رؤى

تفاصيل اغتيال «الموساد» لعالم الذرة المصري يحي المشد

لقد اكتشف الموساد الإسرئيلي أن فرنسا على وشك شحن قلب المفاعل النووي العراقي إلى بغداد، حيث قامت بوضعه في مخزن حربي بإحدى المدن الفرنسية. وضع عملاء الموساد عبوتين ناسفتين لتدمير المكان، إلا أنها لم تدمره بالقدر الكافي، حيث قرر العراق ترميمه، وفي الوقت نفسه استطاع الموساد اختراق مفوضية الطاقة الذرية الفرنسية، واستطاع تحديد شخصية عالم مصري بارز، وهو يحيى المشد، يعمل بالمفاعل النووي العراقي في باريس، وعرضت عليه المخابرات الإسرائيلية الجنس والمال والسلطة، مقابل تبادل معلومات حول المفاعل، وعندما وجد الموساد أن المشد يرفض التعاون معهم قرروا القضاء عليه. وفي يوم السبت الموافق 14 يونيو 1980، حجز الدكتور المشد في فندق ميريديان باريس، لكن عملاء الموساد دخلوا غرفته وقتلوه.

 

 

فيلم وثائقي يكشف الحقائق

رغم أن أصابع الاتهام في اغتيال عالم الذرة المصري يحي المشد عام 1980، كانت تشير منذ البداية لتورط الموساد في عملية اغتياله، إلا أن إسرائيل لم تعترف بدورها في هذه الجريمة إلا منذ سنوات فقط، بعد رفع حظر النشر عن الوثائق السرية المتعلقة بضرب المفاعل النووي العراقي، فقد كشفت إسرائيل عن هذه الوثائق السرية، وتم السماح لأول مرة لضباط العملية ومهندسيها وطياريها بالتحدث أخيرا عن رواياتهم للواقعة، وذلك عبر فيلم تسجيلي مدته 45 دقيقة، عرضته قناة «ديسكفري» الوثائقية الأمريكية. عنوان الفيلم «غارة على المفاعل»، تم تصويره بالتعاون مع الجيش الإسرائيلي. وفي هذا الفيلم الوثائقي، ذكر المشاركون في ضرب المفاعل النووي العراقي عام 1981، تفاصيل العملية على لسان الطيارين الذين قادوا الطائرات الإسرائيلية، ثمان طائرات من طراز «إف-16»، التي كانت وقتها من أكثر الطائرات تطورا في الترسانة الحربية الأمريكية.

عند الدقيقة 12:23 بدأ الفيلم الحديث عن عملية اغتيال العالم المصري يحي المشد، ورغم أن الفترة التي استغرقها الفيلم للحديث عن هذا الأمر أقل من دقيقتين – من الدقيقة 12:23 الى الدقيقة 14:12-، ألا أن الاعتراف الذي جاء في الفيلم، بمسئولية الموساد عن اغتيال العالم المصري، لا يشوبه أي شائبة من الشك، لقد ذكر الفيلم على لسان كبار القادة الإسرائيليين كل التفاصيل المتعلقة بالاغتيال الجبان (صوت وصورة). وجاء الاعتراف باغتيال المشد باعتباره «خطوة تأمينية ضرورية لضمان القضاء الكامل على المشروع النووي العراقي»، وعندما لم يوقف اغتيال الدكتور المشد العراق عن استكمال بناء المفاعل، كان الخيار الوحيد لدى القيادة الإسرائيلية، ضرب المفاعل النووي العراقي .

رواية الموساد

هناك روايتان للكيفية التي تمت بها عملية الاغتيال، وكل رواية تذكر ملابسات وسياقات مختلفة لا تخلو من دلالات، فرواية الفيلم الوثائقي على لسان الموساد الإسرائيلي تُلمح إلى أن الدكتور المشد استقبل عاهرة فرنسية ساعدت في عملية الاغتيال، يقول الفيلم: «في يوم السبت 14 من يونيو 1980، أقام د. يحي المشد بفندق مريديان الفخم في باريس، الموساد الأشرار أرسلوا فتاة مصاحبة لغرفة ذلك المسكين، عندما فتح الباب نحروا عنقه، لم يسرقوا شيئا، كانت هناك عاهرة بالممر، ورغم أنها هربت ألا أنها اتصلت بالشرطة، وقبل أن تتمكن من الإدلاء بأقوالها في التحقيق دهستها سيارة مرسيدس سوداء واختفت، فقتلت قبل أن تذكر أي شئ».

ويؤكد مسئول كبير بالموساد: «حدثت نجاحات كثيرة على مدار العملية، ولا يمكنني الإفصاح عن التفاصيل، لكن ذلك قد تم».

لقد اعترف الموساد باغتيال العالم المصري يحي المشد، لكن هذا الاعتراف لا يمكن أن يكون مجانا، فالصهاينة لم يعتادوا أن يقدموا أي شيء بلا مقابل، فما دام الموساد قد اعترف، فلماذا لا يستفيد من هذا الاعتراف، ويجعله بمثابة إنذار وتخويف لكل من يحاول التصدي لمهمة مشابهة؟، يقول المعلق: «خلال عملية إنشاء المفاعل ذكرت عدة وكالات أنباء أن ما يقرب من 12 عالما نوويا يعملون على المشروع أزهقت أرواحهم، وألقي اللوم بالعديد من الجرائم تلك على الموساد»، ويستطرد مسئول إسرائيلي: «الموساد أراد توصيل رسالة تثبت أن باستطاعته فعل أشياء، وقد فعلوها».

 

الدكتور يحي المشد

ما قبل اعتراف الموساد

الرواية التي انتشرت قبل ظهور الفيلم الوثائقي، ومن ثم اعترافات الموساد، تأتي معتمدة على روايات بعض شهود الواقعة ــ على قلتهم ــ أو المقربين من الدكتور المشد كزملائه أو تلامذته.

وأول ما يثير الشكوك أن الفرنسيين صمّموا على أن يأتي المشد بنفسه ليتسلم شحنة اليورانيوم، رغم أن هذا عمل يقوم به أي مهندس عادي، كما ذكر لهم المشد في العراق، إلا أنهم في بغداد وثقوا فيه بعدما استطاع كشف عدم مطابقة شحنة اليورانيوم التي أرسلتها فرنسا للمواصفات، وبالتالي أكدوا له أن سفره له أهمية كبرى. ونحن نعرف الآن، بعد الفيلم الوثائقي، أن الموساد استطاع اختراق مفوضية الطاقة الذرية الفرنسية، وعن طريقها تعرفوا على المشد باعتباره أحد العلماء البارزين في المفاعل الذري العراقي.

تبدأ روايتنا من هنا، لقد خطط الموساد للعملية، وعمل على جلب المشد الى فرنسا لاغتياله. تقول الرواية إن الدكتور المشد نزل بفندق مريديان باريس في يوم الجمعة 13 من يونيو 1980، وعندما دخل الى استقبال الفندق كانت الغانية ماري كلود ماجال وشهرتها ماري إكسبريس، تنتظر بصالة الاستقبال، وما إن رأته متوجها الى المصعد، حتى تبعته وركبت معه وظلت تغريه وهو لا يستجيب، خرجت من المصعد خلفه وصارت تلاحقه، لكنه أسرع الخطى ودخل غرفته وأغلق الباب. وأكدت ماري كلود ماجال في شهادتها أنه رفض تماما مجرد التحدث معها، ولما ألحت صرخ فيها من داخل الغرفة قائلا: «امشي يا بنت الــ…»، وأضافت أنها رغم ذلك ظلت تقف أمام غرفته لعله يغيّر رأيه، حتى سمعت ضجة بالحجرة، نتيجة ما يبدو أنه شجار… ولم يمض وقت طويل، فبعدها بأيام قليلة، قُتلت العاهرة ماري ماجال وهي الشاهدة الوحيدة، دهستها سيارة مرسيدس سوداء، لم يعثر على السيارة أبدا.

يقول الكاتب الصحفي عادل حمودة، مؤلف كتاب «الموساد واغتيال المشد» في تصريح لبرنامج «سري للغاية»، الذي كان يقدمه الإعلامي يسري فودة: اعتقد أن التصور النهائي لما حدث، نتيجة الفحص الكامل لظروف الجريمة، أن دور ماري ماجال العاهرة كان قد انتهى بعد طرد المشد لها، لأن سيناريو الجريمة لم يكتمل على هذا النحو.

غلاف كتاب الموساد واغتيال المشد

وأضاف: «أنا في هذه الفترة كنت انزل في أوتيل متواضع جدا في الحي اللاتيني، أشاهد التليفزيون فلفت انتباهي أن هناك صور على الشاشة تشير إلى مقتل عالم مصري، بدأ الحديث عن أن هذا العالم دكتور في العلوم النووية، واسمه يحي المشد -لم أكن أعرفه أو أسمع اسمه من قبل-، وأنه كان يعمل لصالح العراق، ولكن لفت نظري طبعا أن ضابط البوليس الذي خرج من غرفة المشد، خرج ومعه فوطة -منشفة كبيرة للحمام-، عليها روج -طلاء شفاه أنثوي-، وغمز بعينه وقال نحن أمام جريمة عاطفية».

هكذا كان التخطيط للجريمة، أن تظهر على أنها جريمة عاطفية ترتبط بالجنس. وتقول بعض الروايات إن هناك من كانوا ينتظرون المشد داخل غرفته، دخلوا عن طريق «ماستر كي».. من أين أتوا به؟، الله أعلم، وبمجرد دخوله ضربه أحدهم بآلة حادة على رأسه، ثم نثروا بعض الملابس النسائية بأنحاء الغرفة، ولطخوا المنشفة وغيرها من الأغطية بطلاء أنثوي، وأعدوا مسرح الجريمة بحيث يتصور المحققون أن هناك شجار وقع بينه وبين عاهرة، أو أن قواد العاهرة قتله للخلاف على السعر، وفر هاربا مع عاهرته.

وباشرت الشرطة الفرنسية التحقيق في الجريمتين، وفي الحالتين -اغتيال الدكتور يحي المشد، أو مقتل الشاهدة الوحيدة-، فإن التحقيقات الرسمية التي قامت بها، لم تستطع أن تعلن الشرطة الفرنسية الحقيقة وراء اغتيال المشد، أو مقتل الشاهدة، ونسبت الجريمتين إلى فاعل مجهول.

 

قصة المشد مع العراق

تخرج يحي المشد في قسم الكهرباء بكلية الهندسة جامعة الإسكندرية سنة 1952م. اختير لبعثة الدكتوراة إلى لندن سنة 1956، لكن العدوان الثلاثي على مصر حوله إلى موسكو. تزوج وسافر وقضى في موسكو ست سنوات، عاد بعدها الدكتور يحيى المشد سنة 1963 متخصصاً في هندسة المفاعلات النووية.

عند عودته مصر انضم إلى هيئة الطاقة النووية المصرية، ثم انتقل إلى النرويج بين سنتيّ 1964 و1966، وعاد بعدها أستاذا مساعدا بكلية الهندسة جامعة الإسكندرية، وما لبث أن تمت ترقيته إلى أستاذ.

بعد حرب 1967، تم تجميد البرنامج النووي المصري، مما أدى إلى إيقاف الأبحاث في مجال تخصصه. وبعد حرب أكتوبر 1973 أصبح الوضع أصعب بالنسبة له حيث تم وقف أية أبحاث في المجال النووي. وكان توقيع صدام حسين في 18 نوفمبر 1975 اتفاقية التعاون النووي مع فرنسا، ما يشبه الإنقاذ لمستقبل الدكتور المشد العلمي، وفي العراق اهتم به صدام حسين، ووضع بين يديه جميع الإمكانيات، وأصبح المسؤول الأول عن برنامج العراق النووي.

عندما اغتيل الدكتور يحي المشد عادت أسرته الى مصر، وهذا أمر طبيعي، أما غير الطبيعي أن جنازته في بلده لم يحضرها أي مسئول، أو زملاؤه بكلية الهندسة إلا قلة معدودة. ويبدو أن توقيع «اتفاقية كامب ديفيد» حتمت علينا عدم إغضاب أولاد العم. كما أن العلاقات المصرية العراقية وقتها لم تكن على ما يرام لنفس السبب. ولم يسلط الإعلام الضوء وقتها على جريمة اغتيال المشد، وبقيت نتيجة التحقيقات أن “الفاعل مجهول”. وأصبح المشد واحداً من طابور لعلماء مصريين وعرب قتلهم الموساد.

الدكتور يحي المشد وأسرته

ولولا المعاش الذي كانت تصرفه دولة العراق، والذي كان يصرف للأسرة بناء على قرار جمهوري، نص على أن “يتم صرف راتب كامل لأسرة الشهيد المصري الدكتور يحيى المشد مدى الحياة” وعندما توقف صرف المعاش العراقي بعد احتلال القوات الأمريكية لأراضي العراق عام 2003، قالت أرملة العالم الدكتور يحي المشد: «طلبنا معاشا استثنائيا فخصص لنا زكريا عزمي 100 جنيه مصري!!».

زكريا عزمي

المصادر:

– المجموعة 73 مؤرخين، موقع على الإنترنت

-الفيلم الوثائقي “الغارة على المفاعل”

-برنامج “سري للغاية”، حلقة “اغتيال المشد”

-جريدة المصري اليوم، أعداد متفرقة

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: