاح، العودة الى الجماعة المسلمة، والمجتمع الكافر.. إلخ من الشعارات المسمومة.

والتجارب التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية تقدم أدلة واضحة على خطورة هذه الجماعات. ففي كل مكان تمكن فيه الفكر المتشدد من السيطرة كانت النتيجة واحدة تقريبا: تراجع المجتمع، وهجرة العقول، وتفكك النسيج الاجتماعي، وانتشار العنف وإضعاف الدولة، وإدخال المجتمع في دوامات لا تنتهي من الصراعات الدموية.

الأخطر من ذلك أن الجماعات المتشددة لا تكتفي بإلحاق الضرر بالمجتمع، بل تسيء أيضا إلى الدين الذي تزعم الدفاع عنه، فحين يرى الناس العنف والتكفير والكراهية باسم الدين، فإن صورة الدين نفسه تتعرض للتشويه، ويصبح الناس أكثر نفوراً من الخطاب الديني عموما، ومن الدين نفسه، رغم أن المشكلة الحقيقية تكمن في التفسير الداعشي والوهابي والإخواني المتطرف وليس في الدين ذاته.

إن مواجهة التطرف لا تكون بالتطرف المضاد، ولا بالكراهية، ولا بالقمع وحده، وإنما ببناء الإنسان الواعي القادر على التفكير النقدي، وتعزيز قيم المواطنة وسيادة النظام والقانون، وتحسين التعليم، ودعم الثقافة، وتنقية الكتب الدينية الأزهرية من الأفكار المتخلفة والملوثة، وتوسيع هامش الحريات والعدالة الاجتماعية. فالمجتمع المتعلم والمنفتح أقل عرضة للوقوع فريسة للأفكار الدينية المتشددة مهما كانت الشعارات التي ترفعها.

إن مستقبل أمتنا لا يمكن أن يُبنى على التعصب الديني والانغلاق، وإنما على العقل والعلم والتسامح واحترام التعددية، وكل مشروع يزرع الكراهية بين أبناء المجتمع، ويقسم الناس إلى مؤمنين وكفار أو إلى فريقين متصارعين، هو مشروع هدم مهما ادعى أصحابه أنهم يعملون باسم الدين.

لقد أثبت التاريخ أن الأمم تتقدم عندما تنتصر قيم المعرفة والحرية والعدالة، وتتراجع عندما تسيطر عليها ثقافة التعصب وإلغاء الآخر.

ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست بين الدين والعلم، ولا بين التدين والحداثة، وإنما بين الفكر المنفتح الذي يبني الإنسان والفكر المتشدد الذي يحوله إلى أداة في صراعات لا تخدم إلا الخراب.

ولهذا أقول إن الجماعات الدينية المتشددة ليست مجرد ظاهرة عابرة، بل هي أحد أخطر مظاهر الاعتلال الفكري والاجتماعي والسياسي للمجتمعات.

وإن أي مشروع وطني نهضوي حقيقي، لن ينجح ما لم ينتصر للعقل والفكر الحر والتسامح، ويضع حداً لثقافة التعصب الأعمى والكراهية.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى