فن

«ليلى م».. رحلة فتاة من أمستردام إلى جماعات التطرف

   يهاجر العرب إلى الدول الأوروبية بحثًا عن فرص أفضل في الحياة، ولكن رغم كل المحاولات للاندماج الكامل في مجتمعاتهم الجديدة، إلا أن اختلاف دينهم – إن كانوا مسلمين- واختلاف ثقافتهم – سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين – يشكلان أزمة هوية لدى أبناء الجيل الثاني من المهاجرين، الأمر الذي يمكن أن يجتذب هؤلاء الأفراد للتطرف أو حتى الانضمام إلى جماعات جهادية مسلحة.

   تأخذنا المخرجة «ميكا دو يونج» في الفيلم الهولندي «ليلى م» إلى رحلة مع بطلة الفيلم «ليلى» ذات الثامنة عشرة التي ولدت بأمستردام لأبويْن مغربييْن، لنشهد تأرجحها ما بين الشك واليقين بحثًا عن هوية حقيقية لذاتها دون الوصول إلى إجابات، وإنما المزيد من الأسئلة. الفيلم الذي بث عبر شبكة نتفليكس عام 2016، اختير ليمثل هولندا في المنافسة على جائزة أفضل فيلم بلغة أجنبية في حفل جوائز الأوسكار ال90، ولفت أنظار النقاد نظرًا لعرضه قضايا شائكة بسلاسة وصدق.

المخرجة «ميكا دو يونج»

شعورٌ بالاضطهاد

   تبدو الشخصية الرئيسية في الفيلم «ليلى» قوية ومستقلة ومميزة منذ اللحظة الأولى، حيث تلعب كرة القدم النسائية، كما أنها متفوقة في دراستها، فضلًا عن شجاعتها في مواجهة مختلف المواقف، ولكنها تشعر بالاضطهاد لكونها مسلمة محجبة في مجتمع غربي، وبالتالي تبدأ تدريجيًا في الانفصال عن مجتمعها الذي نشأت فيه، وتلتحق بمجموعة إسلامية متشددة في محيطها، حيث يغذونها بالكراهية تجاه الغرب بمشاهدة المقاطع المصورة للفظائع التي تحدث في سوريا والدول العربية، ويشجعونها على التمرد على قانون حظر النقاب في هولندا، كما تلقى دعمًا منهم لم تجده في بيتها نظرًا لاعتراض والديها على أفكارها وتمردها الدائم الذي يورطها هي وأخيها مع الشرطة في إحدى المرات.

 

 

   تتطور الأمور أكثر حين تقع ليلى في حب شاب متطرف، فتبدأ محادثات معه عبر الإنترنت يتفقان خلالها على الهروب والزواج، وبعد إتمام الزواج يسافران إلى بلجيكا لمعسكر تدريب جهادي، ومنها إلى الأردن حيث تنتقل إلى العالم العربي، تظن ليلى أنها سوف تغير العالم وتنشىء اليوتوبيا الخاصة بها مع زوجها، ولكنها تصدم بواقع يجب عليها فيه أن تطيع الأوامر حيث أن زوجها لا يسمح لها بالذهاب إلى أي مكان بدونه، وتتكشف لها حقيقة ما يفعله زوجها مع رفاقه من المزيد من العنف والقتل، وبعد العديد من الصدمات يذهب زوجها في عملية انتحارية ويودعها تاركًا لها جواز سفرها، فتحاول العودة إلى أهلها مرة أخرى، ولكنها تجد الشرطة الهولندية في استقبالها في المطار.

واقعية دون شيطنة

   المميز في الفيلم أنه لا يصدر أحكامًا وإنما يعرض واقعًا، حيث لا يظهر الغرب بمظهر الملائكة وإنما يثبت وجود العنصرية في بعض الأحيان، كما لا يشيطن ليلى ورفاقها ولكن يعرض واقعهم الحقيقي كشباب يبحث عن هويته، ففي مرحلة المراهقة يرغب الجميع في الشعور بالانتماء لمجموعة ما، كمحاولة لإثبات الذات والتميز عن الآخرين، حيث يرغب الفتى أو الفتاة بالخروج من عباءة الأسرة واختيار طريق مختلف والاستمرار فيه مهما كان الثمن، ومع صغر السن وقلة الخبرة يكون المراهق عنيدًا ومتيقنًا أنه على صواب والجميع على خطأ، وللأسف لا تنكشف حقيقة الأمور إلا متأخرًا.

   على عكس الصورة السائدة إعلاميًا عن الشباب المتطرف الممتلىء عنفًا وكراهية، عرضت «دو يونج» جانبًا أكثر إنسانية لهم، حيث أن «ليلى» فتاة مثالية، تؤمن بأن هناك حق مطلق وشر مطلق، وتجد ملجأها في الدين دون أن تدرك أن هنا فرقًا ما بين الإسلام والمسلمين، فالدين وإن كان مثاليًا فمن يطبقونه ليسوا كذلك، وحتى هي نفسها رغم رغبتها في تطبيق الدين بشكل مثالي، إلا أنها في ليلتها الأولى مع زوجها استمعا للموسيقى ورقصا معًا رغم اقتناعهما بأن الموسيقى حرام.

بين التهميش والاتهام بالجرم

   اختارت «دو يونج» بطلة الفيلم امرأة للتركيز على قضايا المرأة بشكل خاص، حيث لعب شعور ليلى بالتهميش من قبل أسرتها والمجتمع لكونها فتاة دورًا في اندفاعها نحو إثبات نفسها من خلال الانضمام لمجتمع مختلف، ظنت هي أنها ستحقق فيه ذاتها كامرأة قيادية لها دور وصوت، إلا أنها لم تلق سوى المزيد من الكبت والتهميش، لذا عندما شعرت ليلى أنها مجرد تابع فقط لزوجها عادت للتمرد وأدركت أن السيناريو الذي تصورته لم يكن سوى خيال.

   ولكن إدراك إدراكها المتأخر لم يكن مقبولًا من أحد، حيث تغلق جميع الأبواب أمام من تبنى الفكر المتطرف بلا عودة، فحتى عندما تقرر ليلى في نهاية الفيلم العودة لوطنها تجد نفسها متهمة، وهذا هو سبب تسمية الفيلم «ليلى م» وهي الطريقة التي تعرض بها الصحف أسماء المجرمين لإخفاء هويتهم ولو جزئيًا، الأمر الذي يجبر أولئك الأفراد على الانعزال جبرًا، غير قادرين على التكيف على المجتمعات المتطرفة التي اختاروها لأنفسهم، وغير مرحب بهم للعودة مرة أخرى لمجتمعاتهم

تجربة صادقة

يعتبر فيلم «ليلى م» وجبة دسمة لمن يريد أن يلقي نظرة أكثر قربًا على أوضاع بعض المهاجرين العرب بالخارج، وما يمكن أن يتعرضوا له من عنصرية أو شعور بالاغتراب، وكيف يؤثر ذلك على خلق شعور باللاانتماء وبالتالي يكون من السهل أن ينضموا إلى الجماعات المتطرفة، كما يركز على قضايا المرأة التي تبحث عن ذاتها وسط صخب العالم، ويطرح على استحياء مشكلة إعادة تأهيل العائدين.

    لكن رغم هذا الثراء في المحتوى، إلا أن الفيلم يتخلله لحظات من الملل رغم قصر مدته نسبيًا التي تبلغ حوالي 95 دقيقة، إلا أن أداء الممثلة الصاعدة «نورا الكسور» يعوض  ذلك، نظرًا لتجسيدها حالة الشخصية في مختلف المراحل بمنتهى الطبيعية والصدق، كما يبدو الجهد المبذول في أن يعكس الفيلم الواقع بدون مبالغات واضحًا، ما يجعله يستحق المشاهدة لكونه مختلفًا في طرحه، وغنيًا بموضوعاته، مع إضفائه لمسة مميزة بوجوه شابة تعطي بعدًا أكثر صدقًا على التجربة ككل.

نورا الكسور

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: