رؤى

الحاكمية.. الركيزة الأولى لجماعات الإسلام السياسى

يعد مفهوم الحاكمية أحد المفاهيم الرئيسية التى انطلقت منها كل جماعات الإسلام السياسى خاصة الجماعات الراديكالية التى تبيح قتال الحاكم والمجتمع بدعوى التكفير والحكم بغير ما أنزل الله وتقديم حاكمية البشرعلى حاكمية الله.

وبمثل هذه الرؤية غير المتبصرة بحقائق الدين والحياة سالت دماء غزيرة على مدار التاريخ الإسلامى، منذ موقعة ” صفين” بين على بن أبى طالب ومعاوية بن أبى سفيان.

يعرف دعاة الإسلام السياسي الحاكمية بأنها  “إفراد الله وحده فى الحكم والتشريع ” – ويستند هذا التعريف على تأويل لبعض آيات القرآن تأويلا خاصا يؤكد مفهومهم مثل قوله تعالى ” إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ولكن أكثر الناس لا يعلمون ” وقوله تعالى ” والله يحكم ولا معقب لحكمه ” وقوله تعالى ” ولا يشرك فى حكمه أحدا ” و” وما اختلفتم فيه من شىء فحكمه إلى الله ” ورغم تكرار كلمة ” الحكم ” فى هذه الآيات الكريمة فإنها لا تعنى ” نظام الحكم ” بل تعنى – طبقا لكبار المفسرين – ” القضاء ” بين المتخاصمين والحكم بينهم، وهذا ماكان يعنيه الخوارج أنفسهم عندما رفعوا شعار ” لا حكم إلا لله ” فى معركة صفين، بعد أن لجأ معاوية  إلى حيلة رفع ” المصاحف ” على الرماح بما يعنى تحكيم كلام الله في الخلاف بين المتحاربين بعد أن أصبحت هزيمة أنصاره وشيكة.

وهذا ماأدركه الإمام على وحذر منه أصحابه الذين انخدعوا بهذه الحيلة قائلا لهم: ” هذا كتاب الله بين دفتى المصحف صامت لاينطق ولكن يتكلم به الرجال ” لكن الخوارج – وهو الإسم الذي أطلق عليهم فيما بعد – لم يأبهوا بكلامه.

إحياء “الحاكمية”

أعيد إحياء مفهوم الحاكمية مرة أخرى فى العصر الحديث على يد أبى الأعلى المودودى الذى رأى فيما يفعله الانجليز فى الهند عدوانا على شريعة الإسلام حيث كانوا يستبدلون بها قوانينهم المدنية ونظامهم التشريعى، فكان رد فعله فى مواجهة ذلك رفعه لشعار ” لا حكم إلا لله “. وحين نضع هذا الشعار فى سياقه التاريخى يتأكد لنا بعده الوطنى لا الدينى بوصفه كان أداة لمقاومة المستعمر والحفاظ على الهوية – خاصة الهوية الإسلامية – المهددة من قبل الإنجليز. لكن النقلة الجوهرية فى مفهوم الحاكمية تأتى على يد سيد قطب حين رفع شعارها فى وجه سلطة ” وطنية ” لا سلطة ” مستعمر ” وحين وصف المجتمع كله بأنه يعيش فى جاهلية لأنه يرتضى بحاكمية البشر، ورأى فى مكتسبات الحضارة الحديثة من سلطات تشريعية وقضائية وتنفيذية معاداة للإسلام، الأمر الذى دفع شيخ الأزهر د.أحمد الطيب إلى الرد على هذا المفهوم بقوله ” لايجب تصديق من يقول إن قول الله تعالى ” ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ” تنطبق على الحكام لأنهم يحكمون بالبرلمانيات وبالقوانين المدنية فهؤلاء فهموا الآية على غير وجهها، لأن الآية تعنى من لم يعتقد بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون. ومعنى هذا أن شيخ الأزهر ينقل الآية إلى مجال العقيدة التى يكفر من يجحدها، ويبعدها عن مجال المعاملات – ومنها نظام الحكم – التى هى مجال واسع للاجتهاد البشرى حيث إن القوانين التفصيلية المعاصرة – كما يقول أحد الباحثين لا تتنافى مع الشريعة فى مقاصدها الكلية ولا أحكامها الجزئية لأنها قامت على جلب المنفعة ودفع المضرة، وقد كان المؤمنون يحكمون الرسول وهو بشر طبقا لقوله تعالى ” فلا وربك لايؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ” وكان يجتهد فى كثير من الأمور – خاصة الدنيوية – ويطلب الرأى والمشورة. وقد انتقل هذا الحق فى العصر الحديث إلى السلطة التشريعية التى منحت صلاحية إصدار القوانين لما يستجد من قضايا دون أن يتنافى ذلك مع مقاصد الشريعة.

المودودي
المودودي

إن عدم الأخذ بالقوانين الحديثة وغلق باب الاجتهاد والتعامل الحرفى مع الآيات القرآنية والأحاديث النبوية يعد إضرارا بالإسلام وتجميدا له وتبديدا لصلاحيته لكل زمان ومكان بفضل الاجتهاد والتأويل المستمرين وهذا ما أخذه الإمام محمد عبده على الحركة الوهابية حين يقول: ” إنهم وإن أنكروا كثيرا من البدع ونحوا عن الدين كثيرا مما أضيف إليه وليس منه إلا أنهم يرون وجوب الأخذ بما يفهم من لفظ الوارد والتقيد به بدون التفات إلى ما تقتضيه الأصول التى قام عليها الدين وإليها كانت الدعوة ولأجلها منحت النبوة فلم يكونوا للعلم أولياء ولا للمدنية أحباء ” ( نقلا عن ” الوسيط فى المذاهب والمصطلحات الإسلامية ” د.محمد عمارة ).

اغتراب الفكر السلفى

يعيش الفكر السلفى – فى الغالب – مغتربا عن عصره بدءا من الثياب التى يرتديها أتباعه وانتهاء بالأفكار التى يعتنقونها، بل إن بعض الجماعات السلفية حرمت التعليم داخل المدارس الوطنية بحجة أخذها بالمناهج الغربية، وحرموا الوظائف بحجة أن رواتبها تأتى بطرق ربوية، ناهيك – طبعا – عن رفض التجنيد والالتحاق بجهاز الشرطة باعتبار خريجيها حراس الطواغيت.

ولعلنا قد لاحظنا ما هيمن على المودودى من إحساس بالاغتراب والقلق من سيطرة الانجليز على الهند وإحساسه بالخوف على مصير المسلمين داخلها بعد سيطرة الهندوس على حزب المؤتمر الهندى الذى كان يتبنى مشروع الدولة العلمانية الديمقراطية.

الاستعمار البريطاني للهند
الاستعمار البريطاني للهند

ازداد الأمر تأزما – فى مصر – بسبب الصراع بين نظام يوليو والإخوان ودخول بعضهم السجون ومنهم سيد قطب، وهو ما ساعد على انتشار التيار القطبى داخل الإخوان ونشأة جماعات أكثر عنفا وإرهابا متأثرة بأفكاره حول مفهوم الحاكمية الذي تأثر بدوره بأفكار المودودى التى يمكن تلخيصها فيما يلى :

– ليس لفرد أو أسرة أو طبقة أو حزب أى نصيب من الحاكمية فإن الحاكم الحقيقى هو الله

– ليس لأحد من دون الله شىء من أمر التشريع

– إن الدولة الإسلامية لا يؤسس بنيانها إلا على ذلك القانون المشرع الذى جاء به النبى من عند الله مهما تغيرت الظروف والأحوال ( نقلا عن ” الحاكمية لله …تنفيذ شريعة السماء “، موقع ثقافى )، وهو كلام يفتقر إلى أدنى درجات العقل فإذا كان ” ليس لفرد أو أسرة أو طبقة أو حزب أى نصيب من الحاكمية ” فكيف إذن ستطبق حاكمية الله التى ينادون بها ؟ وإذا كان ليس ” لأحد من دون الله شىء من أمر التشريع ” فما العمل فيما سكت عنه الشرع أو ذكره مجملا ويحتاج إلى تفصيل؟ وهل من المعقول أو المستطاع أن يظل تأويل آيات القرآن فى عصر الخلافة الراشدة هو التأويل الوحيد المستمر إلى يوم القيامة ” مهما تغيرت الظروف والأحوال ” ؟ أى إضرار بالإسلام دينا وحضارة يمكن أن تتسبب فيه هذه الرؤية الماضوية الغارقة فى أوهامها المستحيلة.

وللحديث بقية .

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: