رؤى

شرطة وشعب.. تضحيات لا تنتهي 

أعاد استشهاد اللواء ياسر عصر، وكيل الإدارة العامة لشرطة النقل والمواصلات وهو يعاون رجال الإنقاذ على إطفاء حريق مستعر في محطة مترو مسرة، إلى كثير من الأذهان نموذج رجل الأمن المصري الذي ينحاز إلى شعبه بل ولا يتردد أن يبذل روحه طائعًا مختارًا من أجل هذا الشعب.

إذ ليس نموذج الشهيد “عصر” بالنادر أو غير المألوف في تاريخ مصر٫ حيث عرفت مصر٫ أول دولة نظامية في تاريخ البشرية منذ أقدم العصور رجال أمن أبى عليهم ضميرهم وانتمائهم الوطني إلا أن يلعبوا هذا الدور.

حيث تفيد البرديات المصرية القديمة التي وثقت لإضراب العمال في منطقة دير المدينة القريبة من الأقصر وهو أول إضراب عمالي في التاريخ٫ شهد انحيازًا من المسؤول عن الأمن ويدعى ” منتومس” إلى جانب العمال.

” ففي اليوم الثالث عشر حدث أمر عجيب وهو أن رئيس الشرطة منتومس طلب من العمال المتظاهرين التجمع من أجل قيادتهم للاعتصام في معبد سيتي الأول بالقرنة “.

وأتى هذا الانحياز بعد أن رفض منتومس كافة محاولات إقناعه أو إقناع رجاله بقمع الاحتجاج العمالي، وكان لهذا الانحياز أبلغ الأثر في نجاح الإضراب والذي انتهى باستجابة المعنيين لمطالب العمال المتمثلة في صرف أجورهم المستحقة.

أما في العصر الحديث فمثلت ثورة عام ١٩١٩ ضد الاحتلال الإنجليزي ذروة التلاحم بين جموع الشعب المنتفضة لاسيما الفلاحين البسطاء وبين عدد غير قليل من رجال الأمن الذين تضامنوا معهم .

وفي مقدمة هؤلاء الضباط يأتي البكباشي محمد كامل الذي شغل في تلك الفترة منصب مأمور بندر أسيوط في صعيد مصر، تلك المديرية التي اشتعلت بالمواجهات الدموية بين جموع المتظاهرين وقوات الاحتلال البريطاني.

لم يطق البكباشي كامل رؤية بني وطنه تتصيدهم رصاصات الغدر الإنجليزية، فاختار أن يسلح المتظاهرين وفتح أمامهم غرفة السلاح ووزعه عليهم لاستخدامه ضد المحتل.

وما أن تدفق السلاح على الأهالي حتى اندفعوا يهاجمون معسكرات الإنجليز واضطر المحتلون إلى جمع الجالية البريطانية في مبنى المدرسة الثانوية وفرضوا عليها حراسة مشددة.

ومع اشتداد المعارك بين الأهالي والجنود الإنجليز لم تجد القيادة الإنجليزية في القاهرة أمامها سوى استخدام سلاح الطيران لقمع الثوار في أسيوط في سابقة هي الأولى من نوعها.

كما اعتقل الإنجليز البكباشي محمد كامل الذي خضع للمحاكمة العسكرية لمعاونته للأهالي وتسليحهم وحكم عليه بالإعدام، وتم إعدامه رميًا بالرصاص يوم الثلاثاء 10 يونيو 1919 ليرتقي شهيدًا من شهداء الوطن والثورة.

ولم يختلف الوضع كثيرًا في ركن أخر من أرض المحروسة هو زفتى، فوفقًا لرواية الكاتب الصحفي الراحل أحمد بهاء الدين في كتابه “أيام لها تاريخ” فعند اندلاع المظاهرات في زفتى ضد الاحتلال وقرار قادة المظاهرات إعلان الاستقلال، انضم إليهم كل من “إسماعيل حمد” مأمور القسم و”أحمد جمعة” معاون البوليس ووافقا على تسليم قسم الشرطة للأهالي بل وأصبح كل منهما عضوين في لجنة الثورة التي أدارت “الدولة” الجديدة.

ووصل التلاحم بين قوات الأمن وبين صفوف الشعب إلى ذروتها مع اندلاع الكفاح المسلح ضد الاحتلال البريطاني بداية من أكتوبر عام ١٩٥١ حيث أدى هذا النشاط إلى تحرش مستمر من قوات الاحتلال بقوات الأمن المصرية أو ما كان يعرف آنذاك ب”بلوكات النظام” وحدثت مواجهات بين الطرفين وصلت إلى أوجها في الخامس والعشرين من يناير من عام ١٩٥٢.

حيث هاجمت القوات الإنجليزية مبنى المحافظة في مدينة الإسماعيلية مطالبة رجال الأمن المصريين بالاستسلام وهو ما رفضه رجال الأمن رغم أن وزير الداخلية آنذاك فؤاد سراج الدين لم يقدم لهم العون أو  التسليحي المطلوب، وسطر هؤلاء الجنود و الضباط ملحمة بطولية في الصمود والتصدي للقوات المعتدية رغم سقوط نحو ستين شهيدًا في صفوفهم لكنهم أبوا الاستسلام حتى نفدت ذخيرتهم.

ألهم النموذج الذي قدمه شهداء الإسماعيلية جماهير الشعب التي واصلت النضال حتى خرج المحتلون من أرض مصر في يونيو من عام ١٩٥٦.

إن واقعة استشهاد اللواء ياسر عصر الذي سبق له أثناء خدمته كمأمور قسم الضواحي في محطة مصر أن قام بإنقاذ المسافرين بشكل مماثل، لا تطرح فحسب سوالًا عن اللحمة بين الشعب والأمن وإنما تطرح أيضًا سوالًا آخر حول لما لا تنال نماذج مشرفة مثله حقها من الإبراز الإعلامي والتقدير الاجتماعي؟

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: