رؤى

مقاومة الاحتلال: ثقافة الحياة لا ثقافة الموت

في مطلع العام ١٩٧٣ قامت إحدى وكالات الاخبار العالمية بتصوير شريط سينمائي في مدينة السويس التي كانت لا تزال حينها تعاني من وجود العدو الصهيوني على الضفه الشرقيه للقناة.

يصور الفيلم مجموعة من أبطال المقاومه الشعبيه في المدينة وهم يخرجون تباعاً من خندق تحت سطح الارض في أحد شوارع كان يقيهم شر الغارات الجوية والقصف الذي كان العدو يمارسه بحق المدينة.

يخرج الشباب بشكل منظم من الخندق٫ الذي كتبوا فوقه بشكل شديد الطرافه “شاليه أولاد الأرض” وهي الفرقة التي أسسها شاعر المقاومه الشعبيه الكابتن غزالي.

ثم ينتظم الشباب في حلقة تمثل رقصه “الضمة” التقليدية في منطقة القناة ويمسك أحدهم بآلة الإيقاع والآخر بآله السمسميه التراثية ينطلقون مرددين أغنية من كلمات الكابتن غزالي تحتفي بالسويس واهلها:

“شباب عداله ما بيخافوش

على الغريب ما بيبخولش”

ويتحول المشهد برمته إلى جلسة من جلسات السمر٫ لكن الطريف هنا أن هؤلاء الذين يظهرون غير عابئين بأجواء الحرب المفروضة عليهم هم أنفسهم الذين حملوا السلاح بعد بضعة أشهر وتصدوا للعدو في شوارع السويس في أكتوبر من نفس العام.

أحالني المشهد البهيج إلى مناظرة شاهدتها منذ بضعة أعوام على قناة أمريكية بين مؤيد للدولة الصهيونية وكاتب أمريكي متعاطف مع القضايا العربية.

كان الطرف الصهيوني لا يناقش الحقائق بقدر ما يحاول التأكيد على فكرة تفوق الدولة الصهيونية على كل ما يجاورها لان الصهاينة وفقاً لمنطقه يحملون الثقافة الغربية بكل قيمها أما الدول المجاورة – أي العربية – فتسود فيها ما أسماه “ثقافة الموت” التي تحتفي بالموت وتعلي من شأن القنابل البشرية للحركات الفلسطينية/ اللبنانية المقاومة للاحتلال الاسرائيلي .

وللأسف الشديد فإن مصطلح ثقافة الموت لم يعد مصطلحاً قاصراً على الخطاب الصهيوني المسفه للمقاومة بل امتد استخدامه إلى بعض الأقلام العربية ايضاً في الوقت الحالي.

وأغلب الظن أن من يستخدمون هذا المصطلح لم يشاهدوا قط مشهداً كالمشار إليه في بداية هذا المقال٫ فهو يثبت أن ثقافتنا نحن العرب هي ثقافه تحتفي بالحياه لا الموت بل لا أبالغ إن قلت إنها ثقافه الحياه نفسها.

منذ ألف عام وأكثر٫ تفننت شعوبنا في ابتكار أساليب للحياة في مواجهة الموت الذي جاءها مفروضاً عليها من الخارج٫ على يد غزاة تبدلت راياتهم ووجوههم ولم تتبدل أساليبهم.

ففي قلب القهر الذي مارسه السيد ديليسبس وصحبه من الأوروبيين على عمال مصر الذين فرض عليهم حفر قناة السويس بالسخرة٫ ابدع العمال فنا جديداً هو السمسمية ورقصة جديدة هي الضمة وكأنهم يواجهون الموت الذي فرضته ظروف الطبيعه القاسيه بالفن والغناء.

وفي فلسطين٫ وفي مواجهة كل ما عاناه شعبها وما زال يعانيه٫ أبدع ذلك الشعب العربي الدبكة و”السحجة” وغيرها من الرقصات الجماعية التي تعتمد على التناغم في الإيقاع الذي يخلقه وقع الأقدام وتنشر حالة من البهجة وسط الحاضرين.

بل إن أكثر الأغاني شعبية في التراث الموسيقي الفلسطيني هي تلك التي صيغت في قلب الثورة الشعبية التي اندلعت عام ١٩٣٦ أي في مواجهة الموت الذي تفنن الإنجليز والصهاينة في إنزاله بأهل البلاد.

وحين حاول هؤلاء الغزاة اجتياح أرض مصر عام ١٩٥٦ كان شعب مصر ينهض من تحت رماد القصف في بورسعيد ليصوغ أغنيات يسخر فيها من العدوان وقادته ويحتفي فيها بالمقاومة الشعبية التي قهرت العدوان في ديسمبر من نفس العام.

وعلى امتداد سنوات المواجهة (١٩٦٧- ١٩٧٣) لم تتوقف الحياة في مدن الجبهة٫ فرغم التهجير الذي فرض على أهالي مدن القناة وبالرغم من الموت الذي كان يلاحقهم٫ أبدع هؤلاء أنواع مختلفة من الفنون في معسكراتهم٫ كان عنوانها الأمل والإيمان العميق الراسخ بالنصر الآتي وبالعودة الحتمية إلى الديار وهو ما كان في عام ١٩٧٤.

إن شعوبنا العربيه ليسوا “هواة موت” كما حاول ذلك الصهيوني المتعجرف أن يصورهم بل هم شعوب يحبون الحياه إن كانت كريمة عزيزة.. ويأبونها إن كانت ذليلة مفروضه عليهم٫ أو كما قال الشاعر العربي الراحل محمود درويش :

“ونحن نحب الحياة

إذا ما استطعنا إليها سبيلا”.

الوسوم
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: