رؤى

تراجعات الدعاة وتطور مواقف السعودية من الوهابية والإخوان

 

خرج العديد من «الدعاة السلفيين» علينا خلال الشهور الأخيرة؛ ليعلنوا لأنصارهم وللمسلمين عموما، اعتذارهم عن ماضٍ أدركوا – فجأة – أنهم قد جانبهم الصواب فيه، وكيف أنهم غلبت عليهم العجلة وحب الظهور، وانحرفوا عن الفهم الصحيح للشريعة، وهو الأمر الذي أثار جدلًا واسعًا اتسم بالتشكيك في مصداقية هذه التراجعات.

يعلم القاصي والداني أن هذا التحول المفاجئ في رؤى ومواقف العديد من دعاة السلفية هو محض استجابة تحاول أن تتماشى مع التحول الفكري والسياسي الجاري مؤخرا في المملكة العربية السعودية لمحاولة إظهارها كدولة مدنية لا كدولة دينية، وهو مجال لحديث طويل آخر.

  وصلت حالة الاعتراف والندم إلى ذروتها مع تصريحات آخر هؤلاء المتراجعين وهو الداعية السلفي «أبي إسحاق الحويني»، إذ يقول الداعية أنه «أفسد كثيراً من الشباب، وجنى على الناس بحماسته، وأنّه في بداياته كان متسرعاً حماسياً يحب الشهرة»، أما حالة انعدام المصداقية فتصل إلى أقصاها مع تبريره الذي يقول فيه أنه لم يكن يعرف «أن الأحكام الشرعية درجات»، وأنّه لم يكن يفرق «بين المندوب والواجب»، وهى بديهيات معرفية ومنهجية في علوم الدين لا تغيب عن دارس ناهيك عن «داعية»، ننأى بالشيخ عن الوقوع فيها رغم اختلافنا معه في الكثير مما يذهب إليه من فتاوى وأحكام وآراء فقهية.

تراجع الشيخ أبو إسحاق الحويني واعترافه بأخطائه العلمية

 هذا المقال يطرح سؤالا قد يساعد على فهم الأساس المعرفي للعقلية السلفية بشكل أعمق: هل هذا التراجع الفكري الجماعي لدعاة السلفية هو مجرد حالة عارضة في تاريخهم أم أن التحول والتراجع والتأرجح الفكري حسب اتجاهات المصلحة هو سمت أصيل في منهجهم في التفكير وفي الممارسة؟ وذلك من خلال عمل مقاربة تاريخية تسلط الضوء على بعض مواقف هذا التيار الذي بدأ يتشكل مع حقبة الإمام «أحمد بن حنبل» وما عرف بمدرسة «أهل الحديث» ووصولا إلى التيارات والمدارس السلفية المتنوعة والمنتشرة حاليا.

من إمارة «القرشي» إلى «إمارة المتغلب»

-الحقيقة أنّ إطلالة سريعة على بعض مواقف هذا التيار – الذي بدأ يتشكل كما أشرنا مع الإمام «أحمد ابن حنبل» ومن يصفهم البعض بـ «غلاة الحنابلة»، مرورًا بـ «ابن تيمية» وتلميذه «ابن القيم»، ووصولًا إلى «محمد بن عبد الوهاب» والسلفيين حتى اليوم – تضفي الكثير من الشك على صدق هذه التراجعات، فهذه المدرسة هي التي أصَّلت – حسب دراسات – لمفردة «القرشية» في البداية كمفردة بارزة تعبر عن فكرة «الخلافة»، ثم حولت هذه المفردة إلى مفهوم فقهي في مواجهة «الخوارج» سياسيا، ثم تحول المفهوم إلى نص شرعي أكد عليه الإمام «أحمد بن حنبل» حين ذهب إلى أن: «الخلافة في قريش، لا ينازعهم عليها أحد، ولا نقر لأحد غيرهم بها إلى يوم القيامة».

لكن مع حلول النصف الثاني –تقريبًا- من الحقبة العباسية ومع المتغيرات السياسية التي حدثت؛ لتصبح سلطة الحكم في ذلك الوقت «بويهية فارسية» ثم «سلجوقية تركية»، التف هذا الخطاب على قناعاته السابقة (فكرة القرشية) واخترع مصطلح «إمارة المتغلب» و «خلفاء الضرورة» بهدف إضفاء الشرعية على النظم الحاكمة الغير قرشية، وهو ما عكسته في ذلك الوقت كتابات «أبي يعلى» فقيه الحنابلة.

طبقات الحنابلة لـ «محمد بن أبي يعلى الفراء البغدادي الحنبلي أبو الحسين»

المملكة والإخوان: من «الاحتضان» إلى «التبديع»

-في فترة الخمسينيات والستينيات احتضنت المملكة العربية السعودية «الإخوان المسلمين»، وهو الاحتضان الذي كانت له أسبابه الواقعية، والتي يقع في القلب منها سعي المملكة لمواجهة (المد الناصري الثوري)، خصوصًا وأنّ الرئيس «جمال عبدالناصر» كان قد ناصب الملكيات العربية العداء، وكان يصفها بالرجعية، وفي ذلك الوقت كان «الإخوان المسلمون» أشد أعداء الرئيس «عبد الناصر»، فكان احتضان السعودية للإخوان من منطلق أن «عدو عدوي صديقي» وفي ذلك الوقت حدثت عمليات تأثير وتأثر كبيرين بين «الإخوان» الذين ذهبوا إلى السعودية وبين أقطاب الفكر الوهابي.

الإخوان المسلمين في السعودية

وبطبيعة الحال كانت علاقة علماء السعودية -أصحاب المنهج السلفي الوهابي- جيدة للغاية بالإخوان آنذاك وتتسم بالتعاونية، لكن مع الغزو العراقي للكويت وموقف «الإخوان المسلمين» من التحالف الدولي ضد (العراق)، بدأت بوادر أزمة تتشكل بين (السعودية) وعلمائها ودعاتها من جهة و«الإخوان المسلمين» من جهة أخرى، فشنت هجمة شرسة على الجماعة، وهو ما جسده هجوم «ابن باز» على جماعة الإخوان، وتحريم «الألباني» الانضمام إليهم؛ باعتبارهم بعيدين عن أهل السنة.

كما ألقى الداعية السلفي المصري «أبو إسحاق الحويني» العديد من الدروس التي حذر فيها من «جماعة الإخوان» ووصفهم بأنهم من أهل البدع، هذا فضلًا عن هجوم جمعية (أنصار السنة المحمدية) عليهم، تلك الجمعية التي أسسها «محمد حامد الفقي» وتعتبر من الجمعيات التي تمثل امتدادًا للفكر السلفي الوهابي بمصر، ولا يخفى الدعم الذي حظيت به من قبل المملكة منذ إنشائها، فضلًا عن أن أبرز مؤسسيها – من الجيل الأول والثاني- كانوا أعضاء هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية، مثل: «عبدالعزيز عفيفي» و «محمد خليل هراس» من قبل أن تصدر الجمعية كتاب «إثبات فساد منهج ودعوة حسن البنا وجماعة الإخوان» في أعقاب الغضب السعودي من موقف «الإخوان» إزاء التحالف الدولي؛ لتحرير (الكويت).

كتاب «إثبات فساد منهج ودعوة حسن البنا وجماعة الإخوان» الصادر عن جمعية «أنصاؤ الصنة المحمدية»

 من طاعة الحاكم إلى الاحتفاء بسقوطه

-وبطبيعة الحال لا يخفى على أحد المواقف المتناقضة للتيارات السلفية بمختلف مشاربها قبل ثورة يناير 2011م بمصر وأثنائها وبعدها، وخير دليل على ذلك موقف «أسامة القوصي» الذي تحول من عدم جواز معارضة ولي الأمر مطلقًا -يقصد «الرئيس مبارك»- ووجوب طاعته أيًّا كانت أفعاله، إلى كون الثورة مكافأة إلهية ونصرة للمظلومين.

وكذلك «محمد حسان» صاحب المواقف الكثيرة المتناقضة، فهو قبل الثورة كان يمدح «الرئيس مبارك» ويثني عليه، وليس أدل على ذلك من تصريحاته عن مواقف «مبارك» من قضايا الأمة وإفتائه بحرمة التظاهر والخروج على الحاكم، لكنه وفي 19 فبراير بعد تنحي «الرئيس مبارك» قال: إنّه فرح وهو يشاهد صورة «مبارك» يتم إزالتها؛ لأن الإله هو الرب الواحد، ومبارك كان يُؤله نفسه، ثم قال: «لطالما صرخنا مرارًا وتكرارًا ولكن هيهات، قلّ من يتعظ وقلّ من يعتبر».

محمد حسان قبل وبعد الثورة المصرية

وكذلك لا يخفى موقفه من «القذافي» وثنائه عليه أثناء حكمه وزيارته له عام 2008م، وتصريحاته عقب سقوط القذافي وقوله: «لقد سقط الطاغية».

هذا فضلًا عن موقف الدعوة السلفية السكندرية «المبهم» من الثورة؛ حيث أعلنت عدم مشاركتها، واستنكرت ما وصفتها بأعمال التخريب، وأطلقت حملة لعدم المساس بالمادة الثانية من الدستور، وعقب تنحي «مبارك» تعاطفوا مع الثورة، وبرروا عدم مشاركتهم بأنها؛ رغبة في عدم كشف ما وصفوه «الطابع الإسلامي» للثورة.

وحدث تحول كبير بعد الثورة وحتى اليوم فيما يتعلق بهذه الدعوة؛ حيث شاركوا في المجال العام، وأسسوا «حزب النور» تلك الممارسات التي كانت محرمة قبل الثورة! حيث تحول مقصدهم من «التربية والتزكية» إلى «تطبيق الشريعة»باعتلاء السلطة والمشاركة في الحكم.

وفي هذا السياق أشار الباحث الكبير الدكتور «محمد حافظ دياب» في كتابه الماتع «نقد الخطاب السلفي» إلى أنّ الإشكالية هنا تكمن في أنّ «التيار السلفي» انخرط بسرعة هائلة في العملية السياسية، اعتمادًا على تكويناته التنظيمية، في الوقت الذي لم تُقدم رموزه الفكرية مراجعات جادة وحقيقية وضرورية؛ كي يكون هذا التحول الكبير مؤسَسًا على قواعد منهجية وأُطر فكرية واضحة، تستند إلى معطيات الفقه المقاصدي وفقه المآلات، فأصبحت الديمقراطية بالنسبة لهم مجرد نظام سياسي انتقالي يستهدف تطبيق الشريعة.

محمد حافظ دياب، وكتابه «نقد الخطاب السلفي»

والحاصل هنا أنّ التحول الكبير نحو الممارسة السياسية لدى السلفيين لم يكن يوما مؤسَسًا على إيمان حقيقي بالسياسة بمفهومها المدني الحديث، وإنما هو محض انتهازية سياسية وتماشٍ مع الواقع واستهداف للمصلحة.

كل ما سبق من معطيات في سياق المقاربة التاريخية التي تحمل إشارة إلى أن التقلب والتغير في المواقف والتراجع عن بعض القناعات كموائمة لواقع سياسي هي سمة أصيلة ومكون بنيوي لهذا التيار، فضلا عن التحولات والتغيرات التي تشهدها المملكة العربية السعودية، ونهجها الجديد الذي يحاول تغيير نظرة العالم إليها بما يرفع عنها تهمة كونها الحاضنة الرئيسية للإطار النظري والفكري الذي يتشربه ويتشبع به المتطرفون والإرهابيون، يشير إلى أنّ التراجعات التي سمعنا عنها مؤخرًا من «دعاة سلفيين» لا يمكن أخذها على محمل الجد، حتى إنّ الداعية «عائض القرني» عندما أعلن عن اعتذاره عن الأفكار المتطرفة التي ساهم في نشرها على الهواء مباشرة في أحد اللقاءات على إحدى القنوات التلفزيونية، ربط ذلك بالتوجه الجديد الذي ينتهجه الأمير «محمد بن سلمان» وقال أنه الآن مع الإسلام المعتدل الوسطي المنفتح على العالم الذي نادى به الأمير محمد بن سلمان!

عائض القرني يعتذر باسم الصحوة للمجتمع السعودي عن الأخطاء التي خالفت الكتاب والسنة

محمد فوزي

باحث في العلوم السياسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق