فن

“عمر خيرت”.. موسيقى السهل الممتنع 

كانت الموسيقى المصرية فى النصف الأول من القرن العشرين تعلن عن نفسها بقوة فبعد الدور الذى لعبه “سيد درويش ” فى تحرير الموسيقى من قبضة النسق العثمانى دخلت مصر مرحلة خصبة وغنية فى موسيقاها . وشهدت تطورا كبيرا على يد رواد الموسيقى الأوائل ورموزها فى ذلك الحين

وتميزت موسيقى عقد الأربعينيات عن غيرها من عقود القرن العشرين فى قدرتها على إضافة جرعة كبيرة من الإحساس بالتفاؤل خاصة بعد التجربة المريرة مع الحرب العالمية التى سيطر على الموسيقى مناخ مأزوم و أجواء من القلق ففي الولايات المتحدة كانت موسيقى الجاز والكانتري هي النوعيات السائدة وأصبحت أصوات فرانك سيناترا وبينج كروسبي أساسية في كل بيت وفي مصر كان أم كلثوم وعبد الوهاب قد بلغا قمة النجاح .

إنها حقا عائلة فنية

فى تلك الأجواء المفعمة بالإبداع الموسيقى والشعور بالأمل ولد “عمر علي محمود خيرت ” في 11 نوفمبر عام 1948 في حي السيدة زينب بالقاهرة لأسرة محبة للفنون، فعمه هو أبو بكر خيرت المهندس المعماري الأشهر ومؤسس الكونسرفتوار المصري الذي أثرى المكتبة الموسيقية المصرية بأعمال سيمفونية رائعة، واكتملت ثمارها بعمر خيرت الذي أكمل درب عمه الموسيقار أبو بكر خيرت، وعشق البيانو الذي اكتشف معه مناطق موسيقية جديدة في إحساس وذكريات وقوة الشخصية المصرية

فى منزل العائلة كانت أسرة مثقفة مكونة من 4 شبان _ والد عمر وأعمامه الثلاث – وكان الأسرة تنظم صالوناً فنيا وفكريا اجتمعت فيه ألمع الأسماء في عالم الفن والفكر من بينهم سيد درويش و مصطفى المنفلوطي ومحمود مختار … وغيرهم.

كوّن الشبان الأربعة فرقة “أوركسترا خيرت” وعرضوا أعمالهم أمام الملك فؤاد، أبدعوا في مجال دراستهم ولمعوا في تخصصاتهم كما في الموسيقى ومن بينهم اسم أبو بكر خيرت في عالم الهندسة أولاً، فصمم المبنى المخصص لأكاديمية الفنون ومعهد الكونسرفتوار، الذي أصبح أول عميد له لاحقاً. وفي المنزل نفسه ولد الموسيقار عمر خيرت

فى تلك البيئة الفنية تكون وعى “عمر ” الموسيقى وتشكلت ذائقته الفنية وساهمت فى تشكيل اختياراته الموسيقية مبكرا حيث انحاز للبيانو واعتبره “أم الآلات الموسيقية وهو من أهم الأمور لأي عازف موسيقي في العالم ” ويقول “عمر فى تصريحات صحفية :”منذ صغري عندما كنت أشاهد حفلات أبو بكر خيرت في الأوبرا وكنت طفلاً كنت أتمنى أن أكون مثله يوماً ما، هو كان مثلي الأعلى في الفنون والموسيقى وكإنسان أيضاً. أنا سلكت الطريق نفسه إنما بأسلوبي الخاص “

وبدأت علاقة عمر خيرت بالبيانو بالكونسرفتوار في دفعته الأولى عام 1959 م حيث درس العزف على البيانو على يد البروفيسور الأيطالي “كارو” إلى جانب دراسته للنظريات الموسيقية. وحصل بعدها في التأليف الموسيقي على شهادة كلية ترينتي بلندن عن طريق المراسلة من القاهرة، إلى أن اكتملت ملامح شخصيته الموسيقية المستقلة كمؤلف محترف يصوغ رؤاه الموسيقية الخاصة بجمل موسيقية مميزة تتسم بالعمق والثراء والتدفق.

عاد “خيرت ” بعد استكمال دراسته لينضم إلى إحدى الفرق المصرية لموسيقى الروك التي نشأت في مطلع ستينيات القرن الماضي وكان من ضمن أشهر أعضائها الفنان عزت أبو عوف، وعمل عمر خيرت في الفرق كعازف درامز وقدم فى تلك المرحلة عدد من المؤلفات الموسيقية مثل ” الخادمة ” و” رابسودية عربية ” وغيرها

مشواره  الفنى

لكن الإطلالة الأولى لموسيقى عمر خيرت كانت عبر السينما فى عام 1984 عندما صنع موسيقى فيلم “ليلة القبض على فاطمة ” للمخرج “هنرى بركات وكانت نفس القصة قد قدمها المخرج محمد فاضل للدراما التلفزيونية عام 1982 واستعان بموسيقى تصويرية للراحل “عمار الشريعى ” وقد كان ذلك تحديا كبيرا من جانب “عمر خيرت ” لكنه استطاع أن يقدم موسيقى تصويرية خلاقة ومعبرة وقدمت موسيقار جديد فى عالم الموسيقى الدرامية العربية .كما قدم فى عام 1985 موسيقى فيلم “إعدام ميت ” للمخرج على عبد الخالق .

وتشهد مسيرته مع الموسيقى التصويرية تطورا كبيرا عندما استعان به “يوسف شاهين “ليضع موسيقى وألحان فيلم “اليوم السادس ” 1986 ” ليغنى له “محمد منير ” ويعتبر ثانى مغنى يقدم ألحان “خيرت “بعد تجربته مع “على الحجار ” فى مسلسل “غوايش ” فى نفس العام والذى اضطر خلاله أن يعلم نفسه العزف على آلة العود كى يتمكن من تقديم موسيقى تناسب أجواء الدراما فى المسلسل

ولفتت تجربة “اليوم السادس ” الأنظار بقوة خاصة فى تعامله مع الاستعراضات التى شهدها الفليم مثل أعنية “حدوته حتتنا ” التى كشفت عن قدره هائلة للموسيقار عمر خيرت فى الغوص فى الثقافة الموسيقية الشعبية المصرية وخرجت مع موسيقى غوايش ” من موسيقى الصالونات والمثقفين إلى موسيقى الناس ولحن للوطن يعبر عن كل مكونه الفنى بلغة موسيقية شديدة الرشاقة والعفوية ودون المبالغة فى الزخرف الموسيقى

وشهدت مسيرة “خيرت “عدة مراحل هامة فى الموسيقى التصويرية – الدرامية – ورغم أنه قدم عشرات الأعمال إلا أن موسيقاه فى “سرقات صيفية ” 1988 وسكوت هنصور “2001 ” الذى قدم فيه  ” الورد البلدى ” وهى واحدة من أهم الأغنيات الوطنية بشكل مغاير وحديث

كما أن موسيقى فليم “عسل اسود “عام 2010 والأحان التى قدمها خلاله تأتى ضمن أهم ما قدمه هذا الأرستقراطي الذى استطاع أن يعبر بدقة عن الثقافة الشعبية فى ” فيها حاجه حلوة ” عندما يقول ( سوبيا فول طعميه كشرى )

وكانت الدراما التلفزيونية بوابة “خيرت ” للدخول إلى قطاعات أكبر من المشاهدين ونجح بقوة فى نحت مجرى خاص به فى مسيرة الموسيقى الدرامية العربية وكانت موسيقاه فى ومسلسل “اللقاء الثانى ” 1988 و”ضمير أبله حكمت “1991 من التجارب التى رسخت موسيقى “خيرت ” فى الدراما  .

لم يُصنف “عمر خيرت “نفسه يوما كملحن فقط ولم يصنفه أحد هكذا . بل هو أحد صناع الموسيقى ومؤلفيها البارزين فى الوطن العربى وأحد سفراء الجملة الموسيقية لنا فى العالم ويمتلك قدرة هائلة على نقل الثقافة المصرية والعربية عبر آلاته الموسيقية ولذلك فالأغنيات التى تولى تلحينها بعيدا عن الدراما ليست كثيرة فقد حققت أغنياته التى قدمها فى الأعمال السينمائيه والتلفزيونية نجاحا مبهرا وتبقى له عدد قليل من الأغنيات التى قدمها لمطربين أهمهم “على الحجار ” الذى قدم له أغنيات “عارفه ” وقدم للفنانة “أنغام “فاكر زمان ” وحنان ماضى وغيرهم لكنه إنتاج قليل بالقياس بما قدمه فى الدراما وبما صنعه من موسيقى .

الموسيقار النجم

تتواصل مسيرة حافلة من العطاء الموسيقى ويصنع “عمر خيرت ” جملة موسيقية شديدة التفرد والتمايز لا تخطئها الأذن وهذا أمر بالغ الندرة وشديد الصعوبة فى أن تدرك مع سماع قطعة موسيقية صاحب ذلك الإبداع ..

هكذا عمر خيرت علامة فنية خاصة جدا .

ويرجع ذلك إلى أن موسيقاه شديدة النعومة كالحرير التى تستطيع أن تكبل وجدانك لدرجة لا تجعلك ترى غيرها و على الرغم من كلاسيكيتها التى مزجت فى نهرها روح شرقية خالصة بأدوات عصرية غربية فحقق فى جمل موسيقية عبقرية  أنه السهل الممتنع والإحساس الغامر بالتواصل الوجدانى والنفسى مع جمل شديدة الانسياب محملة بالدهشة والألق .

استطاع خلال مسيرته الطويلة مع صناعة الموسيقى أن يحقق إنجازا فنيا غير مسبوق – ربما لا يشبه فيه سوى تجربة الموسيقار اللبنانى مارسيل خليفة – وهو أن يكسر لدى المتلقى ما تعلقت به الشعوب العربية من ضرورة وجود المطرب وجعل الجمهور يذهب خصيصا للاستماع إلى موسيقى خالصة وحقق نجاحا ملوحظا فى ذلك وصار الجمهور يذهب إلى المسرح ويدفع ثمنا – ليس قليلا – لكى يسمع موسيقى فقط ليس بالضرورة أن يرى مطربه المفضل فقد صنع “خيرت “ظاهرة “الموسيقار المفضل” أو “الموسيقار النجم” الذى يقدم موسيقاه بعيدا عن زحام الحناجر الذهبية لنجوم الغناء

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: