فن

دون كيشوت المصري من الشاويش طلبة لعم عصفور

منذ أن أبدعها الكاتب الإسباني ميغيل دي ثربانتس في القرن السابع عشر الميلادي وحتى يومنا هذا٫ الهمت رواية “دون كيخوت” آلاف المبدعين في مختلف بلدان العالم.

صاغ ثربانتس ببراعة في روايته شخصية النبيل الإسباني الذي تأثر أيما تأثر بما قرأه من بطولات الفرسان، أبطال العصور الوسطى، خصوصا وأنه أنهك نفسه في القراءة والبحث في هذه الكتب القديمة حتى صار يحسب نفسه جزءا منها.

خرج دون كيخوت إلى عالم لا يعرفه بسبب عزلته الطويلة، خرج إلى المجتمع بفرس هزيل وسلاح قديم وهو يحسب نفسه فارساً كالذين قرأ عنهم غايته نصر المظلومين وإعادة حقوقهم المسلوبة.

لكن لأن الزمن لم يعد زمن الفرسان، ولكن دون كيخوت لا يدرك ذلك، على عكس تابعه البدين والبسيط سانشو الذي يدرك روح العصر ويرى الأمورعلى حقيقتها؛ فإن النبيل ينطلق ليقاتل طواحين الهواء ظنا منه أنهم فرسان أشرار ويقع في متاعب لا حصر لها بسبب إصراره على أن يعيش في زمان غير زمانه.

هذه الفكرة الإنسانية البسيطة والعميقة في نفس الوقت هي ما جعلت من هذه الرواية إحدى أكثر الروايات مبيعاً في العالم، وكان من الطبيعي أن يصل تأثيرها إلى مصر حيث سعى عدد من مبدعيها من الكتاب والفنانين لتقديم نسخة محلية من هذه الشخصية الخيالية.

وفي رأيي الشخصي أن دون كيشوت المصري تمثل في أعمال مبدعين مصريين رحلا عن عالمنا هما القديران : محمود مرسي وحسن عابدين.

فالأول قدم شخصيات شبيهة بدون كيشوت في عدة أعمال كان من أبرزها مسلسل “سفر الأحلام” للكاتب وحيد حامد والمخرج سمير سيف، حيث جسد شخصية موظف السكك الحديدية الذي أحيل إلى المعاش وتوفت عنه زوجته التي لم تنجب له أولاداً ويسعى إلى كسر وحدته وعزلته عن طريق تأجير غرف منزله لشباب قادمين من الريف إلى المدينة.

يبدو أنيس (محمود مرسي) في هذا العمل كدون كيشوت معاصر فهو يعيش في مجتمع تغيرت أوضاعه وأخلاقياته بقيم الزمن الماضي، ويسعى لحماية ضيوف داره الذين يعتبرهم أولاده على حد تعبيره من شرور هذا المجتمع.

وفي عمل آخر هو “الرجل والحصان” للكاتب محمد جلال عبد القوي والمخرج أحمد خضر تتبدى روح دون كيشوت مره أخرى، خاصة وأن البطل هنا فارس مثل النبيل الأسباني هو الشاويش طلبه (مرسي)، والذي يركب حصاناً عجوزاً مريضاً اسمه عنتر، ويسعى لإنقاذ هذا الأخير من قرار الإعدام الذي اتخذ بحقه من قبل قوات الأمن لأنه ببساطة قد بلغ من العمر أرذله ولم يعد قادراً على ملاحقة المجرمين.

يكتشف طلبه أنه وحصانه الذي أحبه صارا سواء في هذا الزمن الجديد الذي لا يوقر عجوزاً ولا يكافئ سنوات الخدمة الطويلة فيهرب الشاويش المخضرم على صهوة حصانه عله ينقذه من مصيره المحتوم.

لكن دون كيشوت ينتقل من الرمز إلى التصريح المباشر في عمل آخر لمرسي كتبه رائد الدراما التلفزيونية أسامة أنور عكاشة وأخرجه محمد فاضل هو “رحلة السيد أبو العلا البشري”.

هنا ومنذ البداية تطالعنا رواية “دون كيشوت” التي تزين مكتبة المهندس أبو العلا، مهندس الري الذي انزوى في إحدى قرى الريف المصري بحكم مهنته وانكب على الكتب التي تملأ مكتبته العامرة ينهل منها علماً وثقافة في مختلف المجالات.

لكن قراءات أبو العلا صورت له أنه مؤهل لأن يلعب دور المصلح الاجتماعي، وأن يعدل سلوك أقاربه في المدينة، وأن يعود بهم إلى القيم التي نسوها أو تجاهلوها في سباقهم المحموم على الثروة.

إلا أن ما لا يدركه أبو العلا شأنه شأن بطله دون كيشوت أنه لا يستطيع مواجهة الشر منفرداً ولا مجرداً من السلاح، لذلك يدرك بعد إخفاقات متتالية درساً ثميناً؛ وهو أن زمانه لم يعد زمن البطل الفرد وإنما هو زمن يحتاج إلى توحد كافة فرسان الخير والمؤمنين بالفضيلة مثله.

أما الفنان المخضرم حسن عابدين والذي أضحك الجمهور المصري وأسال دموعه لسنوات طوال من خلال أعماله على خشبة المسرح وعلى الشاشة الصغيرة على حد سواء، فعلى الرغم من أنه لم يلعب دور دون كيشوت أو يقدم عملاً مقتبس بشكل مباشر عن تلك الرواية إلا أن أعماله التلفزيونية خاصة في عقد الثمانينات حملت ملامح تلك الشخصية.

ففي أغلب الأعمال التي قدمها عابدين في تلك الفترة يمكن ملاحظة سمات محددة ومتكررة، فهو الأب المصري المكافح والعصامي والشريف ولكنه في ذات الوقت الأب المقهور تحت وطأة ظروف فرضتها سنوات الانفتاح؛ والتي أتت معها بقيم مغايرة تماماً لما يؤمن به هذا الأب.

ففي مسلسل “أهلا بالسكان” للمؤلف فيصل ندا يلعب عابدين دور عصفور أفندي الذي يكلفه مديره بتسكين بناية ضخمة مقابل أن يسكن في إحدى شققها مع أسرته.

هنا يدرك عصفور مدى التغير الذي أصاب المجتمع، ففي حين لا يستطيع هو الموظف الشريف الذي أفنى عمره في خدمة الوطن أن يدفع ثمن شقة في البناية لا يجد السكان الجدد من أثرياء الانفتاح أي مشكلة في دفع ثمنها الضخم بمقاييس تلك الفترة.

لكن عصفور لا يملك لا سيف دون كيشوت ولا حصانه الهزيل وبالتالي فهو أعجز من أن يدفع الشر أو يحمي أولاده منه.

لكن النموذج يبدو أكثر إيجابية في عمل آخر للمؤلف أسامة أنور عكاشة والمخرج محمد فاضل هو “في المشمش” حيث يجسد عابدين دور عبد الباري الموظف في إحدى محافظات مصر البعيدة عن العاصمة ومركزيتها.

يرفض عبد الباري أن تباع أرض المحافظة في واقعة فساد ضخمة، ويدفع ثمن موقفه هذا سجناً وتشريداً لكنه يستمر مع أسرته في تتبع الفاسدين ومجابهتهم.

هنا لا يبدو دون كيشوت المصري واهماً كنظيره الأسباني، يقاتل طواحين الهواء ولكنه يبدو مدركاً تماماً لواقعه ومصراً على الدفاع عن القيم والمبادئ حتى وإن بدا الشر أقوى وبدا هو بسبب سنه ووضعه في موقف أضعف.

الوسوم
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: