فن

من غياب الحبكة إلى انتحار المنطق.. دراما رمضان تكشف أزمة النصوص الدرامية

كشفت دراما رمضان التي عرضت عبر القنوات التليفزيونية المصرية الخاصة والحكومية والتي قاربت على الوصول إلى حلقاتها الأخيرة مع قرب نهاية الشهر الكريم عن أن هناك أزمة كبيرة في النصوص الدرامية، رغم أنها كانت و ستظل أحد أهم عناصر العمل الفني والقاعدة التي تقوم عليها العناصر الفنية الأخرى، ومن ثم فكلما كانت تلك القاعدة «السيناريو» أكثر تماسكا، ساعد ذلك على خلق عمل فني مترابط ومحكم التفاصيل. وقد تعرض كثير من مسلسلات رمضان لانتقادات عنيفة، نال النص الدرامي الجانب الأكبر منها.

والسؤال الذي يفرض نفسه الآن هو من المسؤول عن تراجع مستوى النصوص الدرامية؟ وهل لم يعد لدينا بالفعل أجيال جديدة قادرة على حمل لواء الكتابة المتميزة أسوة بأجيال أخرى كانت أسماؤها «علامة للجودة» سواء فيما تطرحه من موضوعات أو طرق صياغتها فنيا، ولماذا يستبعد من بقي من هذه الأسماء رغم تاريخهم الطويل خصوصا وأنهم لازالوا قادرين على الإبداع؟

باختصار من المسؤول عن هذا التراجع في مستوى الدراما المصرية خصوصا وأن تأثيرها السلبي علي المتلقي لا يمكن تجاهله، وما أكثر الأقلام التي تندد بما تزرعه هذه الأعمال في عقول الأجيال الشابة من أفكار مسمومة تشوه معتقداتهم وأخلاقهم ومبادئهم.

فرصة تانية والحبكة المفقودة

غياب «المنطق» عن كثير من الأحداث، أحد أبرز الانتقادات التي لاحقت أكثر من عمل ليس في هذا الموسم فقط ولكن في مواسم سابقة، منها على سبيل المثال مسلسل «فرصة ثانية» للمخرج مرقس عادل حيث نكتشف أن بطلة العمل لم تكن مصابة بفقدان للذاكرة لكنها كانت «تمثِّل» على البطل و علينا بالتبعية، مرورا بتفاصيل أخري تتعلق بالبناء الدرامي و «منطق» تصاعد الأحداث، ما دفع جمهور السوشيال ميديا لتوصيف المسلسل بـ «الهندي» وإطلاق موجة من السخرية لم تتوقف عند الأحداث المبالغ فيها فقط و لكن امتدت أيضا لأداء أبطاله وبالأخص بطلته الممثلة ياسمين صبري.

البرنس واللامنطق

«اللامنطق» أيضا يمكن تلمسه في أعمال أخري مثل «البرنس» للفنان محمد رمضان ومن تأليف و إخراج محمد سامي في ثاني تعاون بينهما بعد «الأسطورة»، فعلى الرغم مما أثاره العمل من جدل وردود فعل واسعة تشير لارتفاع نسب مشاهدته، إلا أنه لم يسلم من الانتقادات في مواضع كثيرة مثل قيام بطل العمل بعد ساعات من خضوعه لجراحة خطيرة لم يتعاف منها بسبب حادث التصادم الذي تعرض له وراح ضحيته زوجته وابنه، بالتعدي علي «بلطجية» زوجة أخيه والانتصار عليهم …

ليالينا 80.. شكل دون مضمون

أحد أبرز عوامل نجاح أي سيناريو هو قدرة كاتبه علي صياغة الفكرة باحترافية، فمن السهل أن تختار ما تكتب عنه و لكن كيف تكتبه هذا هو السؤال الصعب، وهو ما يمكن تلمسه أيضا في أكثر من عمل، فمثلا البعض اختاروا «الزمن» كتيمة لمناقشة فكرتهم، وسواء ذهبوا للمستقبل كما في مسلسل «النهاية» من بطولة الفنان يوسف الشريف وتأليف عمرو سمير عاطف و إخراج ياسر سامي، أو رجعوا للماضي كما في مسلسل «ليالينا 80» فإنه في الحقيقة لم يكن للزمن أي علاقة بالعمل إلا من حيث الشكل فقط، أما ما يتعلق بالمضمون فلقد طرحوا نفس «الكليشيهات» المحفوظة دراميا والتي سبق وقدمت مرارا في أعمال كثيرة من صراعات «أنثوية» وكيف نجحت هذه في الفوز بزوج الأخري، أو الرجل المزواج، كذلك نفس شواهد الفساد الإجتماعية، السلطة المتجبرة الني لا تهتم بالتعليم أو الثقافة والفنون، باختصار خرج الزمن من المعادلة الدرامية فلم نفهم لماذا حدث ما حدث في الماضي، أو ما آلت إليه الأوضاع مستقبلا.

مرة أخري لماذا ضرب «الاستسهال» هذه الأعمال وغيرها رغم ما تحققه من نسب مشاهدة عالية لا يمكن تجاهلها، سواء عبر كم الإعلانات التي تتخلها أو من خلال منصات المشاهدة المختلفة سواء كانت «شرعية» مثل «شاهد»، «watch it» أو غير رسمية عبر تطبيق تلغرام المجاني الذي حقق نسب مشاهدة عالية جدا بعدما طرحت عليه المسلسلات الرمضانية من دون اعلانات و بجودة عالية.

بيزنس

المؤكد أن الفكرة الجيدة لا تكفي وحدها لصناعة عمل فني ناجح، ولكن لابد من الإجتهاد في صياغتها بما يضمن ظهورها بشكل متماسك، إلا أن صناعة الدراما للأسف باتت تسير وفقا لسياسة «الهرم المقلوب»، فالموضوع يبدأ من بطل أو بطلة العمل ما يفسر لماذا تحمل بعض الأعمال أسماء نجومها بوصفهم أصحاب فكرتها كما في مسلسل «النهاية»، بل أن جهات الإنتاج لا تشترط فقط موافقة بطل أو بطلة العمل على الفكرة ولكن علي مجمل عناصر العمل وفي مقدمتها الإخراج بوصفه القادر علي تنفيذ «رغبات» النجم وليس رؤية مخرج من المفترض أنه يختار نصا يتوافق وما يريد طرحه مثلما كان يحدث سلفا مع أسماء صنعت أمجاد الدراما.

 لقد انتشرت الورش الكتابية منذ فترة بتشجيع من جهات الإنتاج لتخفيض ميزانية الأعمال وحتى لا يضطر صناعها لتحمل أجر كاتب كبير، ومع الوقت تحولت «الموضة» لـ«بيزنس» يغري من يحلمون بالكتابة الدرامية، وبعيدا عن مشكلة «الملكية الفكرية» التي أفرزتها تلك الظاهرة مع الوقت، فإن كثيرا من هذه الأعمال حلقت بعيدا عن الجودة نظرا لوجود أكثر من كاتب يعمل على البناء الدرامي مما يؤدي في أحيان كثيرة لخلل في تركيبة العمل، بدليل أن تلك الورش لم تفرز للأسف أسماء نجحت في تحمل مسؤولية عمل بشكل منفرد، كما أنها لم تنجح في فرز جيل جديد من المبدعين قادر على حمل لواء الدراما المصرية كسابق عهدها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى