فن

جورج سيدهم.. طبَّاخ المَسَرَّة الحزين

لن ينقطع ذلك الجدل حول علاقة الضحك بالمأساة، كما أن التمييز بين دموع الحزن والفرح ليس بالأمر السهل؛ ويبدو أن صناعة البسمة تراكم لدى مبدعيها الهموم والآلام، ولحكمة لا نعلمها تنتهي رحلة أكبر المبهجين على نحو يبعث على الرثاء.. فسبحانه من وصف نفسه قائلا «وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى» النجم43.

في بيت السيد «شفيق سيدهم» الموظف بـ «بنك باركليز» بمدينة «جِرجَا» بسوهاج في تلك الظهيرة القائظة أواخر مايو 1938، تُسمع صرخات الألم متعالية تنبئ عن معاناة بالغة؛ بسبب الولادة التي تعثرت لثلاثة أيام.. ثم يهدأ كل شيء ويعم الصمت المكان، في تلك اللحظة التي تختلط فيها المشاعر، ويسود الذهول تحت وطأة حضور الموت، وتعذر أسباب النجاة، والتعلق بالرجاء في تحنن الرب. تقطع القابلة بنصل صوتها الحاد غلالة الوجوم قائلة: «راح بِفَالُه وفدى الست».. كان وجه الوليد داكنا تحتبس ملامحه زرقة الموت الذي بدا كجدار صلب لم يستطع المسكين النفاذ منه إلى العالم.. هل لمح أحدهم في تلك اللحظة شبح ابتسامة متحدية على الوجه الممتلئ؟!. تدخل الجارة التي عادت للتو من الخارج متلهفة تلقي الأسئلة أثناء مرورها السريع إلى غرفة الولادة.. فيأتيها الخبر باردا: الأم بخير.. لكن الصبي وصل ميتا. ليس الأمر كذلك.. سنرى. في قطعة من قماش أبيض لًفَّ الجسد الذي صار بلا خلاص، ولن يغمره ماء «العِماد» وفي ركن قصي وضعوه.. تناولته العجوز الحانية وسألت عن بقية من ماء ساخن و«فحل بصل» وبدأت عملية إنعاش يقودها يقين بقدرة الوليد على الانتصار في معركة الوجود. تسللت تلك النسمات التي أرسلتها يد القدر عبر النافذة إلى صدر الطفل.. وإذا بصراخه يطرد هذا الشبح البغيض؛ ويُحل البهجة موضع الحزن في وجوه الحاضرين.. مرحبا سيد «جورج» ها أنت قد بدأت العمل مبكرا جدا.

 جورج سيدهم

تلك الطبيعة القاسية في صعيد مصر تفرض سطوتها على الكل. لن يتسامح معك أحد إذا كنت ضعيفا.. هنا يولد الذكور رجالا لا يتاح لهم من الطفولة سوى اندفاعها ولا يعرفون من الصبا سوى نزقه، وليست الفتوة إلا المجالدة وتجنب السقوط في المواجهات الدامية.. يحكي «جورج» عن هذه الفترة فيقول: كانت فترة حافلة بالتدرب على العراك وتسديد اللكمات للوسائد وضرب الرءوس بالحائط لتصير قوية تصرع الخصوم عند التناطح!.

لكن «جرجا» لديها ما يهوّن بعض الشيء من تلك القسوة البادية.. دار سينما يتيمة تعرض فيلما واحدا كل أسبوع يُشاهد لمرة أو مرتين بداية العرض، لتتم «مسرحته» على الفور، لِيُعرضَ بقية ليالي الأسبوع على خشبة مسرح السرير الذي أُخْلِيَ قسرا من مراتبه في حجرة «جورج» بحضور بعض أفراد الأسرة.

في رحلته إلى العاصمة للالتحاق بكلية الزراعة بجامعة عين شمس، حمل الشاب العشريني البدين إلى جانب عشقه للفن عديدا من الصفات التي أهلته ليكون أحد رموز الفن المعروفين في الجامعات المصرية، ربما أورثته مواجهة الموت المبكرة جدا شيئا من الاستهانة بمصاعب الحياة، وبعض القدرة على تحويل ما يراه الناس مأساة إلى ملهاة صاخبة، حتى تلك الحياة القاسية في «جرجا» لم يبق من آثارها في نفسه سوى الرضا بالقليل، والصبر على خشونة العيش حال تحول النعمة. في الجامعة تزعَّم «سيدهم» شِلَّة مكونة من عشرة طلاب وطالبتين، عُرفت بـ «شِلَّة الزَّحْيفة» كان ديدنها نشر البسمة في أرجاء الجامعة، وصنع المقالب والمشاركة في جميع الفعاليات، واغتنام الفرص لتفجير الضحك مهما كانت العواقب، حتى لو كان الثمن تعريض الزعيم نفسه لـ «عَلْقَة» ساخنة في مقام سيدنا الحسين، حين قطع صوت أحد أفراد الشلة أصوات الدعاء والتوسل بقوله «بتعمل إيه هنا يا جورج» وقبل أن تمتد الأيادي كان «جورج» يلبس حذاءه على باب الجامع مسلما ساقيه للريح التي أوصلته بأمان خارج الميدان الفسيح.. لتتفجر ينابيع الضحك حول هذا الموقف لعدة أيام. 

«إنتاج حيواني سعادتك» كان هذا رده على الأستاذ «جليل البنداري» عندما سأله عن تخصصه.. كان «جورج» قد فاز بكأس المركز الأول في التمثيل على مستوى جامعات مصر عام 1961، وهو العام الذي تخرَّج فيه في الجامعة، ليتسلم عمله بإحدى المزارع بمنطقة «أبيس» بمحافظة الإسكندرية؛ ليقضي بها ثمانية أشهر كاملة قبل أن يقرر الاستقالة والعودة للقاهرة للعمل بالفن.. وإذا بـ «جليل» يباغته بقوله: إذن فأنت «جورج أبيس» على وزن «عِجْل أبيس» الشهير؛ لتصير نكتة تسببت في خطأ الكثيرين في اسم «جورج» إذ كانوا يضعون «أبيس» بدلا من «شفيق». 

جليل البنداري

وعنه يقول أ. جليل: «ولقد ظللت أبحث بملقاط عن ممثل خفيف الظل لم يتأثر بمدرسة الريحاني ولا بروضة ساعة لقلبك ويمكن أن يخلق شخصية مضحكة جديدة تعيش في واقعنا فلم أجد سوى ذلك المهرج المشهور الذي اسمه جورج شفيق سيدهم أو جورج أبيس».

كانت بداية الثلاثي في برنامج «أضواء المسرح» مع الأستاذ محمد سالم، واسكتش «دكتور إلحقني» الذي كان سببا في شهرة الثلاثي.. ومن خلال التليفزيون يقدم ثلاثي أضواء المسرح فوازير رمضان، ويرتبط اسم الفرقة بالشهر الكريم لسنوات، ليبلغ إجمالي ما قدموه نحو 400 حلقة من الفوازير..

 وخلال الأيام الصعبة التي تلت الخامس من يونيو 1967، استطاع الثلاثي رسم البسمة من جديد رغم صعوبة الظرف، وقد انخرط «جورج» بصفة خاصة في أعمال دعم القوات المسلحة في مرحلة إعادة البناء، مع الفنانة نادية لطفي وآخرين، كما كان صاحب فكرة عرض مسرحية «فندق الأشغال الشاقة» داخل السجون المصرية صيف عام 1971.

 وهو العام الذي شهد رحيل «الضيف أحمد» على نحو مفاجئ وهو في الرابعة والثلاثين، ورغم استمرار أعمال الفرقة التي قدمت عددا من الأعمال المسرحية الرائعة، منها «موسيكا في الحي الشرقي» و«جوليو ورومييت» و«فندق الثلاث ورقات» و«المتزوجون» و« أهلا يا دكتور» و«من أجل حفنة نساء» وغيرها..

 إلا أن رحيل «الضيف» كان بمثابة ضربة قوية للفرقة، خاصة بالنسبة لجورج الذي تحمل مسئولية استمرارها، بعد الانسحاب المتكرر لـ «غانم». 

الضيف أحمد

كان احتراق مسرح «الهوسابير» عام 1986، في ما عُرف بأحداث الأمن المركزي، ضربة جديدة من ضربات القدر التي تحملها «جورج» بصبر؛ لكن قلبه لم يحتمل فوقع مريضا بجلطة في القلب استدعت خضوعه لعملية جراحية في القلب؛ لكنه لم يستسلم وعاد من جديد للعمل وافتتح مطعما- كان طباخا لا يشق له غبار- ولم يتردد في وضع كل مدخراته في سبيل إعادة تجهيز المسرح بأحدث التجهيزات، وعادت عروض فرقة الثلاثي بـ «حب في التخشيبة» واستمر جورج في العمل إلى أن سقط مريضا عام 1998، إثر جلطة أخرى أقعدته وأفقدته القدرة على النطق إلى أن رحل منذ أيام.

في التليفزيون قدم «جورج» العديد من الأدوار المتميزة في أكثر من أربعين عملا تليفزيونيا، كان آخرها دور «نوبار باشا» في مسلسل «بوابة الحلواني»، وفي السينما قدم عددا من الأفلام لم ترق فيها أدواره إلى إمكاناته الفنية العالية، وإن كان يعتز ببعضها مثل دوره في فيلم «قاع المدينة» وآخر أدواره السينمائية في فيلم «الجراج». وقد اعتمد «جورج» سينمائيا على «… الأداء الحركي الراقي وتعبيرات وجهه المفاجئة والموحية، وبصفة خاصة حركات العينين، ولم يبتذل جورج سيدهم في مشهد سينمائي واحد مستخدما الكوميديا النمطية أو الكاراكتر الرخيصة السهلة وإنما اعتمد على موهبته وقدراته الخاصة في هضم الموقف ثم التعبير عنه بأسلوبه الخاص، ومن قبل كل ذلك كان هناك القبول والكاريزما التي حباه الله بها تختصر دوما الطريق بينه وبين قلب المشاهد فأصبح علامة خاصة وماركة مسجلة».

في معرض تناوله لأسطورة المهرج «فليمون» المرتبطة بالتراث المسيحي يذهب الدكتور على الراعي إلى أن ثمة ارتباط وثيق بين المضحك والجماهير، يقوم على التفاعل، ذلك لأن الضحك هو فعل كشف ومصارحة بالأساس، ويبدو المضحك في تلك العلاقة منساقا لرغبات جمهوره؛ لكنه في نفس الوقت يهيمن عليهم على نحو ما.. وعند ذروة الأداء الفني يستطيع الفنان فرض إرادته بعد أن يصل بجمهوره إلى حالة من القبول والرضا. وهو ما يبدو واضحا في مونولوج الوداع لـ «فليمون» الذي يستقبل الموت راضيا منشدا «يا أهل بلدي الطيبين لا تحزنوا لهذه الضربات التي أتلقاها الآن فلا أظنكم نسيتم ضربات أخرى كنت أتلقاها في المسرح على أيدي زملائي الممثلين، كنتم إذ ذاك تضحكون لهذه الضربات الفكاهية غير أن الملائكة كانت تبكي، والآن قد صار حقًا وعدلا ألا ترجح دموعكم كفة الميزان فإن في الكفة المقابلة أفراحا يضيء بها رهط الملائكة ابتهاجا بخلاصي ونجاة روحي». 

الدكتور على الراعي

وهو ما نستطيع أن نفهمه بوضوح من كلمات تلك الاغنية التي رددها الثلاثي في فيلم «لسنا ملائكة» علنا نفسر هذه العلاقة بين الضحك والمأساة والنهايات الحزينة للمضحكين الكبار.

مشهد من فيلم لسنا ملائكة

«صحيح الخطوة مُرَّة.. لكن ده ذنبنا.. والذنب بين إيدينا وورانا وجنبنا.. صحيح التمن غالي ولازم ندفعه.. عشان نقدر نقرب من رحمة ربنا». 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: