رؤى

السويس والإسماعيلية: قصة مدينتين أذلتا الصهاينة

في كل عام تقريباً ومع حلول ذكرى حرب اكتوبر المجيده٫ يخرج علينا في الإعلام الصهيوني من يتبجح مدعياً أن الدولة الصهيونية لم تخسر تلك الحرب معتبراً أن ما يعرف ب”ثغرة الدفرسوار” كانت نجاحاً صهيونياً يوازي النجاح المصري في عبور قناة السويس.

يظهر مدى تداعي وهشاشة هذا المنطق الصهيوني حين يستدعي المَرءُ معركتين وقعتا في تلك الأيام من شهر أكتوبر عام ١٩٧٣ وتحديداً في النصف الثاني منه وكان البطل فيهما مدينتان مصريتان من مدن منطقة القناة هما الإسماعيلية والسويس.

كان القوات الصهيونيه فيما يٌعرف بالثغره بقيادة الجنرال شارون تسعى إلى تحقيق إنجازإعلامي بالأساس أكثر منه عسكري قبل أن يدخل قرار وقف إطلاق النار الذي حددته الأمم المتحدة حيز التنفيذ.

سعت تلك القوات في البداية إلى السيطرة على مدينة الاسماعيلية ادراكاً منها أن بها مقر قيادة الجيش الثاني الميداني وأن الاستيلاء عليها سيحدث دوياً إعلامياً ضخماً من شأنه أن يغطي على الإخفاق الصهيوني شرق القناة.

إلا أن خطة شارون أُجهضت في مهدها؛ إذ لدى تقدم سرية مشاة صهيونية باتجاه قرية “ابو عطوة” على مشارف الإسماعيليه٫ كان أبطال الصاعقه المصريه لها بالمرصاد٫ وأطلقت قوات الصاعقة نيران أسلحتها الصغيرة على تلك السرية المهاجمة التي صعقت بحجم ومدى النيران والتي ألحقت بها خسائر تزيد على 50 فرداً واضطر الصهاينة الى وقف هجومهم على هذا المحور.

ولم يختلف الأمر كثيراً حين سعى العدو لدخول الإسماعيلية عن طريق منطقة جبل مريم حيث تصدت القوات المصرية المرابطة هناك بقيادة المقدم عاطف منصف قائد الكتيبة 85 مظلات لكافة محاولات العدو تحسين وضعه قبل وقف إطلاق النار.

واستمر القتال بين الطرفين طوال يوم 21  أكتوبر.. وحتى آخر ضوء فى يوم 22  أكتوبر حين سرى قرار وقف القتال٫ ومع حلول مساء ذلك اليوم كان القائد المتغطرس شارون هو ذاته الذي يطلب من قيادته إمداده بأكبر قدر ممكن من المروحيات لكي ينقذ الأعداد الكبيرة من الجرحى الصهاينة الذين يحتاجون إلى إسعاف عاجل.

ويروي فنان المقاومه الشعبيه في الإسماعيلية جلال عبده هاشم تجربته الشخصية في تلك الأيام بقوله “شاهدت هذه الدبابات في اليوم التالي للمعركة.. وكان الدخان لا يزال يتصاعد منها.. وجثث الجنود الاسرائيليين ملتصقة بالرصاص السائل من الدبابات.. وكانت إحدى الدبابات بدون البرج العلوي بالمدفع حيث أُطيح به من شدة الانفجار”.

ويضيف: “كانت المفاجأة التي أذهلت العدو هي خروج أبطالنا رجال الصاعقة من وسط المزارع وأشجار المانجو.. ليكون للعدو نصيب في تدمير الدبابات وقتل جنوده.. وإفشال مخططه”

 دفع هذا الإخفاق القوات الصهيونية إلى التحرك جنوباً في محاولة للسيطرة على مدينة السويس٫ وهنا تصدى له أبطال المقاومه الشعبيه الذين تم تنظيم صفوفهم عقب عدوان عام ١٩٦٧ فيما عُرف ب”منظمة سيناء العربية” وتدريبهم عسكرياً والذين قاموا بواحدة من أكثر العمليات جرأة خلال مرحلة حرب الاستنزاف وهي عملية “وضح النهار” في نوفمبر من عام ١٩٦٩ في قلب سيناء .

أدرك هؤلاء الفدائيون أن العدو بات على مشارف مدينتهم فلجأوا إلى استخدام أسلحة الشهداء من جنود الجيش وبسبب إدراكهم أن ما بيدهم من سلاح محدود. قسموا أنفسهم إلى ثلاث مجموعات شملت أهم مناطق المدينة.

ومع اقتراب الدبابات الصهيونية من ميدان الأربعين في السويس تمكن الشهيد ابراهيم سليمان من ضرب صاروخ أصاب إحدى الدبابات ودمرها وقطعت قذيفته رقبة قائد الدبابة وكانت أول دبابة تقف في السويس فقام الفدائي الراحل محمود عواد بالصعود أعلى الدبابة في سرعة شديدة ووضع قنبلة داخلها وقفز سريعا فانفجرت.

هنا تحولت الدبابات على حد تعبير الفدائي أحمد العطيفي أحد أبطال تلك المعركة الى “قبر متحرك” وتحول المهاجمون إلى مطاردين حيث تركوا دباباتهم وهرعوا للاختباء في قسم شرطة الأربعين.

وهنا أيضاً لاحقهم أبطال المقاومة في معركة استشهد فيها الفدائيون: فايز أمين وإبراهيم سليمان وأشرف عبد الدايم و أحمد أبو هاشم.

احرق الفدائيون كافة الدبابات باستخدام الكيروسين في حين تمكن المحاصرون الصهاينة من الهرب ليلاً وكان من بين الهاربين مراسل عسكري سجل شهادته عن المعركة في كتاب صدر بعد الحرب باللغة العبرية بعنوان “التقصير”.

وجاء في الفصل الخاص بالسويس في هذا الكتاب: “تقدمنا صوب السويس صباح يوم 24 أكتوبر 1973، وكانت القوة التي أرافقها تجمع خيرة المظليين الإسرائيليين المدربين على قتال المدن، ولكن نيران المصريين لم تتركنا وظلت تلاحقنا بصورة رهيبة، وقد سمعت صرخات الاستغاثة من داخل عرباتنا المصفحة وآهات جرحانا الممددين بالشوارع. أماه.. أماه.. أريد أن أعيش”.

حاول العدو التعويض عن إخفاقه بفرض حصار على السويس دام نحو ١٠٠ يوم قام خلالها الفدائيون بمئات العمليات كبَّدت العدو خسائر فادحة.

تم فك الحصار في مطلع عام ١٩٧٤ وبقيت السويس صامدة وكذلك الإسماعيلية وبقيت مدرعات العدو وآلياته المدمرة في متحف “أبو عطوه” وفي السويس شاهد عيان على خسارة العدو لكلتا المعركتين٫ تلك الخسارة التي يصر الساسة الصهاينة على إنكارها ليكونوا مصداقاً لقول الشاعر: قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد.

المصادر:

– محمد الشافعي – “السويس مدينة الابطال”

– شهادة الفنان جلال عبده هاشم

– حوار للكاتب مع الفدائي احمد العطيفي

الوسوم
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: