ثقافة

سفينة الحمقى

«سلم تريستان نفسه وهو متنكر في ثوب مجنون، لبحارة قاموا بإلقائه على ضفاف نهر الكورنوي وعندما مثل أمام الملك مارك لم يعرفه أحد ولم يعرف أحد من أين أتى، لكنه كان يلهج بكلام غريب، مألوف وبعيد، لقد كان يعرف كل شيىء عن أسرار المألوف إلى الحد الذي جعلهم يشكون في انتمائه إلى عالم القريب، إنه لم يأت من الأرض الصلبة، بمدنها الصلبة، وإنما هو آت من القلق المتزايد للبحر، لتلك السبل المجهولة التي تخفي الكثير من المعارف، من تلك السهول الرائعة في اتجاه العالم، وكانت إيسوت أول من أدرك أن هذا المجنون هو ابن البحر» .. من أسطورة «تريستان» التي تروي عن قصة حب أسطورية شاعت بأوروبا بأكملها منذ القرون الوسطى وجمعت بين تريستان وإيسوت ومستوحاة من عوالم «سفينة الحمقى».

«سفينة الحمقى» .. تلك السفينة التي داعبت المخيال الأوربي على امتداد عصر النهضة وأفاض المبدعون على إختلافهم في وصفها، وصاغوا حولها الكثير من الأساطير والأعمال الأدبية واللوحات الفنية والمقطوعات الموسيقية الخالدة، تُرَاهَا محض خيال فني؟ أم أنها واقع تاريخي عاشه الإنسان الأوربي ومثل وخزة عانى منه ضميره الإنساني، فما كان منهم إلا أن عبروا عن ذلك القلق بمختلف أشكال وصور التعبير الفنية؟ وإن كانت «سفينة الحمقى» وليدة واقع عاشه الإنسان الأوربي فما هى أبعاد قصة تلك السفينة؟

يبحر الفيلسوف الفرنسي «ميشيل فوكو» في كتابه «تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي» في عالم الجنون وكيفية تعامل المجتمعات الأوربية معه ورحلة نمو الأشكال العلاجية المختلفة التي أعقبت العصر الكلاسيكي والإعلان عن ميلاد «المريض المجنون» الذي سيخلف المجنون «الدرويش والوحش والشاذ».

«تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي» للفيلسوف الفرنسي «ميشيل فوكو»

يتناول الكتاب الذي ترجمه إلى العربية الباحث المغربي المتخصص بعلم السيميولوجيا الدكتور «سعيد بنكراد» رحلة تاريخية طويلة مسكونة بالعسف والإقصاء والهمجية وممارسات السحر والشعوذة والطقوس الاستنائية والعوالم الرمزية وكل الصور المخيالية التي ارتبطت بعالم الجنون وكافة أشكال النبذ والإقصاء التي تعرض لها «المريض المجنون» حتى تمكنت المجتمعات الأوربية بعد رحلة شاقة من الوصول لمنظومة صحية تعترف بحق هؤلاء المرضى بالعلاج داخل المؤسسات العلاجية، ومن ثم تم تأسيس المستشفيات المتخصصة لاستقبالهم.

من الفصل الأول من كتاب فوكو «تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي»

سفينة الحمقى

التخلص من «الحمقى أو المجانين» والإبحار بهم بعيدا عن المدن الرئيسية فيما عرف «بسفينة الحمقى» مثل واقعا تاريخيا عاشته المدن الأوربية حيث كان يتم تسليم «الحمقى .. المجانين» إلى عدد من البحارة يبحرون بهم بعيدا عن المدن في رحلة من التيه يظل فيها المريض محتجزا  داخل السفينة لا يستطيع فكاكا منها، مسجون داخل عالم البحار، ذلك العالم الذي يحمل رمزية كونه الأكثر حرية وانفتاحا يتحول ليصبح سجنا لركاب تلك السفينة!!.

ارتبط إبحار الحمقى في المخيال الأوربي بتلك السفينة التي ربطت بين الحمق والماء، وباتت السفينة ترمز إلى القلق وظهرت مجموعة من الكتابات الأدبية والحكايات التي اتخذت من شخصية الأحمق والأبله والغبي تيمة أساسية داخل العديد من الأشكال الهزلية داخل عالم المسرح، فبات الجنون وسيلة للتذكير بحقيقة البشر.

عبر لسان المجنون أو الأبله ولغتهما التي لا تنتمي لعالم العقل يتم فك قيود العقل وتُطرح حكايات الحب وواقع الحياة والأشياء ويتم تنبيه الناس للموت، ومن ثم أتت أبدع الأعمال الأدبية والفنية خلال العصر الكلاسيكي التي جعلت من الجنون أمرا كونيا يشكل مع الموت وحدة واحدة.

«سفينة الحمقى» للرسام الهولندي هيرونيموس بوش

«نحن أنذال هزل مرتخون .. شيوخ حسادون وبذيؤ اللسان .. لا أرى سوى الحمقاوات والحمقى .. إن النهاية في واقع الأمر قد اقتربت .. كل شيىء سىء» .. هكذا تنبأ أوستاش دوشان.

قصيدة برانت

تجربة الأحمق لم تقتصر على الأعمال الأدبية بل انها تخللت كافة أشكال التعبير الفنية، فكان الفن التشكيلي يحيل إلى النص الأدبي والعكس صحيح، وكانت «رقصة المجانين» تيمة واحدة نجدها في الحفلات الشعبية وفي العروض المسرحية وفي النحت، وتعد قصيدة «سفينة الحمقى» الخالدة لسيباستيان برانت من أشهر الأعمال الأدبية التي انطلقت من عالم الجنون وسفينته، واستلهمها فيما بعد العديد من الأدباء والفنانيين، فجاءت بعض لوحات بوش على سبيل المثال مستوحاة من أناشيد قصيدة برانت.

سيباستيان برانت. قصيدة «سفينة الحمقى»

خصص برانت النشيد الأول من قصيدته للكتب والعلماء: «أنتم أيهاء العلماء الذين تتمتعون بصيت كبير .. التفتوا وراءكم لتتأملوا ميراث الأقدمين وقانونهم .. كتب للفكر لا تتغذى من ضيق الذهن .. بل من القلب، الذي هو مركز النبل» .. قدم برانت رجال العلم من النحويين والشعراء والبلاغيين والمؤلفين والقانونيين والفلاسفة تجللهم اللحية والمعطف، ومن بعدهم يأتي «فريق مهرول وكثير العدد يتألف من رجال الدين».

الجنون عند برانت يمثل حقيقة المعرفة لذا قد تصير المعرفة بلا قيمة فتضيع وسط غبار الكتب والمناقشات التافهة ومن ثم يتحول العلم وفقا له إلى جنون من خلال غلو العلوم المزيفة، وطبقا لتلك التيمة التي كانت مألوفة لمدة طويلة في الهجاء الشعبي، يبدو الجنون وكأنه عقاب هزلي للمعرفة وافتراضاتها الجاهلة.

يواصل الأدباء والفنانين نقد مجتمعهم عبر استلهام تيمة الجنون واستحضار نبوءة نهاية العالم وذلك الصراع المجتمعي الذي غاب فيه العقل وغابت معه العدالة: «لقد طار العقل والعدالة إلى السماء .. ومكانهما تربع اللصوص .. والكراهية والحقد والدم والمذابح» .. هكذا عبر رونسار.

بيير دي رونسار

الجنون طريق للوصول إلى الله

اقترن خلال العصر الكلاسيكي العقل بالجنون وأصبحا منتظمين داخل علاقة أبدية لا فكاك منها، ومع القرن السادس عشر انتعشت وفقا لمشيل فوكو التيمة المسيحية الكبرى القائلة بأن: “العالم جنون في نظر الله» وتعد «الرسائل الكورنثية» التي كتبها القديس بول تأويلا خاصا للعقيدة المسيحية، وقد أثارت الكثير من الجدل والدهشة واستعادها نيتشه ووظفها في تأملاته الفلسفية.

 وتطرح الرسائل الكورنثية فكرة تتعلق بأن «التخلي عن العالم يعد جنونا وكذلك التخلي الكلي عن إرادة الله»، ومن ثم سيكون ذلك البحث عن الله الذي بات تيمة أساسية لدى المتصوفة جنونا من نوعا جديد.

القديس بولس

تناول تولر تجربة البحث عن الله مشيرا إلى أنه مسار يقود إلى جنون معتم يستحق الرثاء: «تتهادى السفينة الصغيرة وسط الأمواج، وكالإنسان تجد نفسها في حالة ضياع، حينها ستنبعث داخله كل صور البؤس»، ويتناول نيكولا دوكوس التجربة ذاتها لينتهي إلى أنه «عندما يتخلى الإنسان عن المحسوس، ستصاب روحه بالجنون»، أما إيرازم فقد رأى «أن الله قد أخفى عن الحكماء أسرار الخلاص، وهو بذلك أنقذ العالم من خلال الجنون ذاته».

تحت تأثير الفكر المسيحي – وفقا لفوكو – سيصبح الجنون شكلا من أشكال العقل ذاته، فأين سيقع الجنون إن لم يكن ذلك داخل العقل ذاته باعتباره شكلا من أشكاله أو مصدرا من مصادره؟ .. هنا يصبح الجنون بمثابة تقديس للعقل، لأنه يعد جزءا من هذه الجهود التي يبذلها العقل، فحيوية الصور وعنف الهوى وانكفاء الذهن على نفسه التي تعد من الأشياء الدالة على الجنون تعد بذات الوقت أدوات العقل الأكثر حدة.

يستشهد فوكو بأعمال شكسبير التي يرى أنها تتضمن حالة من التماهي بين الحماقات والموت والجريمة، فالجنون لديه يحتل مكانه هامة، فالفراغ الذي يملأه يتجسد في مقولة طبيب السيدة ماكبث «شر يتجاوز ممارستي، إنه امتلاء الموت الذي لا يلزمه طبيب، إنما يحتاج فقط لرحمة الله».

ليدي ماكبث

مسرحا للمسرح

يواصل المبدعون رحلتهم مع عالم الجنون وتأتي مسرحية «كوميديا الممثلين» لسكودوري كمحاولة لتأسيس «مسرحا للمسرح».. حيث يتضمن النص أوهام الجنون، فينقسم الممثلين إلى فريقين، يقوم فريق بدور الجمهور، وفريق أخر بدور الممثلين، بالإعتماد على ديكور يتخيل الممثلين أنه ديكور واقعي، وأن ما يقدمونه هو لعبة الحياة.

أنها لعبة مزدوجة كل عنصر بها موزع على كيانين مشكلا بذلك تبادلا متجددا بين الواقع والوهم الذي يشكل بذاته المعنى الدرامي للجنون، ما جعل موندوري في تقديمه لمسرحية سكودري يندهش لحد الصدمة: «لا أدري بالضبط إلى أي حد وصلت غرابة أصدقائي، ولكني أقدر أنها كبيرة جدا، إلى الحد الذي يدفعني إلى الاعتقاد بأن هناك سحرا ما سلبهم عقولهم، والأخطر من ذلك أن هذا السحر يدفعهم إلى جعلي أتخلى عن عقلي أنا أيضا وتتخلون عن عقولكم أنتم أيضا، أنهم يريدون إقناعي بأنني لست على خشبة المسرح، وأن مدينة ليون توجد هنا في هذا المكان، وأن هناك فندقا، وأمامنا لعبة الكف، وهناك ممثلون ليسوا نحن، ومع ذلك نحن هم ونقوم بتمثيل مسرحية رعوية».

عرض مسرحي

هكذا تمكن مبدعو أوربا من استلهام عالم الجنون في محاولة للتطهر من ذلك العبء النفسي الثقيل الذي توارثه هؤلاء المبدعون والناجم عن طريقة تعامل الأوربيين في العصور الكلاسكية مع «الحمقى والمجانين» بواسطة تلك السفينة التي كانت تتيه بهم داخل مياه البحار دون شاطىء أو مرسى، فبات الجنون وكأنه جزء أصيل من التخيل الروائي والمسرحي يهيم في الطرقات بحثا عن الخلاص، وكما عبر فرانسوا كوليتي: «لمحت في هذا الشارع .. بريئا يتعقبه الأطفال .. تأمل أيضا ماذا سيفعل .. بكل هذا العدد الكبير من الأسمال .. رأيت من يتغني بشتم تلك المجنونات الفظات».

وللحديث بقية،

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock