فن

المنسيون في تاريخ المسرح المصري.. فتوح نشاطي (1)

حين  يذكر تاريخ  المسرح المصري  العريق تجئ سيرة رموز هذا المسرح وصانعوه الأوائل ومن طوروه ونهضوا به  مثل يعقوب صنوع وجورج أبيض ويوسف وهبي وزكي طليمات .. غير أن هناك رجالا آخرين كانت لهم أياديهم البيضاء وإسهاماتهم العظيمة وحضورهم الطاغي ومشاركاتهم الفاعلة في  كتابة تاريخ هذا المسرح الخالد بأحرف من ذهب .. لكن سيرتهم لا ترد .. وذكرهم لا يحضر.. فيتعرضون للتجاهل والنسيان مع ما قدموه من صنيع عظيم للمسرح المصري  .. نحن هنا – ومن قبيل الإنصاف الذي لا يجامل والقراءة الواعية لتاريخ مسرحنا العريق –  نعيد لهؤلاء المنسيين في تاريخ المسرح المصري بعض الاعتبار وبعض الحق.

يجئ في صدارة هؤلاء المنسيين رائد مسرحي كبير أسهم بشكل جاد وحقيقي في تاريخ المسرح المصري .. ربما لا يتذكره الكثيرون –حتى من النقاد والمتخصصين مع الأسف – إلا بقدر ما  جاء اسمه  مكتوبا على استحياء فى تترات عدد من الأفلام السينمائية القليلة التي شارك فيها بأدوار متوسطة وصغيرة أبرزها دور المايسترو عزيز في فيلم شارع الحب مع عبد الحليم حافظ ..بينما تكمن قيمته الكبيرة وعطاؤه الفني الرائع في منجزه المسرحي الزاخم  في الإخراج والتمثيل والترجمة للمسرح .. ذلك هو المسرحي الكبير فتوح نشاطي.

طفولة حزينة.. وعشق مبكر للمسرح

ولد فتوح نشاطي في الثامن عشر من مارس عام 1901  بحي الظاهر لأسرة مصرية متوسطة وكان أصغر أخوته سنا ..  وجلده القدر جلدات عنيفة في طفولته الباكرة جدا .. فها هو يسقط من أعلى السرير وهو لم  يتجاوز بعد العشرة أشهر -بعد أن غفلت عنه شقيقته الكبرى فيصاب بكسر في أرنبة أنفه .. ثم وحين يبلغ الخامسة من عمره وأثناء لعبه في أحد الحقول المجاورة لمنزله بالظاهر  يرفسه حمار رفسة فوق حاجبه الأيسر  أحدثت جرحا ترك ندبة في جبهته ظلت تلازمه طوال حياته .. وربما ترك هذان الحادثان الأليمان  آثارا مؤلمة في نفس الطفل الصغير فتوح فأصبح واحدا من أكثر الطلاب تفوقا وإجادة للغة الفرنسية  في مدرسة الفرير ثم في مدرسة الليسيه بعد ذلك التي سرعان ما تركها إثر وفاة والده.. وحيث بات عليه أن يعمل ويكفل نفسه وكانت تلك صدمة أخرى للصبي المثخن بالجراح.

عشق فتوح نشاطي المسرح  طفلا صغيرا حيث تعرف على هذا العالم الساحر العجيب حين  كان لهم جار يسكن الطابق الثاني بمنزلهم بالظاهر  اسمه جورج طانيوس كان صديقا للشيخ سلامة حجازي وقد عزم طانيوس بناء على  توسط  صديقه الشيخ سلامة حجازي له أسرة فتوح الصغير لحضور المسرحية المترجمة عن الفرنسية باسم تليماك بطولة جورج أبيض وهناك انبهر الطفل الصغير وسحر بهذا العالم الغريب وافتتن به و رهن حياته كلها بعد ذلك  للمسرح الذي  أصبح عشقه الذي لا يقاوم وشغفه الذي لا ينتهي.

في مدرسة الفرير وبينما كان في التاسعة من عمره كون فتوح مع عدد من أصدقائه الصغار فرقة مسرحية واتفقوا على  أداء عمل مسرحي  فوق سطوح منزل طفل فرنسي يقيم مع أسرته بالقاهرة ويدرس بالفرير وتطوع فتوح بإحضار ملابس العرض فسطا على عدد وافر من فساتين والدته ونصب مع زملائه العرض فوق سطح منزل الطفل الفرنسي ولشدة سعادة فتوح واندماجه في العرض المسرحي نسي ملابس والدته التي اكتشفت ضياعها واعترف لها فتوح بفعلته وذهبوا إلى منزل الطفل الفرنسي وصعدوا إلى السطح فلم يجدوا شيئا من ملابس والدته وتلك كانت أول ضريبة دفعها فتوح نشاطي للمسرح وقد ذكر الحكاية بتفاصيلها في كتابه ( خمسون عاما في خدمة المسرح)  الذي أصدره في عام 1970

خمسون عاما في خدمة المسرح - فتوح نشاطي
خمسون عاما في خدمة المسرح – فتوح نشاطي

توفى والد فتوح وهو لا يزال صبيا فترك دراسته   بعد عامين قضاهما في مدارس الليسيه بعد أن ساءت أحوال أسرته المالية لكن هذه الأحوال تحسنت بعد هذه العسرة بسنوات  بعد أن نجح شقيقه الأكبر في عمله نجاحا كبيرا وأنشأ  عددا من المشروعات التجارية وامتلك عزبة بالمنصورة  أرسل إليها شقيقه الأصغر فتوح  – الذي كان يعتبره فتى طائشا- ليباشر بعض الأعمال بها مقابل ثلاثة جنيهات شهريا ومكث فتوح في المنصورة أشهرا كانت ثقيلة عليه كأنها سنوات طوالا فقد حرمته المنصورة من  ارتياد  عالمه الأثير  في شارع عماد الدين والتردد على المسارح المختلفة ومزاولة عشقه الأبدي وهو المسرح والتفاعل معه عن قرب والاحتكاك بأبطاله وبطلاته .. وحين قامت ثورة 19 وجدها فتوح نشاطي فرصة للعودة إلى القاهرة للمشاركة في الثورة وللعودة إلى أماكن الشغف  حيث المسارح والفرق المسرحية ورجال المسرح وسيداته  وترك فتوح المنصورة وعزبة شقيقه بلا رجعة.

في نادي المعارف

ومن حسن حظ فتوح أنه التقى بصديق له نصحه بالتقدم لوظيفة في مصرف الكريدي ليونيه ، وساعدته إجادته التامة للغة الفرنسية في الالتحاق بالوظيفة التي أصبح يتقاضى عنها 18 جنيها لتستقر أحواله المادية بشكل كبير

ومن  خلال وظيفته في المصرف الشهير يبدأ فتوح مرحلة جديدة في مراحل ولعه المسرحي إذ يكون مجموعة من موظفي المسرح المحبين للفن والأدب  والثقافة ويستأجرون غرفة في نادي المعارف بالفجالة ، تقيم ندوات أسبوعية كان قاسمها المشترك وبطلها وعنوانها الرئيسي هو تلك المشاهد والاسكتشات والمونولوجات المسرحية التي يقدمها فتوح لرواد المسرح الفرنسي أمثال هوجو  وروستان ولامارتين ، ويرى توفيق تادرس رئيس نادي المعارف  موهبة مسرحية شديدة التدفق والقوة في هذا الشاب العاشق للمسرح فيرشح فتوح  ليمثل رواية ” العصفور في القفص ” لمحمد تيمور وتحقق المسرحية نجاحا كبيرا وبعدها يمثل فتوح عدة مسرحيات باللغة الفرنسية مثل المهرج للويس ماجرو والفزع  الأكبر لاندريه دي ميلورد.

مع فرقة رمسيس

ثم تبدأ مرحلة  جديدة في مشوار فتوح المسرحي حين يتعرف على روز اليوسف بعد أن تعرف قبلها على زوجها  زكي طليمات  وبقية أعضاء المدرسة الحديثة للتمثيل أحمد علام وخيري سعيد وابراهيم المصري وطاهر لاشين

في عام 1923   أنشأ يوسف وهبي فرقة رمسيس وشاهد  فتوح نشاطي أول عروضها وهو عرض المجنون وأسره أداء يوسف وهبي وبراعته المسرحية وتمنى لو أصبح يوما عضوا في فرقة رمسيس ..وكما ذكرنا كان نشاطي  قد تعرف عن قرب على روز اليوسف وزوجها زكي طليمات .. وذات ليلة كان في زيارتهما واستأذنت روز للذهاب إلى المسرح لتأدية دور فتى  اسمه روبير في مسرحية الأب ليونار من إخراج عزيز عيد مبدية امتعاضها من الدور  فعرض عليها طليمات أن يخلفها هو في أداء هذا الدور الذي لا تحبه لكنها فاجأت ضيفهما فتوح نشاطي بقولها : فتوح هو الذي يصلح أكثر لأداء هذا الدور واعتقد نشاطي أن روزا تمزح لكنها كانت جادة جدا ، وتدرب فتوح على الدور لمدة أسبوع ليؤديه ببراعة شديدة نالت إعجاب عزيز عيد

فرقة رمسيس المسرحية
فرقة رمسيس المسرحية

كان فتوح في ذلك الوقت يعمل بمصرف كريدي ليونيه نهارا ثم يواصل عمله وشغفه وعشقه المسرحي ليلا  وعرض عليه عزيز عيد أن يستقيل ويتفرغ للمسرح وتردد فتوح كثيرا فالوظيفة المصرفية تضمن له دخلا مستقرا .. حتى  كان يوم اصطحب فيه عزيز عيد فتوح نشاطي لمقابلة يوسف وهبي الذي اقنع نشاطي بالاستقالة من المصرف والانضمام لفرقة رمسيس .. وهو ما حدث بالفعل

وفي فرقة رمسيس بدأت تتشكل ملامح المشوار الكبير الزاخم لفتوح نشاطي فترجم ومثل وشارك في إخراج مسرحيات  راسبوتين والذبائح والبؤساء والشرف والرعاع وتحت العلم وأستاذ اللطافة ونوتردام دي باري والكاردينال والذئاب وغيرها من عشرات المسرحيات الباذخة في تاريخ المسرح المصري

مواجهة مع طه حسين

وفي عام 1935 تقرر الدولة إنشاء فرقة قومية للمسرح يتولى إدارتها  الأديب الكبير خليل مطران تستقطب إليها عددا من الممثلين الكبار من  أعضاء  الفرق الخاصة كان من بينهم فتوح نشاطي .. وقدم نشاطي مع الفرقة القومية مسرحيات  أهل الكهف وتاجر البندقية من إخراج زكي طليمات والملك لير من إخراج عزيز عيد

ولكن نشاطي يصطدم كغيره من الممثلين من أمثال نجمة إبراهيم وآمال حلمي وسراج منير وروحية خالد وعبد العزيز خليل بوضع أسمائهم  في أفيشات مسرحية السيد من إخراج عزيز عيد ككومبارس فثارا ثائرتهم ووعدهم عزيز عيد وزكي طليمات بتدارك الأمر لكن المسألة تكررت في مسرحيات الأخرى

وفي عام 1936 تعلن الفرقة القومية عن منح  مسرحيين فرصة السفر والدراسة بفرنسا في فروع الإخراج والتمثيل والديكور ويتقدم لها نشاطي مع زميله سراج منير  وتظهر النتيجة ولا يجد نشاطي ومنير اسميهما في كشف الفائزين بالمنحة وتثور ثائرتهما ويتوجهان إلى خليل مطران الذي يخبرهما بأن لجنة اختارت الفائزين على رأسها الدكتور طه حسين ويتوجه الممثلان الشابان غاضبين لمقابلة طه حسين الذي يقابلهما في البداية بتجهم واضح غير أنه بعد ان سمع لكل منهما أدرك أنهما أكثرمن يستحق المنحة وهو ما حدث بالفعل وفي فرنسا يقضى نشاطي ما يقرب من ثلاثة أعوام دارسا وعاشقا وناهلا من المسرح الفرنسي .. وفي باريس يتعرف نشاطي على رفيقة حياته هيلين الفرنسية من أصل مصري .. ويعود نشاطي من فرنسا قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية بعدة أشهر ويصدر بعد عودته مباشرة كتابا عن  أيامه في فرنسا تتولى طباعته ونشره دار الهلال

يعود نشاطي إلى عمله بالفرقة القومية فيترجم ويخرج ويمثل 73 مسرحية  بدأها بمسرحية مترجمة لهنري دي بورنييه بعنوان مصر الخالدة وفي عام 1939 أخرج مسرحيتي تحت سماء إسبانيا  والأمل ثم توالت المسرحيات التي أخرجها نشاطي ومثل فى كثير منها وترجم بعضها  مثل مسرحيات المهرج والست هدى وأوديب ملكا  ولويس الحادي عشر  والأول والأخير و انتحار توت عنخ آمون والثائرة الصغيرة وبيت الزوجية وسلك مقطوع وآدم وحوا ومروحة الليدي وندمير وعزيزة ويونس .. وهكذا لا يمكن على وجه الحصر الدقيق أن نحصي هذا العدد الهائل من المسرحيات التي قدمها فتوح نشاطي مخرجا ومترجما وممثلا غير أن عددها سواء في فرقة رمسيس أو الفرقة القومية يمكن أن يصل إلى أكثر من مائتي مسرحية على وجه التقريب

وقد التفتت السينما على استحياء إلى موهبة نشاطي كممثل بارع –ربما لانشغاله الطاغي بالمسرح- فشارك في أفلام ؛ وداد مع أم كلثوم وليلة غرام والله معنا وحب وإعدام  وشارع الحب حيث قام بدور المايسترو عزيز وهو أكثر أدواره شهرة ويعرفه به الكثيرون ..والناصر صلاح الدين

وفي عام 1970 أخرج فتوح نشاطي آخر أعماله المسرحية وهي مسرحية سر الحاكم بأمر الله .. وأصدر الجزء الاول من كتابه ” خمسون عاما في خدمة المسرح “.. الذي أصدر جزءا ثانيا منه عام 1973 قبل أن يرحل في الثالث من أبريل عام 1974.. وهو تاريخ وفاته الحقيقي  على  خلاف ما كتب أغلب من تناول تاريخ وفاته بأنه كان في السابع والعشرين من أكتوبر عام 1974 .. رحمه الله

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: