رؤى

ليس ترامب وحده: النخبة الأمريكية في أزمة واحتمالات العنف كبيرة

ثمة اتفاق واسع على الدور السلبي الذي لعبه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إذكاء حالة الانقسام في الحياة السياسية الأمريكية عموما وفي انتخابات الرئاسة الحالية خصوصا، وهو الدور الذي لم ينكره بعض المنصفين من أنصار الحزب الجمهوري.

يرى هذا الفريق أن ترامب عمل على تصدير حالة من التشكيك والتضليل المستمر وإثارة القلق والمخاوف، وتعمد إرباك المسار المعتاد للعملية الانتخابية قبل أن يستمر في إثارة المشكلة تلو الأخرى بعد فرز الأصوات وظهور تقدم بايدن،. ولكن ألا يمكن توجيه اتهامات التضليل وتعمد التخويف وإثارة التوتر والقلق بين الأمريكيين – وإن بلهجة أقل فجاجة – للحزب الديمقراطي أيضا؟ وهو الأمر الذي لم يتم تسليط الضوء عليه في الإعلام الأمريكي والعالمي بشكل كاف.

هل من الإنصاف القول بأن تسميم الحياة السياسية في الانتخابات الأمريكية الأخيرة هو وزر اشترك فيه الحزبان بشكل غير مسبوق في تاريخ الانتخابات الأمريكية، ما يضع النموذج الديمقراطي الأمريكي ذاته على المحك في نظر أنصار الديمقراطية في أنحاء العالم.

ديمقراطيون وجمهوريون: نخبة في أزمة

لماذا أصبح القلق والتوتر والترقب عنوانا للفترة الانتقالية بشكل غير مسبوق؟ لماذا يركز الإعلام المؤيد للحزب الديمقراطي على أن ترامب حرم الأمريكيين من عملية انتقال هادئ وسلس للسلطة لطالما اعتادوا عليها في معظم الانتخابات السابقة ؟ لماذا كل هذا الضجيج وضغط الأعصاب، رغم علم قادة الحزب الديمقراطي – أكثر من غيرهم – بأن التصديق النهائي على اسم الرئيس مازال أمامه بعض الوقت والكثير من الإجراءات القانونية، ورغم علمهم بأن اقتناع أحد المترشحين بهزيمته بشكل واضح وتهنئته للمرشح الآخر مبكرا – دون انتظار الإجراءات الدستورية والقانونية الضرورية – هو مجرد تقليد أو عرف سياسي، وليس إجراءً قانونيا حتميا؟ وهو وضع لم يحدث ببساطة هذه المرة.

هل يمكن أن تؤثر مماطلة ترامب بالسلب فعلا على إلمام بايدن وفريقه بكافة الملفات للدرجة التي تخلق حالةً من عدم القدرة على إصدار بعض القرارات الهامة؟ لماذا يصدر جزء من الإعلام الأمريكي صورة لترامب كمعرقل لانتقال السلطة، رغم علمهم بأنه مازال أمامه حوالي 70 يوما كرئيس للبلاد، وأن الإعلان الرسمي لاسم الرئيس الجديد – أو استمرار السابق – سيتم مع تصديق الكونجرس على تصويت المجمع الانتخابى يوم 8 ديسمبر 2020، وأنه في هذا التاريخ سيكون بايدن وفريقه قد أعدوا خطط عملهم وسيكون أمامهم – حال إقرار فوزه – 40 يوما كاملة لتسلم المعلومات الحيوية اللازمة لبدء مهمته كرئيس مع إدارته الجديدة يوم 20 يناير 2021.

وإذا كانت صورة ترامب سلبية بما يكفي في نظر الكثيرين – ومنهم كاتب هذه السطور بالمناسبة – فلماذا يصر الإعلام الموالي للحزب الديمقراطي على تشويه سلوكه السياسي خلال الانتخابات، رغم علمهم بأنه لم يخالف القانون بخصوص العملية الانتخابية وإجراءاتها – على الأقل حتى الآن – ولماذا تتم شيطنته لمجرد إقدامه على استخدام كل ما يتيحه له القانون – في بلد يحترم القانون – لإثبات وجهة نظره من خلال طعون انتخابية رسمية سيبت فيها القضاء إيجابا أو سلبا، بعد أن قبل النظر فيها من حيث المبدأ ؟

الخلاصة أنه على الرغم من تباين الأهداف السياسية لبايدن وترامب بخصوص سيناريوهات إدارة الرأى العام الأمريكي تجاه الانتخابات، إلا أن الحملتين إشتركتا في استخدام التشكيك والمغالطة والتخويف للجمهور كل في الاتجاه الذي يخدم مرشحه وكل بطريقته الخاصة.

ضغط عصبي غير مسبوق

إلى أى مدى يمكن للمواطن العادي الحفاظ على اتزانه وتوازنه العقلي والعصبي حال تعرضه لحملات مستمرة من التشكيك والتضليل الذكي والتخويف من كافة الاتجاهات خلال فترة زمنية وجيزة ؟ وهل يمكن أن يؤدي ذلك إلى انفجار التوتر الداخلي وتحوله إلى الخارج في صورة عنف جماعي، خاصة مع إضافة عامل تفاقم الضغط الناتج على طول فترة الترقب وتأخر حسم اسم الفائز أو الاطمئنان إلى حسمه، وكذلك تأثير عامل “سلوك القطيع” الذي عادة ما يشجع الفرد على التجروء لإطلاق العنف الفوضوي العفوي، ناهيك عن احتمالات غير مستبعدة للعنف المنظم من قبل بعض الجماعات الغاضبة في بلد يضم اكثر من 1300 ميليشيا مسلحة.

الحملتان متهمتان الآن بخلق حالة من الشك والغضب المتبادل أصبحت تشكل خطرا على الأمن القومي، وهو التعبير الذي تكرر بكثافة مؤخرا على لسان عدد من مسؤولي الأمن الحاليين والسابقين – ناهيك عن الإعلام – كان أبرزهم جون برينان مدير الاستخبارات الأمريكية السابق.

لقطة حديثة: الرأى العام محتقن

قبل يومين فقط أعلنت وحدة لتحليل البيانات في مجلة ” بوليتيكو ” الأمريكية استطلاعا مقلقا تم إجراؤه من يوم 6 إلى يوم 9 نوفمبر الحالي. شمل الاستطلاع 1،987 ناخبًا مسجلًا تشير النتائج إلى أن الثقة في نظام الانتخابات تراجعت بين الجمهوريين بينما ارتفعت بين الديمقراطيين مؤخرا، فهناك 70٪ من الجمهوريين لا يعتقدون أن الانتخابات كانت حرة ونزيهة، وهو ارتفاع صارخ من 35 في المائة من ناخبي الحزب الجمهوري الذين كانوا يحملون معتقدات مماثلة قبل الانتخابات. في غضون ذلك ، نمت الثقة في نظام الانتخابات بالنسبة للديمقراطيين ، الذين نزل الكثير منهم إلى الشوارع للاحتفال بفوز بايدن يوم السبت الماضي. ويقول 90 في المائة من الديمقراطيين الآن إن الانتخابات كانت حرة ونزيهة ، ارتفاعا من 52 في المائة قبل 3 نوفمبر الحالي الذين كانوا يعتقدون أنها ستكون كذلك.

تكشف النتائج حالة من السيولة والتأرجح وعدم الثبات في انطباعات وآراء الأمريكيين من ناحية، كما تكشف تأثر انطباعاتهم ومعتقداتهم تجاه نزاهة الانتخابات بوضع مرشحهم – فوزا أو هزيمة – بغض النظر عن الحقائق أو الحكم الواقعي أو الموضوعي، وهو ما يزكي التوقع بأنهم قد يسلكون بشكل عاطفي وغير مسؤول أكثر منه عقلانيا واقعيا في الأيام القادمة.

من بين الجمهوريين الذين اعتقدوا أن الانتخابات لم تكن حرة ونزيهة ، اعتقد 78 في المائة أن التصويت عبر البريد أدى إلى تزوير واسع النطاق للناخبين ، واعتقد 72 في المائة أن بطاقات الاقتراع قد تم التلاعب بها  . مثل الرئيس دونالد ترامب ، قال 84 في المائة من عينة الجمهوريين أن الانتخابات غير عادلة ، وإنها أفادت بايدن.

وحتى بالنسبة للولايات التي قد تقرر إعادة فرز الأصوات استجابة لأحكام قضائية بذلك، فإن نسبة معتبرة من الجمهوريين بلغت 38 في المائة يعيشون حالة من الأمل في أن النتائج ستنقلب لصالح ترامب ، بينما يكتنف اليأس 45 في المائة منهم في تحقق ذلك.

في استطلاع مماثل تم إجراءه قبل يوم الانتخاب، قال 18 في المائة فقط من الجمهوريين إن النتائج لن تكون موثوقة. ارتفعت هذه النسبة في الاستطلاع الأخير إلى 64 في المائة بعد ظهور مؤشرات قوية على فوز بايدن. وهو تحول دراماتيكي في النسب خلال فترة زمنية وجيزة يزكي الاعتقاد بأن احتمالات انفجار العنف من قبل قطاع من الجمهوريين الذين لا يوقفهم الآن سوى التمسك بسراب الأمل في “إنصاف قضائي” يضعهم في حال الترقب انتظارا لإطلاق شحنات التوتر المكبوتة، إما احتفالا في حالة النصر أو عنفا في لحظة إعلان هزيمة مرشحهم.

على الجانب الآخر، لا تقل احتمالات انفجار العنف من قبل الديمقراطيين، حيث سبق للإعلام المؤيد لبايدن أن قدم لهم “الحبكة المناسبة” مجسدة في نظرية المؤامرة الكاملة التي خطط بمقضاها ترامب وفريقه لاستنفاد كافة مستويات الطعن القضائي وصولا إلى المحكمة العليا التي لم يفت ترامب التخطيط للسيطرة عليها مبكرا انتظارا لليوم الموعود، وذلك عن طريق تعيين قضاة معروفين بتأييدهم له، كان آخرهم القاضية إيمي كوني التي وضعها ترامب على رأس المحكمة يوم مناظرته الأولى مع بايدن. في حالة تحقق هذا السيناريو، سيشعر أنصار بايدن – وبنفس طريقة ترامب – أن ثمة مؤامرة تم بمقتضاها سرقة الانتخابات وبالتالي سيكون إطلاق العنف مبررا تماما بالنسبة لهم أيضا.

يبدو أن بعض خبراء الأمن وخبراء الاجتماع السياسي لم يكونوا مبالغين أبدا حين أكدوا أن احتمالات انفجار العنف في الولايات المتحدة هذه المرة أكثر منها في أى وقت مضى، وربما لا يزيد عنها إلا عدم قدرة هؤلاء الخبراء على توقع المناطق التي قد يبدأ فيها العنف والمدى الذي قد تتسع له، ناهيك عن حساب تأثيراته الخطيرة على مستقبل نموذج “البوتقة الديمقراطية” القادرة على صهر كل الآراء والاتجاهات والأعراق والثقافات وتأكيد تعايشها معا.

الوسوم

فؤاد السعيد

كاتب وباحث مصري متخصص في الثقافة السياسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: