رؤى

سعد زغلول مقامرًا

“ويلٌ لي لمن يطالعون هذه المذكرات من بعدي”. هكذا كتب سعد زغلول في مذكراته، وكأنه يتنبأ باستغلال صدقه الإنساني غير المعتاد من الساسة والمشاهير في تشويهه وتنفير الناس منه.

قبل أيام من ذكرى رحيله الثالثة والتسعين، أطل علينا داعية سلفي جهول يُدعى سيد العفان عبر يوتيوب، ليُندد بسعد زغلول ويشوه سيرته ويُكرر أنه كان يلعب الميسر، ولا يستحق أي تكريم أو تقدير.

ومثله كثر، بدءا من الإرهابي أيمن الظواهري في كتابه” فرسان تحت راية النبي”، ومحمد قطب ـ شقيق سيد قطب ــ في كتابه “واقعنا المعاصر”، وجميعهم إتكأوا على نص مذكرات الرجل ليُشهروا به بين العامة، لأنه ذكر صراحة أنه لعب القمار.

وكأن الصدق الإنساني، واستعراض التجربة وروايتها للناس باعتباره بشرا يصيب ويخطئ، ويُحسن ويُسئ، أمرا مُشينا دامغا، رغم أنه لكنه النهاية امتلك نفساً لوامة ترى الرذيلة رذيلة، وتندد بها وتجاهدها وتنتصرعليها.

سعد زغلول وقيادات حزب الوفد
سعد زغلول وقيادات حزب الوفد

هل لعب الرجل القمار؟ نعم. بكل تأكيد. هو يعترف بذلك، إذ يقول في الجزء الخامس من مذكراته لسنة 1913: “كنت قبل 12 سنة (1901) أكره القمار وأحتقر المقامرين وأرى أن اللهو من سفه الأحلام واللاعبين من المجانين، ثم رأيت نفسى لعبت وتهورت في اللعب وأتى عليّ زمان لم أشتغل إلا به ولم أفتكر إلا فيه ولم أعمل إلا له ولم أعاشر إلا أهله، حتى خسرت فيه صحة وقوة ومالا.”

وتمكنت منه العادة القبيحة، فكان يذهب إلى “الكلوب” كلما عاد من أوروبا ليلعب مع أصدقاءه، وكان كلما اعتزم إقلاعا عن العادة، لا يجد الإرادة الكافية لذلك، فُيلبي دعوة البعض للعب فيلعب.

واستمر سعد يقاوم الرغبة في القمار حتى سنة 1917، فيصرعها مرة وتغلبه مرات، حتى رأت حرمه السيدة صفية زغلول، شقيقه الراحل في المنام وقد ضعف حاله وترهل وانسحب الدم من وجهه، ودعاها أن تمنع زوجها من لعب القمار.

سعد زغلول وصفية زغلول
سعد زغلول وصفية زغلول

 كما رأى سعد نفسه مناما كان فيه يعدو ليلحق بقطار ما، وكان يحمل حملا ثقيلا ولا يقوى على الجري، لكنه في لحظة مواتية، ألقى بما يحمل ولحق بالقطار، وفسره بأنه يقلع عن اللعب، وهو ما حدث فعلا.

ماذا يُمكن أن نُسمي شخصا أخطأ فتاب، وجرجرته الحيرة نحو مكروه فصارعه، وعصى الله، فلم يُنكر ولم يكذب، وإنما اتخذ المعصية دافعا للتغير والإحسان، فصار جديرا بعظمة الجهاد، مستحقا لمحبة الناس، ورضا الله !!

هل هو مقامر أم مقاوم؟ صالح أو طالح؟ رجل يعرف الله ويجاهد ليرجع إليه أم يُنكره ويُصر على معصيته؟

لم يكُن الخطأ الإنساني أبدا نهاية، لم يكن سوء التصرف دليل انحطاط، ولم يكن ارتكاب معصية خاتمة سوداء لصاحبها، مادام مقرا بسوء عمله، نادما عليه، راغبا فى تصحيحه، ومُرشدا للأجيال القادمة نحو الأخلاق الحميدة.

بل إن الرجل انخرط في الفداء وعرض نفسه وما يملك لخطر القتل، ووجع النفي، واحتمالات السجن وهو يطلق أعظم ثورات التاريخ المصري.

إن قول سعد زغلول بخط يده أنه كان يلعب القمار، شهادة له لا عليه، أمر يزكيه لا يدينه، يحسب له لا عليه. أولا لأنه اعترف بذنبه، ونقد ذاته فلم يضعها محل الأنبياء، وثانيا لأنه اعتبر ذلك سوءا وخسرانا، اعترف به، وقاومه حتى غلبه. وثالثا لأنه قدمه للقراء من بعده كتجربة مقاومة يستفاد بها.

أليس هذا أفضل من شاتميه بعد رحيله؟ أليس هذا أنبل من ممثلين يدّعون العصمة والنبل ويُقدمون أنفسهم بأنهم رجال الله؟ مَن من زعماءنا فتح قلبه وتحدث بكل هذا الصدق في مذكراته؟

اقرأوا التاريخ بعيون الحس الإنساني، وأعيدوا الحكم.

والله دوما أعلم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: