ثقافة

«الصحة العامة».. حين صك المصريون القدماء المصطلح ونقلوه للعالم

كانت مصر القديمة -على الأغلب- هي المكان الذي عرفت فيه البشرية لأول مرة مفهوم «الصحة العامة». بهذه المقدمة.. لخصت مجلة «ميديكال نيوز ناو» الطبية البريطانية اهتمام قدماء المصريين بالتطبيب ومكانة الطب في مصر القديمة، تلك الحضارة التي دامت ما بين عامي ٣٣٠٠ وحتى ٥٢٥ قبل الميلاد ولازالت منجزاتها الحضارية في مختلف المجالات محل دراسة وبحث في مختلف أنحاء المعمورة.. ومن المدهش أن المصريين القدماء سبقوا العالم كله إلى اكتشاف التخصصات الطبية المختلفة، كما سبقوا الجميع إلى اكتشاف أهمية النظافة الشخصية، التي أصبح العالم كله ينادي بها في وقتنا الراهن كحائط وقائي أول لمواجهة فيروس كورونا.

الطب.. مهنة مصرية

فرغم إيمان المصريين العميق بأن الروح هبة من الإله وإيمانهم أيضا أن الأمراض هي نتاج أرواح شريرة تغزو الجسد البشري وتُعيق عمله، إلا أنهم لم يروا الصلاة وحدها سبيلا لعلاج هذه الأمراض بل سعوا للاستفادة مما حولهم من منتجات الطبيعة لصناعة دواء لكل داء يمكن أن يعاني منه الانسان.

وفي البداية، كان الكهنة أنفسهم هم الأطباء الا أن الطب مع الوقت صار تخصصا قائما بذاته، ولعل مصر هي البلد الأول على مستوى العالم الذي عرف الطب كمهنة وحرفة.

وكان يشترط فيمن يمارس الطب في مصر القديمة عدة شروط كان أبرزها اجادة القراءة والكتابة و«طهارة الروح والجسد» على حد تعبير إحدى البرديات في اشارة واضحة إلى مدى أهمية النظافة الشخصية.

وعرفت مصر الأطباء من الرجال والنساء على حد سواء، فمن الأطباء الرجال برز اسم هسي رع الطبيب الذي حمل لقب رئيس الأطباء والمشرف على أطباء الأسنان في عهد الملك زوسر، ومن النساء برزت بسيشت التي أشرفت على زميلاتها من الطبيبات بداية من عام ٢٤٠٠ قبل الميلاد.

هسي رع

بردية ايبرس

كما عرف المصريون قبل غيرهم من الشعوب التخصصات الطبية المختلف، وتشير بردية ايبرس أقدم مخطوطة طبية مصرية، إلي أجزاء الجسد البشري المختلفة وتحدد علاجات من الأعشاب الطبيعية لكل جزء.

صفحة لبردية إبيرس تعالج الربو بالأعشاب  

حيث كان المصريون يؤمنون أن القلب هو مركز الجسد، وأن كافة الأطراف متصلة به عن طريق الأوعية الدموية وكانوا يصفون الأوعية بالقنوات تأثرا منهم بالنظام الزراعي الذي عرفه الفلاح المصري وحددوا ٤٦ قناة تربط القلب وبقية أعضاء الجسم، وهو ما اعتبرته دراسة نشرتها مجلة «جراحات الأوعية الدموية» عام ٢٠١٤ اكتشافا سابقاً لأوانه.

ومن المدهش حقاً ان البردية تتطرق إلى الأمراض النفسية مثل الاكتئاب وتصف له علاجاً، والأغرب أن هناك قسماً كاملاً من البردية خاص بطب النساء والتوليد بدءا من كيفية معرفة ما اذا كانت المراة حاملاً أم لا مروراً بمراحل الحمل المختلفة وانتهاء بعملية الولادة.

ملكة حتشبسوت اثناء الولادة وهي جالسة علي كرسي الولادة الفرعوني

أما على صعيد الجراحة فقد قسم قدماء المصريين الجراحات إلى جراحات بسيطة، أي قريبة من سطح الجلد، وجراحات أكثر تعقيداً وبرعوا في تقطيب الجروح عقب العملية، كما كان «التجبير» أي إعداد الجبيرة لوضعها على مواضع الكسر في الجسد تخصصاً قائماً بذاته. 

كما عرفت مصر القديمة طب الأسنان أيضا وتحفل البرديات بذكر أعشاب بعينها كأدوية لما تعانيه الأسنان، فهي توصي باستخدام البصل لعلاج التهاب اللثة، وفتح فتحات في الأسنان لعلاج الخراج.

 وقبل ذلك كله كانت النظافة أحد المتطلبات الرئيسية في مصر القديمة لأسباب طبية ودينية على حد سواء، حيث آمن المصريون أن حفاظهم علي نظافة أجسامهم وبيوتهم هو جزء لا يتجزأ من طهارة الروح التي تعود لتتصل بالجسد في العالم الآخر.

ورغم أن بيوت قدماء المصريين كانت بدائية من حيث بنائها إلا أنها عرفت الحمامات وأماكن الاستحمام وكان عامة الناس يستخدمون شبكات لصيد الناموس في حر الصيف في محاولة للحد من الملاريا.

وكذلك كان الحال في المعابد حيث كان الكهن- بسبب عقيدتهم- يغتسلون بانتظام ويحرصون على نظافة ملابسهم والأدوات التي يستخدمونها في إعداد وتناول الطعام.

وهكذا لم ير المصريون القدماء – ورغم كونهم شعباً متديناً بل الأكثر تديناً علي الإطلاق كما وصفهم المؤرخ اليوناني هيرودوت حين زار مصر-  أي تعارض أو تناقض بين إيمانهم بالقدر والبعث والحساب وبين أخذهم بأسباب العلم والطب ومحاولة علاج الأمراض بطرق عملية. وما أحوج مصر اليوم إلى استعادة هذا التراث في وجه أزمة صحية جديدة باتت تهدد البشرية بأسرها.

  المؤرخ اليوناني هيرودوت

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: