رؤى

هل هناك تشابه بين الفقه الإسلامي وفقه الرومان.. وهل الشافعي هو المؤسس الوحيد لأصوله؟

برز في تناول الفقه الإسلامي من منظور استشراقي مفكرون اعتنوا بالتنظير لتاريخه ونشأته، والاستقصاء الشامل للشريعة وعلاقتها بالمجتمع الإسلامي منذ اللحظات الأولى التي تكوّنت فيها المذاهب الفقهية، بل منذ اللحظات الأولى التي تكوَّنت فيها الآراء الفقهية المختلِفة التي مثّلَت ذخيرةً لا مثيل لها لبناء كيان الفقه في الإسلام.

ويبرُز اسمان كبيران في تناول الفقه الإسلامي من منظور استشراقي؛ هما: المستشرق الألماني جوزيف شاخت (1902- 1969)، والكندي ذو الأصول الفلسطينية وائل حلّاق (1955-)؛ فالأول تركّزت جهوده، معظمها، في تقديم دراسات دقيقة، وإن لم تسلَم من نقدٍ ومراجعات، عن دور الإمام الشافعي وتجلية جهوده في تطور الفقه الإسلامي وقواعده الأصولية، فهو المؤسِّس الأول لعلم أصول الفقه في كتابه «الرسالة»، ولمبدأ القياس وتطبيقاته في كتاب الشهير «الأم»، ففي العام 1950 نشر جوزيف شاخت كتابه «بداية الفقه الإسلامي»، وفيه يتناول فقه الإمام الشافعي وكتابه «الرسالة»، ثم بعد ثلاث سنوات من نشر ذلك الكتاب أخرج كتابه «مخطَّط تاريخ الفقه الإسلامي»، ثم «مدخل إلى الفقه الإسلامي» عام 1960، لكن يبقى كتابه المثير للجدل «أصول الشريعة المحمدية» هو أهم كتبه على الإطلاق؛ ذلك أنه يتناول فيه قضيتيْن على درجة كبيرة من الحساسية الفكرية في المحيط الإسلامي التقليدي؛ أولاهما، مدى أصالة الشريعة الإسلامية وتفردها في الثقافة الفقهية والقانونية على مستوى العالم، وثانيهما، نقد الأحاديث النبوية خصوصا ما يتعلّق منها بالفقه، حتى إن باحثين يروْنَ أن مسألة السنة احتلَّت أغلبَ مطالب بحث أصول الفقه المحمدي، حتى إنه ليُعدُّ كما لو كان بحثًا في أسانيد السنة [حسان شهيد، مركز نهوض للدراسات والنشر].

    وأما الثاني، وائل حلاق، فهو من مواليد مدينة حيفا الفلسطينية، ويعمل أستاذ كرسي الدراسات الإسلامية في جامعة مكيجل في كندا، وهو غزير الإنتاج العلمي؛ إذ صنّف عددا كبيرا من المؤلَّفات، منها: «الدولة المستحيلة وتصدير الاستشراق»، و«الشريعة: النظرية، الممارسة والتحولات»، والثلاثية المعنية بهذا البحث هي بحسب الترتيب الزمني: تاريخ النظريات الفقهية في الإسلام، والسلطة المذهبية: التقليد والتجديد في الفقه الإسلامي، ونشأة الفقه الإسلامي وتطوره، وفي العام 2009 صُنِّف حلاق ضمن أكثر 500 شخصية مسلمة تأثيرا على مستوى العالم، لذلك لا غرو أن يكون الرجل أهم الدارسين المعاصرين للفقه الإسلامي وأصوله، وللتاريخ القانوني للإسلام.

«شاخت» وفكرته المركزية للفقه الإسلامي

    ينطلق شاخت من فكرة مركزية مفادها أن الشريعة الإسلامية ليست ذات أصالة وتفرُّد على مستوى الأحكام القانونية، بل هي خليط وأشتات من التشريعات السابقة عليها، سواءً في محيطها أم خارج محيطها بعد ذلك، ثم اكتسبت لونا إسلاميا؛ لذلك جزم بأن النبي صلى الله عليه وسلم  لم يُقِم نظامًا تشريعيا صلب البنية، ويبني شاخت نظرته تلك منطلقا من فرضية تأثُّر الفقه الإسلامي بالتشريعيْن الرواني والفارسي اللذيْن عرفهما العرب في الجزيرة العربية بحكم التجاوُر والاختلاط بالفُرس والروم، كما تأثَّر كذلك بالتشريعات المحلية البُدائية في الجزيرة العربية نفسها، ويرى بناء على دراساته في مصادر غير مباشرة أن الجزيرة العربية قبل الإسلام، في القرن السادس الميلادي تحديدًا، كانت تُحكَم بنظام تشريعي شفوي غير مدوَّن، إذ كان هذا النظامُ القانوني مفصَّلا في البيئة الحضرية، لكنه في البادية كان بسيطا ساذجا، ويستدل شاخت على تلك الفرضية بتشابه صيغ بعض أحكام نظام المعاملات في الفقه الإسلامي مع نظيراتها في القانون الروماني والبابلي وغيرهما، مثل شرط الإيجاب والقبول في العقود الجاهلية والبابلية الذي استمر في التشريع الإسلامي!

     وما أثاره شاخت شُبهة قديمة ردَّ كثيرون عليها وفنّدوها بحُجج وأدلة كثيرة، توصّلوا من خلالها إلى أن الشريعة الإسلامية اتخذت نشأة خاصة وكيانا منفصلا عن قانون الرومان، وأنها بدأت بما لم يصل إليه القانون الروماني إلا بعد انقراض دولة الرومان ذاتها، وبعد أن مرَّ قانونهم في أزمان غير زمانهم وعملت فيه عقول غير عقولهم. [عصمت عبد المجيد، أصالة الفقه الإسلامي، ص 45]

      كما أن شاخت يرى في الإمام الشافعي – رغم انتقاداته له ولمنهجه في الاعتماد على السنة – مبدعًا لما أسماه بـ «أصول الفقه المحمدي»؛ لأنه: «لا يمكن للعوامل التي تحدُّ من تحليل الشافعي، ولا الأخطاء التي تتخلَّله، أن تقلِّل من شأن المستوى الرفيع، الذي يميز تفكيرَه الفقهي الدقيق، والذي لم يسبق أن أدركه أحدٌ من الفقهاء؛ إذ يُعدُّ هذا التفكير دون أدنى شك، أرقى إنجازٍ فرديٍّ عرفه الفقه المحمدي» [شاخت، أصول الفقه المحمدي، ترجمة رياض الميلادي وآخَر، ص 419]

«حلّاق» وفكرته المركزية للفقه الإسلامي  

     أما فكرة وائل حلاق المركزية فهي تتناقض مع رأي شاخت في الشافعي؛ فحلاق يرى صعوبة في اعتبار الشافعي مؤسسًا لعلم أصول الفقه، لكنه في الوقت نفسه لا يتردد في الاعتراف بدور الشافعي في حسم مدلول السنة وقصرها علي سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ووضع أسُس التماهي بين السنة النبوية والحديث، فهو ينتقد تضخيم منجَز الشافعي في أصول الفقه، كما فعل شاخت، فالشافعي عند حلاق له فضل التهذيب والتدوين فقط؛ فلا يمكن إغفال وجود قواعد وأُسس أصول الفقه قبل زمن الشافعي منذ عهد الصحابة والتابعين، كما لا يمكن إغفال نمو وتطور علم أصول الفقه بعد عصر الشافعي حتى نهاية القرن السابع الهجري، ويعبر حلاق عن ذلك بقوله إن تمركز علم الأصول حول الإمام الشافعي عزّز من جعل علم الأصول: «الفوران المؤقت الذي وقف على مفترق طرق بين النتيجة لهذه المصادرات وبين حتمية الانحدار وعفن التجمد الذي عانى منه الإسلام حتى أقدمت أوروبا والغرب على إنقاذه في عصر الحداثة هذا». [وائل حلاق، نشأة الفقه الإسلامي، ص 15].

     إن وائل حلاق يؤكد من خلال نظرته المركزية للفقه الإسلامي أن علم أصول الفقه لم ينضج ويكتمل سوى في القرنيْن الرابع والخامس للهجرة، كما أن المذاهب الفقهية الأربعة المشهورة لم تتشكّل وتصبح أنساقا متمايزة في الفقه إلا بعد عقود من وفاة مؤسسيها الافتراضيين الذين تنتسَب إليهم وهم في الحقيقة لم يرسوا سوى مذاهب شخصية تعبر عن آرائهم الخاصة دون أن تمثّل نسقا في التفكير منظَّما أو مستقلا.

    ولكن تبقى علاقة الفقه بالسياسة أهم منطلَقات بحث وائل حلاق في مضمار الفقه الإسلامي؛ فهو قد وقف عند تلك المعادلة العسيرة التي تجمع بين نزوات رجال السياسة ورغبتهم في توظيف الدين لصالحهم، ورغبة الفقهاء في ترويض الساسة وكبح جماح تسلّطهم، خدمة للشرع، ولكن هذه لم تخلُ في التاريخ الإسلامي من تصادُم بدا في خضوع هذا الطرف إلى ذاك حينا، أو احتواء أحدهما للآخر حينا آخرَ، وهو ما يعني بجلاء عدم استقلالية الفقه في الإسلام عن الدولة استقلالية تامة! [وائل حلاق، نشأة الفقه الإسلامي، ص 250 وما بعدها]

خاتمة

        يُعدُّ سعْي وائل حلاق إلى إعادة قراءة تاريخ الفقه الإسلامي ذا أبعاد وغايات تؤكد عمق أفكاره وتوظيفها لخدمة المنجَز الفقهي والقانوني في الإسلام، وأهم ما يميّز خطابه أنه خطاب غير متشنّج أو مؤدلَج أو متأثر بمن سبقه من المستشرقين كأمثال مارجليوث وجولد تسيهر وشاخت، وغيرهم ممن تناولوا في كتبهم وأبحاثهم الفقه الإسلامي وأصوله، فجاء منجَزَه الفكري ذا صبغة أكاديمية دقيقة، توسّل فيه بالخطاب الغربي ذاته وبمفاهيمه الكبرى؛ ليتمكّن من مناقشة الرؤية الاستشراقيّة المهيمنة على مجال الدراسات الإسلامية، على حدّ تعبيره، وهو ما يستأهل معه متابعة أعماله الفكرية وقراءتها قراءة واعية نقدية في آن؛ للوقوف على آراء علمية جديدة في مجال الفقه والشريعة الإسلامية، دون المساس بكيانها الرفيع، وأسسها الطريفة، وأصالتها المعروفة كما فعل جوزيف شاخت.

      

الوسوم

أحمد رمضان الديباوي

مدرس العقيدة والمنطق بالأزهر

مقالات ذات صلة

إغلاق