في الوقت الذي تتساقط فيه القنابل على رءوس المدنيين، وتُهدم البيوت فوق ساكنيها، ويُقتل الأطفال والنساء والرجال في مشهد يتكرر كل يوم، خرج علينا العالم بمسميات جديدة وشعارات براقة، لعل أحدثها ما أُطلق عليه اسم “مجلس السلام”، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: أيُّ سلام هذا الذي يتحدثون عنه بينما تستمر الحرب بلا توقف؟ وأيُّ رسالة يحملها مجلسٌ تقف وراءه القوى ذاتها التي تمد آلة الحرب بأسباب استمرارها، بينما يتساقط الضحايا في غزة بالعشرات والمئات كل يوم؟
إن السلام لا يُبنى فوق أنقاض المدن، ولا يولد من رحم المجازر، ولا يمكن أن يكون غطاءً سياسيا لإدارة حرب مستمرة، فالسلام ليس شعارا يُرفع في المؤتمرات، بل إرادة سياسية تُترجم إلى وقف لإطلاق النار، وحماية للمدنيين، واحترام للقانون الدولي، أما حين تُستخدم لغة السلام في الوقت الذي تُرتكب فيه الانتهاكات بحق المدنيين، فإنها تفقد معناها الأخلاقي، وتتحول إلى أداة تمنح الوقت لاستمرار المأساة، بدلا من أن تكون وسيلة لإنهائها.
ولذلك، فإن ما يُسمى بـ”مجلس السلام” يثير كثيرا من الريبة. فكيف يمكن لمبادرة تحمل هذا الاسم أن تكتسب المصداقية، بينما لا تسبقها أي خطوات عملية لوقف القتل، أو رفع الحصار، أو توفير الحماية للمدنيين؟ إن أي مشروع يتجاهل جذور الصراع، ويغفل حقوق الشعب الفلسطيني التي أقرتها الشرعية الدولية، لن يكون مشروع سلام، بل إطارا جديدا لإدارة الأزمة وإعادة إنتاجها، بما يخدم موازين القوة القائمة، لا مقتضيات العدالة.
لقد أثبتت التجربة خلال الأشهر الماضية أن المجتمع الدولي ما زال عاجزا عن ترجمة مواقفه المعلنة إلى إجراءاتٍ توقف نزيف الدم، تُصدر البيانات، وتُعقد الاجتماعات، وتُطرح المبادرات، بينما تستمر العمليات العسكرية بلا انقطاع، وكأن حياة الفلسطينيين أصبحت مجرد أرقام تُضاف إلى تقارير المنظمات الدولية، دون أن يترتب على ذلك أي تحركٍ فعّال يضع حدا للمأساة.
وفي هذا السياق، يثير الصمت الذي يلتزمه عدد من المسئولين الدوليين تساؤلات مشروعة حول دور المجتمع الدولي وحدود مسئوليته الأخلاقية والسياسية، ففي لحظات الكوارث الإنسانية الكبرى، لا يكون الصمت موقفا محايدا، بل يتحول إلى عامل يسمح باستمرار المأساة، ويمنح الجريمة مزيدا من الوقت. فحين يصمت من يفترض أنهم رعاة للسلام، يصبح الصمت نفسه جزءا من الأزمة.
إن القضية اليوم لم تعد مجرد خلاف سياسي أو نزاعٍ عسكري، بل أصبحت اختبارا حقيقيا لمدى التزام العالم بالمبادئ التي طالما رفعها: حماية المدنيين، وصون القانون الدولي، واحترام حقوق الإنسان. فإذا كانت هذه المبادئ تُعطَّل عندما يكون الضحايا فلسطينيين، فإن الأزمة لا تكمن في النصوص القانونية، بل في ازدواجية تطبيقها، وفي خضوع العدالة لموازين القوة والمصالح.
إن ما يجري في غزة يبدو محاولة لفرض واقع جديد بالقوة، واقعٍ يُراد له أن يُخضع شعبا بأكمله للحصار والخوف والدمار، وأن يجعل الحياة نفسها وسيلةً للضغط السياسي، بما يخدم مشاريع تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع الديمغرافي والجغرافي في القطاع حسب خطة الرئيس الأمريكي ترامب. إنها قبضة غليظة، مسربلة بدماء الأبرياء، تُمارس أمام أنظار العالم الذي يكتفي في كثيرٍ من الأحيان بالمشاهدة، أو يختبئ خلف لغة دبلوماسية لا توقف حربا، ولا تنقذ طفلا، ولا تعيد الحياة إلى مدينةٍ تُمحى معالمها يوما بعد يوم.
لقد آن الأوان لأن يدرك العالم أن السلام لا يبدأ بتغيير الأسماء، ولا بإنشاء المجالس واللجان، وإنما يبدأ بإرادة حقيقية لوقف الحرب، وحماية المدنيين، وإنهاء الحصار، وإعمال العدالة، والاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في الحرية وتقرير مصيره وفق القانون الدولي، فكل مشروع لا يضع الإنسان الفلسطيني وحقوقه في صلب معادلة السلام، سيظل مجرد عنوان جميل يخفي وراءه واقعا أكثر قسوة.
واليوم، تبدو غزة وكأنها تقف على المقصلة، بينما تقف فلسطين كلها أمام لحظة تاريخية فارقة، تتشابك فيها الدماء مع السياسة، ويُختبر فيها ضمير الإنسانية، وسيبقى السؤال معلقا أمام العالم: هل يريد سلاما حقيقيا يقوم على العدالة والحقوق، أم سلاما بالاسم فقط، بينما تستمر الحرب بالفعل؟ ويستمر معها المخطط الإجرامي الصهيوأمريكي لتشكيل المنطقة على مقاس أعداء الشعوب”.








