ثقافة

شعراء مصريون فى مواجهة كورونا

وقت الكورونا الشيخ مع القسيس.. والكل واحد ضد كل خسيس

 

لم يبالغ النقاد عندما وصفوا الشعر بأنه «ديوان العرب» الذى يسجل مآثرهم ويعبر عن آمالهم وآلامهم، وصدق عمر بن الخطاب حين قال «كان الشعرعلم قوم لم يكن لهم علم سواه» ولهذا كان من الطبيعى أن يتعرض الشعر العربي لما كان يقع من أوبئة عامة تجتاح المجتمعات، وقد كان الشعراء يصورون المآسي الخاصة والعامة التي تترتب على  تلك الأوبئة.

الشعر والأوبئة القديمة

يشير الشاعر سعد عبد الرحمن إلى ذلك الوباء الذى ظهر بأرض العرب وصوره الشاعر المخضرم أبو ذؤيب الزهلي فى قصيدته التى تبدأ بقوله «أمن المنون وريبه تتوجع / والدهر ليس بمعتب من يجزع؟» ثم يتفجع من موت أبنائه فى هذا الوباء وعجزه عن إنقاذهم حين يقول «ولقد حرصت بأن أدافع عنهم / وإذا المنية أقبلت لاتدفع – وإذا المنية أنشبت أظفارها / ألفيت كل تميمة لاتنفع» وفى طاعون البصرة الذى وقع عام 131هـ نجد شاعرا يرثى أبناءه الستة الذين قضوا فى هذا الوباء فيقول «وكنت أبا ستة كالبدور / وقد فقأوا أعين الحاسدينا – فمروا على حادثات الزمان / كمر الدراهم بالناقدينا – وحسبك من حادث بامرىء / يرى حاسديه له راحمينا» ويورد ابن عبد ربه أبياتا لشبل بن معبد البجلي يتحدث فيها عن الطاعون الذى أصاب أهل العراق وقضى على أسرته وهو بعيدعنهم يقول فيها «متى العهد بالأهل الذين تركتهم / لهم فى فؤادى بالعراق دبيب – فماترك الطاعون من ذى قرابة / إليه إذا حان الإياب نؤوب».

وفى «رسالة فى الطاعون» تكشف مصدرا من مصادر عدم تحليل الأسباب ولكن إرجاعها للغيبيات يُرجع السيوطى انتشار هذا الوباء إلى آثام الناس حين يقول «أظن الناس بالآثام باؤوا / فكان جزاؤهم هذا الوباء» وفى طاعون عام 749  من الهجرة الذى اجتاح الشام وفلسطين ومصر ووصل حتى أوربا وسمى بالوباء العظيم يقول صلاح الدين الصفدى «أخليت أرض الشام من سكانها / وحكمت ياطاعون بالطاغوت».

الشعر فى زمن الكورونا

امتدادا لهذا التقليد الشعري الموروث يسعى الشعرالمعاصر – خاصة شعر العامية – إلى تصوير جائحة الكورونا من زوايا متعددة بدءا من أسباب انتشارها مرورا بالأضرار التى ألحقتها بالمجتمع خاصة طبقة العمال الذين يعتمدون على العمل اليومى وأهمية الالتزام بالتعاليم الطبية وغيرها من الزوايا المختلفة، ففي قصيدة «الكورونا معجزة» يرى الشاعر الغنائي بخيت بيومى أن هذا الوباء إنذار إلهى للبشر بسبب طمعهم وجشعهم وفسادهم مما يقترب من بيت السيوطى المشار إليه  آنفا فيقول: «جاى م السما راكب الهوا / مخلوق خطير – إنذار إلهى للبشر / ملوش مثيل فى المستوا – ضد الطمع / ضد الجشع / ضد الحرام اللى اتبلع»، وبعد هذا الإجمال يبدأ فى ذكر تفاصيل هذا الفساد الذي أنسى الناس صلتهم بالله يقول «فاتحين شبابيك الفساد / م الأرض لما للسما – شعوب كتير مستهلبه / وناس هناك وناس هنا / بربنا فقدوا الصله» لكن تامل ماقاله الشاعر في الحقيقة لاتجعله امتداد حرفيا للسيوطي اذ ان الشاعر يدين النظام الرأسمالى خاصة أنه يتحدث عن «الأرض» وما يقع فيها من ظلم وقهر وسيادة الأقوى عسكريا واقتصاديا ولايرى الشاعر حلا سوى أن «نرمى الضمير اللى انحرف / ينضف فى أقرب مغسلة» وهو حل أخلاقى لايستطيع – رغم أهميته – مواجهة التغول الرأسمالى الذى وصل إلى حد التضحية بالبشر فى سبيل المال والأرباح.

الشاعر الغنائي بخيت بيومى

وعلي الرغم من ان نظرية المؤامرة لا تفسر جائحة كورونا إلا ان الشاعر عبدالستار سليم يستخدمها فقط كبداية لإدانة الطبيعة الاستغلالية للنظام العالمي ويرى الأمر «مؤامرة» سبق أن تعرضنا لمثلها حين يقول «فـ الشر فيه ناس تسابق / ودى هيا كل المسائل – عملوها من قبل سابق / وكرونا دى فعل فاعل» بل يرى هذا الوباء حربا غير تقليدية يقول «خليك ياابو العم فاكر / عيلة شارون وشارونه – دى حرب من غير عساكر / سموها قال ايه كورونا» وهذا ما تنبأ به بعض كتاب الخيال العلمى وهى الحروب البيولوجية التى سوف تكون حروب المستقبل. يقول شاعرنا «والناس ع تقول مش أقدار / دا كرونا صنعة عداهم – لفلف على الأرض واندار / ع اللى أتى من حداهم»، وعليه فإن من أحضر الجان ملزم بصرفه، ويقول «هو علم ولا بادنجان / ياللى انتو خابرين بحرفه – كا اللى يحضَّر الجان / هو الموكل بصرفه» وسوف نلاحظ توظيف الشاعر للسخرية المصرية والأمثال الشعبية للبرهنة على رؤيته التى تفضح بشاعة النظام العالمى.

مأساة عمال اليومية

يرد الشاعر يسرى حسان على الفنانة داليا البحيرى التى تجاهلت متاعب عمال اليومية وانحدار معيشتهم بسبب الظرف الراهن وذلك فى قصيدته «عامل يومية» التى يقدمها بلغة بسيطة على لسان عامل بمقهى حين يقول «بقوم الفجر اتوكل / واقول يارب تفرجها – وتعدى روحى ماتتشنكل فى أى حفرة تعوجها» ثم يصور الشاعر انسحابه بهدوء حتى لاتشعر به ابنته أو زوجته وتطلب منه مالا حيث «فلوس البيت خلاص خلصت» وفى المقهى تظل حركته مستمرة بين الزبائن ملبيا طلباتهم «وانا فى القهوة بتنقل / على ايدى بشيل مشاريب» ثم يرجع الشاعر على لسان هذا العامل واصفا بيته الذى هو «أوضه» تشبه القبر لكن كل هذا لايخرجه عن حالة الرضا. إنه نموذج الشخصية المصرية الصابرة التى تنتظر فرج ربها «وبحمد ربى واقول قادر / انه فى يوم يغيرها – لاانا مشرك ولاكافر / طب امتى ربى يسيرها» إن أكثر مايهم هذا العامل هو قوة إيمانه بالله آملا فى أن يسيرها الله برحمته وهو يعلم أنه ليس وحده فى هذا الضيق فهناك الملايين الذين لا يأخذون حقا ولاباطلا فى هذه الدنيا ثم يأتى «الوبا» ليُقعدهم فى البيت كالنساء «وفجأة الوبا ييجى / وكلنا فى البيت قاعدين – وآدى عيالنا قدامنا / بيصرخوا علشان جعانين – دلوقتى الأزمة أهى اشتدت / ورجالة بقم نساوين» لقد اختار يسرى حسان زاوية رؤيته بتركيزه على نموذج هذا العامل البسيط الذى انقطع رزق يومه بسبب هذا الوباء المفاجىء 

.. وجشع الرأسمالية

فى مقال قديم لى وصفت نصر أكتوبر بأنه «النصر الذى حققه الفقراء وتغنى به الشعراء وجنى ثماره رجال الأعمال» وهكذا يمكن القول إن رجال الأعمال أول المستفيدين مما يحققه أبناء الفقراء وأول الهاربين من مسئولياتهم الاجتماعية حين يمر الوطن بأزمة عامة ومن المؤكد أن هذا الوصف لايشمل الجميع لكنه الصفة الغالبة وهذا مايعبر عنه الشاعر حسنين السيد فى قوله «وقت الكورونا باعونا اهل رأس المال – مع أن ترس المكن شحمه دما العمال – والساقية دايره وتورها منذ الازل حمَّال – عمره فى يوم مااعترض – ولاعمره كان شكَّاى «وبوضوح أكبر يقول» وقت الكورونا اللى كشف كل ندل لئيم / جمع فلوس البلد من ظلمه للمظاليم / وف عز «عز» المحن مادفعش ولامليم / ويقول بكل الغبا دى فلوسى وانا مالى / ويغور فى داهية الوطن دول ورث لعيالى / والرأسمالى ف بلدنا شمتان فى أحوالى. 

الوحدة الوطنية

اللافت حقا أن حسنين السيد يتعامل مع الكورونا كأنها تهديد وطني شامل يستدعي التماسك الاجتماعى والوطني ووحدة الأمة مثله في ذلك مثل الغزو خارجى كما حدث مع الانجليز فى ثورة 19 حين يقول «وقت الكورونا الشيخ مع القسيس / والكل واحد ضد كل خسيس / والخوف يخاف مننا نسا ورجال / لما يشوف التوحد صليب وهلال / والفاتحة فى السيدة وميت دمسيس» وميت دمسيس / دقهلية هى المكان الذى به دير الشهيد مارجرجس.

لكن المشكلة لم تعد خارجية فحسب بل داخلية أيضا ففى قصيدة أخرى يشير حسنين السيد إلى هؤلاء الموتورين الذين منعوا دفن د.سونيا عبد العظيم حين يقول «الموتورين فى البلد فى زمرة الشياطين / أصحاب دقون من ورق من أدعياء الدين / جاهزين لدفن الوطن وللشهيد حارمين».

د.سونيا عبد العظيم

إرادة الحياة

من الأدوار التى يقوم بها الشعر تدعيم إرادة الحياة ومقاومة مايعترض الإنسان من كوارث وهو مايعبر عنه الشاعر مدحت العدل حين يقول «كل يوم الشمس تطلع / تملا بالنور الوجود / كل لحظة خير يعدى فى القلوب ولا الورود / هى نور الإنسانية اللى بتعدى الحدود / انت اقوى انت ابقى / سر اسرار الحياة مد ايدك فوق وصلى للمحبة والاله / غنى للحب الكبير / للأمل تحيا الحياه» وفى قصيدة «انا مش خايف يافيروس» لعمر الصاوى يؤكد أنه أقوى من ذلك الوباء يقول «أنا أقوى منك بحبايبى / بايمانى بنصيبى ونايبى / وآيات بحفظها على الغايبى / بعناية ربى محروس » ومن عوامل نجاح هذه المواجهة الالتزام بالتعاليم الطبية كما تقول الشاعرة فاطمة صديق «علشان كورونا يتلم / محتاج لشده وحزم / الوضع جد خطير / بالتعاليم نهتم» ومن هذه التعليمان أن «نبعد شويه عن الزحمه / واللمه والجو الكتمه» ويقول الشاعر أشرف فريد «قوم اتوضى ياعم وصلى / وخلى صلاتك جوه البيت / دا الفيروس طايح ما مخلى / لما تقاومه تكون حجيت». ورغم مباشرة هذه الأشعار فإنها مهمة فى توعية الناس بمخاطر هذا الوباء. 

هل نتعظ؟

يحاول حسنين السيد استشراف حال البشر مابعد كورونا وما إذا كانت المحنة ستغيرهم أم لا؟ حين يقول «وقت الكورونا اتحظرنا وانطلقت العصافير / دار الزمان دورته والحًر يبقى أسير / هل ياترى نتعظ والحب يبقى أساس / واللا الطباع فى البشر ح تعاند المقادير؟» بهذا السؤال يبقى المستقبل مفتوحا على كل الاحتمالات .وهكذا يكون الشعراء قد حاولوا أداء مهامهم بدءا من تشخيص أسباب الوباء وانتهاء باستشراف مابعده دون أن يخل ذلك – فى أغلب النماذج – بالشاعرية المطلوبة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: