رؤى

عبد الرحيم طايع يكتب: تبادلُ الزَّوجات..”الفانتازم” السَّائب يعلِّم الانحراف!

يقول أرشيف الصَّحافة إنَّ أوَّل ظهورٍ لموضوع تبادل الزَّوجات، في بلادنا، كان في منتصف عام 2008 في الجيزة؛ حيث كشفت الأجهزة الأمنية هناك عن رجل وزوجته يعرضان نفسيهما للممارسة الجنسية، بطريقة التبادل مع متزوجين آخرين، وقد قاما بإنشاء موقع إعلاني يخصُّ هذا الغرض على الإنترنت.

المهم.. استمر الموضوع اللاأخلاقي المُسْتَهْجَنُ إلى اللحظة الراهنة، وسط رعب عامٍّ من الفكرة الغريبة التي تسرَّبت إلينا من مخبأ الشيطان، فيما يبدو، بل الشيطان بريء من مثلها؛ فما نما إلينا خبر تفريطه في عرضه على هذا النَّحو!

لم يجد القانون تكييفًا لما جرى، وما يزال يجري في هذا الإطار المشين، سوى إدخاله في بند “التَّحريض على الفسق وممارسة الدَّعارة وتسهيلها وإنشاء مواقع إباحيَّةٍ على الإنترنتّ”.. أعني لم يقم القانونيون بوضع مادة تخصُّ الحالة بذاتها؛ ربما لغرابة الوضع وعدم تصديقه (الأدقُّ تسمية الوضع بتبادل الأزواج والزَّوجات، لا الزَّوجات وحدهنَّ كما شاع ورسخ، لأنَّ العمليَّة القبيحة المحرَّمة تكون شاملةً، فيما يفهم بالبداهة).

ذات مساءٍ، حكى لي صديقٌ عزيزٌ أن صديقًا له، لا أعرف أنا الثَّاني، كان دائمًا ما يقابله بزوجته، وكلاهما يسألان صديقي سؤالًا واحدًا في كلِّ مرَّةٍ يلتقون فيها: لماذا لا تحضر زوجتك معك لقاءاتنا؟! ألا تُحِبُّ أن نكون صُحبةً رُباعيَّةً قويَّةً جميلة؟!
قال لي صديقي: لم يكن السُّؤال مريبًا في البداية؛ فمثله يقال، لكنَّ ما جعله كذلك أمورٌ لافتةٌ، من بينها: تكرار السُّؤال نفسه بصورةٍمفرطةٍ، وشكوى الزَّوجين الدَّائمة من ملل الحياة الزَّوجيَّة، هكذا بوضوحٍ بينما يبدوان لا يباليان بحساسية الكلام، مع شعوري بأنَّ الرَّجل يترك لي فرصًا للاحتكاك الحَمِيم بزوجته.. وقد دعاني للالتقاء في بيتهما مرَّاتٍ عديدةٍ، بعيدًا عن الكافيهات والأندية المزدحمة المتطفِّلة (كما كان يتلحَّح عليَّ مجتهدًا أن يخفي شيئا مّا)!

وقال: لم يكن صديقي هذا صديقًا خلقه لي الواقع، لكن الفيسبوك، وتوطَّدت علاقتنا من خلال التَّفاعلات والمشاركات، ثم حصل تبادلٌ لأرقام الهواتف، وبعده بدأت اللقاءات بيننا، كان هو البادئ بالدَّعوة إليها بالمناسبة، ومن المرَّة الأولى حرص على إحضار زوجته في يده، وقدمَّها إليَّ حينها كأنَّه يقدِّم هديَّةً مّا، فيما أحسسته وقت ذاك مذهولًا ومرتبكًا، لم يمض وقتٌ طويلٌ بعد ذلك، حتَّى عالنني هذا التَّعِسُ برغبته في تغيير حياته، وأن نتشارك في المسألة لو كنت راغبا في تغيير حياتي أنا الآخرُ، ولمَّا سألته، مندهشًا، عن المقصود بالتشارك؛ ضحك بارتباك خفيف، ووضَّح أننا يمكن أن نبيت عندهما مثلا، أنا وزوجتي يقصد، زوجتي التي لا يكفُّ هو ولا زوجته عن السُّؤال عن موعد انضمامها إلى جلساتنا الممتدَّة، وقد قال لي حينئذ إنَّنا، لو حدث المبيت الجماعيُّ الذي ينشده، فإنَّنا يمكن أن نستمتع بوقتنا استمتاعًا مختلفًا، ترقص لنا الزَّوجتان مثلًا، كما قال بالضَّبط، ولعلِّي أسمح له بمراقصة زوجتي ويسمح لي بالمثل، هكذا كما واصل كلامه العجيب، وأضاف بالنَّصِّ والحرف: بوسع كلٍّ منَّا يومها أن ينفرد بزوجة صديقه في نطاق كسر الرُّوتين وزيادة المعرفة والمودَّة!

في الحقيقة، فهمت ما يرمي إليه فورًا عند بلوغه هذه النُّقطة، وقد كانت الشُّكوك بالأساس تراودني وتتلاعب بي وتكاد تعصف برأسي عصفًا، سببتُهُ بحِدَّة وغادرته غاضبًا، ولم أعد ألقاه ولا زوجته طبعًا، وحذفتهما و”بلَّكْتُهُمَا” من صفحتي على الفيسبوك، ولقد ظلَّا لأكثر من شهرين متتابعين يحاولان الاتِّصال بي هاتفيًّا، أحيانًا من أرقامٍ سوى التي أعرفها لهما، لكنَّني كنت أصُدُّهُما بمجرَّد سماع صوتيهما البغيضين، إلى أن همست لي زوجته بصراحةٍ مطلقةٍ (في لقاء صدفةٍ بأحد الأماكن التي كنا نرتادها معًا أنا وهي وزوجها): لا تفضحنا يا صديق! نحن زوجان قتلنا السَّأم؛ فصرنا مريضين بالبحث عن علاجٍ ناجح، وفي مشوار البحث نخطئ ونصيب، وكثيرا نفترض وجود الدَّواء حيث يستحيل أن يُوجَد. لا تفضحنا أرجوك، وتفهَّم حاجتنا إلى التَّجدُّد فأنت الواعي المستنيرُ، وثق بأنَّنا زوجان طيِّبان مخلصان، في التَّقييم الأخير لحالتنا، لكنَّنا مهزومان من الدَّاخل ومضطرَّان إلى مقاربة الشيء الذي يمنحنا شعورًا بالانتصار، ولو كان خطأً فادحا!

تبادل الزوجات على مواقع التواصل الاجتماعي
تبادل الزوجات على مواقع التواصل الاجتماعي

وسألني صديقي فجأة: هل لمست قعر الهُوَّة القذرة التي سقطنا فيها يا أخي؟.. كنت أستمع إليه بتركيزٍ شديدٍ واهتمامٍ بالغٍ، وحين انتهى كلامُهُ وباغتني بالسُّؤال، وجدتُنِي أقول له ضاحكًا بسخريةٍ: “الفانتازم” السَّائب يعلِّم الانحراف والله!
فضحك معي، وهو المثقَّف النَّبيه، وقال: صدقت!
….
يعني “الفانتازم” خيالاتِ الجنس وتوهُّماتِهِ “Fantasm”، والمعروف علميًّا أن جميع البشر يملكونه، بنسبٍ متفاوتةٍ واختلافاتٍ طبيعيَّةٍ تخصُّ كلَّ فردٍ على حسب نوعه وتنشئته وتجاربه وخبراته، بل المعروف أنَّ الشَّخص الذي لا يملك مثل هذه الخيالاتِ والتوهُّماتِ، قد لا يكون سَوِيًّا نفسيًّا، فيما يقول المتخصِّصون في علم النَّفس الجنسيِّ، وربَّما كان من بين الخيالاتِ التي تحفِّز رجلًا إلى ممارسة الجنس الأُسَرِيِّ أنَّه يرى زوجته في أحضان آخر، ومن بين التوهُّمات التي تحفِّز امرأة إلى تلك الممارسةِ المشروعةِ أنَّها ترى زوجها جاثمًا على أخرى (الرُّؤية الخياليَّة التَّوهُّميَّة).. ولا ريب في أنَّه خيالٌ جامحٌ مَعِيبٌ وتوهُّمٌ ثقيلٌ مخجلٌ، غير أنَّه يحدث للأمانة لدى بعض النَّاس، كما صار معروفًا، يحدث لهم على حسب أحوالهم الخاصَّة وظروفهم الشَّاملة، كما بيَّنت آنفا، والمشكلة الكبرى لا تكمن في حدوثه بالتَّحديد، فهو صورةٌ تمرُّ بالقلب والذِّهن في النِّهاية، ليس لها إطارٌ، مهما كانت مقزِّزةً ومنفِّرة ومعبَّرة في الأغلب عن اضطرابات سلوكيَّةٍ وانحرافاتٍ بالغةٍ في شخصياتِ أصحابِهَا(الانحرافُ في علمِ النَّفس الاجتماعيِّ: مصطلحٌ يعني الخروجَ عن ما هو مألوفٌ ومتعارفٌ عليه من عاداتٍ وسلوكٍ)، وإنَّما تكمن المشكلةُ الكبرى في تغلُّبه على الإنسان الذي يمرُّ به الخاطرُ الصَّادم المحرَّض على المعاشرة السَّريريَّة؛ ومن ثَمَّ محاولته أن يجعل هذا الخاطر واقعًا فعليًّا لا مجازيًّا!

إنَّ الدِّين نفسه لا يحاسبنا على الخواطر أيًّا كانت؛ ففي القرآن الكريم: “لا يكلِّف الله نفسًا إلَّا وسعها”. وفي الحديث النَّبويِّ الشَّريف: “إنَّ الله تجاوز عن أُمَّتِي ما حدَّثت به أَنْفُسَهَا ما لم تعمل أو تتكلَّم”.

لكنَّ قيمَ الدِّين والأخلاق والمجتمع والقانون، في عمقها وقشرتها، لها الحقُّ كلُّ الحقِّ في محاسبة الذين يحوِّلون حديث النُّفوس إلى أعمالٍ مجسَّمةٍ مهلكةٍ للنُّفوس ومفسدةٍ للضَّمائر وهادمةٍ للأمم، كأنَّهم البغاة المكثرون من البغي، الذين تطغى عليهم خواطرهم التي لا توصف من كثرة شذوذها وأهوالها، إلى حدِّ جعل قضيَّتها السِّرِّيَّةالتي في بواطنهم قضيَّة علنيَّة في الشَّوارع والبيوت وفوق شاشات الكمبيوتر!

إن أنصار موضوعٍ كتبادل الزَّوجات مجانين، لأنَّه موضوعٌ يتَّسم بالخَلَل الرَّهيب؛ من حيث كونه تحصيلًا للذَّة مشروعةٍ (هي لذَّة الجماع الجنسيِّ بين المتزوِّجين) من خلال اقتراف أفعالٍ ممنوعةٍ (تحقيقُ اللذَّة بواسطة إهدار كرامة الرَّجل والمرأة على السَّواء باضِّجاعها إلى جوار آخر غير زوجها واضِّجاعه بجانب أخرى خلاف زوجته، وبموافقتهما وأمام أعينهما، بزعم أنَّ المنظر الفاحش دافعٌ إيجابيٌّ لإحياء علاقتهما اليائسة الميِّتة وتخليصهما من الضَّجر المبين)..

إنَّهم مادِّيُّون شهوانيُّون ضعيفو الأرواح بالإجمال؛ فوجب الانتباه لظاهرتهم التي تتَّسع للأسف، ووضع حدٍّ لانتشارها قبل تفاقمها، بالدِّراسة والتَّحليل السَّليم، ورسم خُطط الشِّفاء كما بالإجراءات العقابيَّة الضَّروريَّة!

الوسوم

عبد الرحيم طايع

شاعر وكاتب مصري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: