فن

الحلم الأمريكى في السينما… كيف نراه وكيف نرى أنفسنا؟ 

تتعلق أنظار العالم الآن بمتابعة مجريات الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي من المقرر أن تجري في شهر نوفمبر المقبل.

وتأتي المنافسة الجارية على قيادة أمريكا في ظل حالة استقطاب حاد بين المرشحين الذين يخوضان السباق هذا الاستقطاب الذى لم يقف عند حدود الداخل الأمريكي بل امتد خارج حدود الولايات المتحدة .

وقد يرى البعض في هذا المشهد الانتخابي تعبير عن مدى الحرية السياسية التي يتمتع بها المواطن الأمريكي بينما يعتبر الأخرون أن هذه الديمقراطيه هي قشرة تخفى مجتمع يعاني من أزمات بنوية وعلاقات متوترة بين أطرافه إضافة إلى سيطرة الأغنياء والشركات الكبرى على مجريات اللعبة السياسية .

السينما المصرية تفاعلت خلال تاريخها مع “الحلم الأمريكي” حلم الرغبة الدائمة لدى ملايين من الشباب المصريين في الهجرة إلى “أرض الأحلام ” كما وصفها  المخرج “داود عبد السيد” في أحد أهم الأفلام التي اشتبكت مع تلك الرغبة.

عقب هزيمة يونيو 1967 بدأ هذا الحلم في زيارة مخيلة أعداد كبيرة من الشباب المصري لكن الارتفاع الأكبر في نسبة الراغبين في تحقيق هذا الحلم جاء عقب انتصار أكتوبر 1973 وما تلاه من خطوات واسعة نحو الغرب الذي تمثل “أمريكا” عنوانا له.

كان الزحام شديدا على السفارة الأمريكية بالقاهرة طلبا لتأشيرة عبور إلى – عاصمة الحضارة الحديثة – ووطن الحرية كما يعتقد الشباب المصري – حيث الحياة الرغدة والثورة الهائلة واحترام الإنسان .

لكن السينما المصرية كان لها رأي آخر ولم يتغير خلال مسيرتها. فجاءت الأعمال الفنيه التى تناولت هذا الحلم لتصوره وهما  في الغالب وكابوسا في بعض الأحيان.

إسكندرية ليه؟

في عام 1979 كان “يوسف شاهين” أحد الذين عارضوا اتفاقيه “كامب ديفيد” التي وقعتها مصر مع إسرائيل برعاية أمريكية وفي نفس الوقت كان يقدم فيلم “اسكندرية ليه” وهو واحد من الأفلام التي تناولت سيرته الذاتية وجاء العمل الذي احتل المركز(32) بين المئة فيلم الأفضل في تاريخ السينما المصرية ليكشف الرغبة الشديدة للشاب الصغير في أثناء الحرب العالميه الثانية خلال حقبة الأربعينيات من القرن العشرين.

كان الشاب يعاني من قيود اجتماعية قاسيه حرمته من الارتباط بفتاه أحبها ويتصور أن السفر إلى أمريكا سيخلصه من كل تلك القيود والمحاذير.

وتمكن من تحقيق الحلم وسافر الشاب بعد معاناة الأسرة في توفير نفقات الرحلة ويعبر شاهين عن رأيه بوضوح خلال مشهد نهاية الفليم والذي وقف البطل “محسن محى الدين” على ظهر السفينة لينظر بانبهار نحو تمثال الحرية ثم يلقي بنظره إلى أسفل فيجد عددا من الحاخامات اليهود على نفس المركب ويعيد النظر نحو تمثال الحرية فيراه وكأنه تحول إلى سيدة عجوز لعوب سقطت أسنانها وما تزال تحاول إغراءه بغمزة من عينها.

أمريكا شيكا بيكا..

 في العام 1993 وبعد عامين من حرب “تحرير الكويت” بقيادة الولايات المتحدة قدم المخرج “خيري بشارة” أحد أهم الأفلام التي تناولت الحلم الأمريكي “أمريكا شيكا بيكا” والتي تناول تجربة عدد من الشباب ذوي الأصول الاجتماعية المختلفه وسعيهم للهجرة عبر أوربا إلى أمريكا بطرق غير مشروعه بحثا عن الثراء وأملا في تحسين أحوالهم الاجتماعية وهربا من الفقر والتهميش في وطنهم.

وقد تمكن “خيري بشارة” ومؤلف العمل “مدحت العدل” في الغوص بمهارة وعمق في كل شخصية وإبراز دوافعها لخوض تلك التجربة بالرغم من مخاطرها.

الفيلم الذي ظهر إلى النور خلال فتره حكم الرئيس “بوش الأب” كان بمثابة صرخة ضد تدخلات الإدارة الأمريكية في شئون دول العالم خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وهيمنة قوة واحدة على العالم

حمل الفليم نقدا واضحا للنموذج الأمريكي الذي صار شرطيا للعالم وعبّر بشجن وتعاطف مع هؤلاء الذين يبحثون عن الحياة بعيدا… بعيدا… واقع شديد القسوة يعانون فيه بدرجات متباينة ومستويات مختلفة

ساعد على توصيل الرسالة الفنية روعة الأغنيات التي قدمها الشاعر “مدحت العدل” والمطرب “محمد فؤاد” بطل العمل والتي جسدت المشاعر المختلطة لهذا الجيل ورصدت بإبداع انفعالاته وعبرت عن أحداث الفليم بدقة .

أرض الأحلام …

وفي نفس العام يقدم المخرج “داوود عبد السيد” رائعته “أرض الأحلام” والذي شهد عودة لسيدة الشاشة العربية فاتن حمامة للسينما بعد خمس سنوات من تقديمها فيلم “يوم مر يوم حلو” عام 1988

وجاء تناول “عبد السيد” مختلفا عن الصورة التي قدمتها السينما لأمريكا حيث اختار الصراع الدائر داخل سيدة مصرية تسعى للسفر إلى أمريكا لتعيش مع ابنها المهاجر ويسعى لاصطحاب بقية أفراد أسرته

ويمارس الأبناء ضغوطا على الأم “نرجس” لكى تهاجر ليتكمنوا – وفقا لقانون الهجرة الأمريكي – من اللحاق بها فكان على نرجس أنها تسافر هناك أولا وترسل دعوات لأولادها للهجرة وترضخ الأم لرغبة الأبناء الذين يحلمون بالهجرة إلى أرض الأحلام وفي أثناء الإعداد للسفر تكتشف ضياع جواز السفر قبل السفر بيوم لتبدأ رحلة البحث عنه..

تألقت “فاتن حمامة” في تجسيد تلك الشخصية بما فيها من تردد وارتباك  كما تألق “يحيى الفخراني” في دور الساحر لكن براعة داود عبد السيد في التقاط التفاصيل والولع بالبشر وتناقضاتهم وصراعاتهم النفسية منح للعمل بعدا فلسفيا أبعد من مجرد تناول حلم الهجرة لجيل الشباب الذي غضب كثيرا عندما قررت “نرجس” البقاء في مصر والتمسك بها بالرغم من كل الضغوط التي مارسوها عليها.

الفيلم تم ترشيحه لتصفيات جائزة اوسكار عام 1993.. حازت فاتن حمامة عنه على جائزة أفضل ممثلة من المركز الكاثوليكي للسينما عام 1994، قدم فيه يحيى الفخراني دورا من أجمل أدواره.. إلى جانب المشاركة المميزة لكل من محمد توفيق وأمينة رزق في مشاهد كوميدية.

الآخر… والصراع الحضاري

في عام 1999 عاد “يوسف شاهين” مرة أخرى لنقد النموذج الأمريكي بما يمثله من محاولات دائمة للهيمنة والسعي المستمر من جابب إدارة البيت الأبيض التدخل والسيطرة على السياسة العالمية ومصائر الدول.

وجاءت قصة الفليم من خلال قصة “آدم” ابن أحد كبار رجال الأعمال المصريين ووالدته “مارجريت” قدمتها “نبيلة عبيد” والتي تمثل الوجه الحقيقى للنظام الأمريكي وفقا لرؤية شاهين.

حيث يقع “آدم” في حب حنان الصحفية المصرية ويتقدم للزواج منها بالرغم من عدم موافقة والدته الأمريكية وبالرغم من اضطرارها للموافقه إلا أنها تلجأ إلى شقيق حنان والذي يحمل أفكارا دينية متطرفة وتدعمه بالمال لكي يخطف اخته ويمنع زواجها بآدم. وخلال تصدى آدم وقوات الأمن لاختطاف “حنان” تقتل كل شخصيات الفيلم في الصراع ما بين الشرطة والإرهابيين .

هكذا يريد أن يحمّل “شاهين” أمريكا مسؤولية دعم الإرهاب في بلداننا.

وقد حصل يوسف شاهين على جائزة فرانسوا شاليه عن هذا الفيلم من مهرجان كان عام 1999

وفي الحلقة الأخيرة من سيرته الذاتية يوجه “يوسف شاهين” نقدا حادا للنموذج الأمريكي عبر فيلم “إسكندرية – نيويورك ” عام 2004 والذي تبدا أحداثه من آخر مشاهد فيلم “إسكندرية ليه ؟ “

عندما يسافر “يحيى” لأمريكا ويتعرف على جنجر زميلة دراسته وحبيبته والتي تصبح لاحقا أم ابنه ويرفض الابن – الأمريكي – الاعتراف بوالده لا لشىء سوى أنه من أصول عربية.

يكشف “شاهين” عنصرية الشعب الأمريكي ضد كل ما هو غير أمريكي ويوضح جهل الأمريكيين وعدم اهتمامهم بكل ما يدور خارج حدودهم

في هذا الفليم اشتبك “شاهين” مع المفهوم الحضاري الكامل للنسق الأمريكي وفضح تناقضاته خاصة عندما يتحدثون عن الحرية والتسامح ثم يمارسون عكس ذلك تماما تجاه العرب والزنوج وكل الأجناس غير الأمريكية

وعقد مقارنة واضحة بين روح التعايش والتسامح التي ميزت مدينة الإسكندرية خلال النصف الأول من القرن العشرين وبين روح الكراهيه والعنصرية التي تميز أمريكا وشعبها .

لم تكن هذه الأعمال وحدها هي التي قدمت الحلم الأمريكي بمختلف تصوراته فنجد فيلم “هاللو أمريكا” عام 2000 للمخرج نادر جلال وفيلم “تائه في أمريكا” عام 2002 للمخرج “رافي جرجس”.

طلق صناعي… طلقة في القلب

إلا أن أحد الأعمال المهمة التي تناولت حلم الهجرة إلى أرض أمريكا كان “طلق صناعي” الذي قدمه المخرج خالد دياب في عام 2017 والذي يتناول قصة مواطن مصرى يحلم بأن يولد طفله في أمريكا فيتوجه إلى السفاره للحصول على تأشيرة سفر ولكنه يواجه برفض الطلب فيقرر أن تلد زوجته داخل السفارة باعتبارها أرضا أمريكية ومن يثم يتمكن من الحصول على الجنسية الأمريكية لطفله وفقا للقانون الأمريكي .

الفيلم جاء كاشفا لممارسات بعض المصريين لتحقيق حلم السفر ويصل الأمر وفقا للفيلم لادعاء تغيير الديانة أو الميول الجنسيه أو أي شىء في سبيل تحقيق هدف الهجرة حاول صناع العمل أن يكشفوا لنا صورة لأنفسنا وصورة أمريكا في عيوننا أكثر مما يكشفون صورة الآخر ذاته ربما كانت تلك الزاوية أحد أهم مميزات الفيلم عن غيره من الأعمال التي تناولت حلم السفر لأمريكا.

يعتبر “طلق صناعي” أحد أهم الأفلام التي عالجت هوس الشباب بالهجرة لأمريكا بالرغم من أنه كان التجربة الأولى للمخرج. كما كان أداء ماجد الكدوانى شديد النضج والتميز.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: