فن

في ذكرى رحيله.. خمسة أدوار صنعت أسطورة زكي

 

في السابع والعشرين من مارس عام ٢٠٠٥ رحل الفنان  المصري المبدع أحمد زكي بعد مسيرة عطاء فني دامت  قرابة أربعين عاماً.

ومن المؤكد أنه يصعب على أي مهتم بالفن السابع  أن يُجْمل مسيرة زكي وإسهامه في السينما العربية في مقال واحد، لكن من الضروري و من حق هذا  المبدع الكبير في ذكرى رحيله الخامسة عشرة أن نتوقف عند محطات بعينها في تاريخه الفني.

   هذه المحطات – في رأيي الشخصي – يتجسد فيها ما يميز زكي كممثل، حيث يعكس تنوعها وعمقها الدرامي قدرته على  تجسيد وتشخيص تماذج إنسانية  متباينة بنفس القدر من المصداقية والعفوية في الأداء، وهي تبدو واضحة جلية في خمسة أفلام لأحمد زكي.

البرىء

   يصلح فيلم البريء الذي قدمه  أحمد زكي عام ١٩٨٦ كبداية للمحطات  السينمائية الخمسة الأهم في مسيرة أحمد زكي،  وقد مثَّل هذا الفيلم التعاون الفني الثالث بين زكي وبين المخرج المبدع الراحل عاطف الطيب بعد فيلمي التخشيبة والحب فوق هضبة الهرم.

   حمل الفيلم رؤية مدهشة و قدرة مذهلة على تحليل الواقع حتى وصل إلى استشراف المستقبل حيث تنبأ- بشكل أو بآخر- بانتفاضة جنود الأمن المركزي التي جرت في نفس العام.

 

جسد زكي دور أحمد سبع الليل، الفتى الريفي الساذج الذي يغادر أرضه وقريته لأداء الخدمة العسكرية وينتهي به الحال في معسكر لقوات الأمن المركزي وهناك يُكلَّف بحراسة مجموعة من المعتقلين، الذين أفهمه قادته أنهم «إعداء الوطن».

ولأنه يصدق كل ما يلقى على مسامعه فهو لا يمانع في قمعهم بل وقتل أحدهم حين يحاول الهرب إلا أنه يصطدم بوجود ابن قريته الذي يحبه ويرى فيه نموذجا للإنسان الطيب المخلص وهو الشاب الجامعي حسين (ممدوح عبد العليم) وسط المعتقلي، الأمر الذي يدفعه لإعادة النظر في كل ما تم تلقينه إياه.

   قدم زكي الدور بدرجة مدهشة من الفهم٫ ووصل إلى حد من التماثل جعل بعض أفراد أسرة الفيلم يظنون حقاً أنه جندي.

 

زوجة رجل مهم

    أحد ابرز أعمال زكي وأحد أهم أفلام المخرج الراحل محمد خان والذي نال بفضله ثناء من أحد أبرز نجوم هوليوود وهو روبرت دي نيرو٫ فيلم يروي أحداث السبعينات في مصر مثل  انتفاضة الغلاء والحركة الطلابية وغيرهما من أحداث من خلال ضابط  وزوجته.. وهو ضابط طموح لا يتورع عن فعل أي شي لتحقيق طموحه الوظيفي بينما زوجته «ميرفت أمين»رومانسية رقيقة تعشق صوت عبد الحليم حافظ.

   أمسك زكي بمفاتيح الشخصية بما تضمنته من فترات صعود وسقوط، بعد فقده لمنصبه وسطوته٫ رسم بملامح وجهه كافة المشاعر المتضاربة من قسوة وغضب وألم واخيراً اليأس والانكسار٫ وتمكن من توظيف نبرة صوته ايضا لتتناسب مع كل  هذه المشاعر المتباينة.

الهروب

   تعاون آخر بين زكي وعاطف الطيب٫ إلا أن زكي هذه المرة لم يكن جنديا بل هاربا مطلوبا للعدالة٫ هو «منتصر» الشاب الصعيدي الذي يسجن ظلما ويخرج من السجن لينتقم من أعدائه وينال تعاطفا واسعاً من الرأي العام لأنه يقتل أعداء الشعب٫ إلا أن جهات الأمن لا تتوقف عن ملاحقته وبالتالي لا يكون أمامه سوى «الهروب» المستمر والمتواصل.

   هنا ايضا نجد فهما عميقا من زكي للشخصية الصعيدية بكافة تعقيداتها التي تفرضها الأعراف المتوارثة والتي تصل إلى حد التناقض في بعض الأحيان٫ وخرجت لهجة سوهاج طازجة على لسانه طيلة أحداث الفيلم كأنه حقا أحد ابنائها.

 

أرض الخوف

   يعتبر «أرض الخوف» هو التعاون الوحيد بين زكي والمخرج الكبير داوود عبد السيد٫ فيلم فلسفي بامتياز٫ يتناول قدر الإنسان ومصيره من خلال قصة رمزية حول رجل أمن يتم دسه وسط عالم رجال العصابات وتجار المخدرات بغرض اختراق هذا العالم الخطيرن لكن مع الوقت ومع تلوث يديه بالدماء يجد «يحيي ابو دبوره» نفسه أمام معضلة أخلاقية فهو لم يعد يعرف ذاته٫ هل هو مجرم وقاتل أم أنه لا يزال رجل الأمن الذي يؤدي واجبه الوطني.

   لم تكن الشخصية بالسهلة أمام زكي٫ فخاض تحدي تجسيدها بكل ما بداخلها من حيرة وتخبط٫ وقدم للمشاهد دور رجل يتصارع مظهره الخارجي الذي يحرص علي الإبقاء عليه قدر الامكان مع كافة القيم التي يحملها بداخله٫ وبدا زكي في دور «أبو دبوره» كانه شخصيه سيزيف الأسطورية التي تحمل العالم على كاهلها.

معالي الوزير

   الفيلم ما قبل الأخير للنجم الأسمر بتوقيع المخرج المخضرم سمير سيف٫ رأفت رستم٫ تلك الشخصية التي يجسدها زكي٫ وزير دخل الى الحكومة بمحض الصدفه، رجل فاسد حتى النخاع٫ يدفع ثمن فساده هذا كوابيس مستمرة تلاحقه في منامه وأحيانا في يقظته.

   بدا أحمد زكي في هذا الفيلم وكأنه يستحضر خبرة السنين الطويلة  ويصبها في قالب هذه الشخصية٫ هو شخص معذب رغم كل ما هو فيه من نعم٫ محروم من الحب رغم أنه محاط بالنساء٫ له زوجة وأولاد ولكن لا يشعر بالأمان مع أي منهم٫ ولا يُفضي بسره إلا لمساعده المخلص عطيه (هشام عبد الحميد) وحتى هذا الرجل الأقرب إليه يشعر بضرورة التخلص منه حين يصبح عبئا عليه.

 

   لم يمهل القدر زكي حتي يشاهد عرض فيلمه الأخير «حليم» الذي جسد فيه دور العندليب الاسمر عبد الحليم حافظ٫ إلا أنه جمهوره الذي طالما أحبه لانه جسد احلام ونضالات البسطاء على الشاشه أقبل على مشاهدة الفيلم ليتمتع برؤية أسطورة تجسد دور أسطورة أخري.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: