رؤى

ملفات ساخنة على طاولة بايدن

ثمة متغيرات تفاعلت معا خلال أشهر هذا العام، عام الانتخابات الأمريكية، الذي يشهد جريان الانتخابات الرئاسية والنيابية، الـأمر الذي منح الولايات المتحدة الأمريكية وسياقها السياسي فيما يتعلق بالشأن الداخلي، وكذا السياسة الخارجية، عددا من الملفات الساخنة، ورصيدا غير مسبوق، في متابعتها من قبل الشعوب والمسؤولين في مختلف دول العالم.

دفعت جائحة فيروس كورونا وتداعياتها العنيفة على كافة القطاعات، مطلع هذا العام، والمظاهرات الغاضبة ببن المواطنين الأمريكيين، اعتراضا على المعاملة العنيفة من قبل الشرطة الأمريكية، ضد الأمريكيين السود،  والتي أودت بحياة المواطن، جورج فلويد، وسط المارة -دفعت – أولويات المصالح الأمريكية بعيدا عن  الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في سباق الانتخابات الرئاسية، التي خاضها ضد منافسه الديمقراطي جو بايدن.

الاستقطاب السياسي الداخلي يتحدى الإدارة الجديدة

جاءت الانتخابات الرئاسية الأمريكية، والتي جرت في الرابع من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري، وسط  حالة من  الاستقطاب السياسي الحاد، الذي لم تشهده الولايات المتحدة من قبل، ويبدو ذلك واضحا ونحن نطالع الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، وهو يجري مكالمات هاتفية مع عدد من المواطنين، ليحثهم على المشاركة في الانتخابات الرئاسية، ويدفعهم نحو التصويت لصالح نائبه الديمقراطي، جو بايدن، وفي المقابل تأتي تصريحات الرئيس الأمريكي ترامب، الرافضة للمشهد الانتخابي، وطعنه في مشروعيته، ما دفع بعض المتابعين إلى التحذير من تعاظم خطر تحول الاستقطاب السياسي بين المرشحين، إلى مظاهر عنف ومقاومة بين الأنصار في الشارع الأمريكي.

يستقر الواقع السياسي نحو سعي الرئيس الجديد في بدء إدارته، إلى إضفاء سماته الشخصية، التي تحدّد سياق إدارته للسياسة الخارجية، بعيدا عن الإدارة السابقة، خاصّة إذا كان من حزب آخر، وبناء على ذلك، جاءت التصريحات التي خرجت من جو بايدن، على عكس التصورات التي جرت في إدارة الرئيس دونالد ترامب، غير أنّ مجريات الأمور تذهب نحو اهتمام إدارة بايدن بترتيب البيت الأمريكي من الداخل أولًا، باعتبار ذلك أولوية أولى، فضلًا عن كون ذلك يرتبط بالسياسة الخارجية، التي يرى البعض أنّه سيمثل امتدادًا لصديقه الحميم الرئيس السابق، باراك أوباما، بيد أنّ الحقيقة تبدو خلاف ذلك، إذ إنّ السمات الشخصية التي ميزت شخص أوباما، لا تبدو حاضرة في شخصية بايدن، من حيث السن والكاريزما، فضلًا عن الظروف الموضوعية التي واجهتها إدارة أوباما، في عدد من ملفات السياسة الخارجية، والتي تختلف تمامًا عن التحديات التي يضطلع بايدن بمواجهتها .

الملفات الخارجية ومتغيرات السياسة الأمريكية

ومن خلال ذلك جاءت تصريحات، أنتوني بلينكين، كبير مستشاري السياسة الخارجية بحملة بايدن الانتخابية، مؤكدًا أنّ فوز المرشح الديمقراطي، وهزيمة منافسه الجمهوري، يبعثان برسالة إلى قادة العالم، مفادها أنّ ما جرى خلال حكم ترامب، هو بمثابة انحراف عن القيم الأمريكية، وأنّ أهم أولويات الإدارة الجديدة هو الاتصال برؤساء العالم، وإبلاغهم بعودة واشنطن، وأنّهم يمكنهم الاعتماد عليها.

وتتمثل أهداف السياسة الخارجية الولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط، من خلال ضمان أمن الطاقة، وما يرتبط بذلك من دعم وتأمين للدول المتحالفة، ومواجهة نشاط الدول المعادية، ومنع التمدد على حساب مصالح الولايات المتحدة، وكذا وضع إسرائيل داخل محيطها الإقليمي، وحرصها على الأوزان النسبية لتل أبيب، وسط دول الشرق الأوسط، خاصّة ما يتصل بوضع إيران العسكري، وحيازة الأسلحة النوعيةّ، ويرتبط ذلك موضوعيًا بمدى التغيرات المتوقعة في شكل العلاقات الأمريكية مع إيران، وكيف سيلحق بها جملة من التغيرات العنيفة، في ظل إدارة الحزب الديمقراطي، ومدى إمكانية انزلاق الأقدام نحو الصراعات الخشنة، وأثر ذلك على الشرق الأوسط، بيد أنّ ذلك كله لن يحلّحل المرتكز الرئيس للسياسة الأمريكية، في ضرورة  تحمل دول الشرق الأوسط مسؤولياتها الذاتية، بعيدًا عن الوصاية الأمريكية، وهو الأمر الذي جرت فيه سياقات الأحداث خلال السنوات الأخيرة من حكم أوباما، وأيضًا ولاية الرئيس دونالد ترامب، وذلك كله يصب نحو ضرورة اهتمام الإدارة الأمريكية بصراعها الممتد مع الصين، والذي يستلزم توفير جهدها الاستراتيجي وتوجيهه نحو ذلك الصراع، الذي يرتبط بعدة ملفات ممتدة .

الملف الإيراني بين المواجهة والتوافق

يعد الملف الإيراني، من أكثر الملفات حيوية وسخونة في ذهنية بايدن، الذي يرى أنّ سلفه انقلب على رؤية أوباما، عندما انسحب من الاتفاق النووي الإيراني المبرم في العام 2015، والذي يعد مرتكزًا رئيسًا للسياسة الخارجية  لباراك أوباما، بصورة أحادية في 8 أيّار (مايو) العام 2018، وفي المقابل أعادت الإدارة الأمريكية فرض العقوبات، في إطار استراتيجية “الضغوط القصوى” على النظام الإيراني؛ لإرغامه على القبول بالتفاوض مع الإدارة الأمريكية، والدخول في اتفاق جديد يسعى نحو صياغة العلاقات المشتركة فيما بينهما، ومدى تحفظ الإدارة الأمريكية على تحركات طهران في محيطها الإقليمي، ونزوعها نحو التمدد العسكري من خلال وكلائها، سواء كان ذلك من خلال الحوثيين في اليمن، أو حزب الله في لبنان، فضلًا عن تطويرها برنامج الصواريخ الباليستية، ونشرها في المنطقة.

وعلى خلفية ذلك، يأتي استشراف رؤية الإدارة الأمريكية للملف الإيراني، بحسب تصريحات بايدن خلال حملاته الانتخابية، حيث قال إنّ سياسة سلفه تجاه طهران من خلال اعتماد سياسة الضغط الأقصى، قد فشلت، والولايات المتحدة استخدمت كل أنواع وأدوات الضغط دون تحقيق أهدافها، وبالتالي فإن بايدن سوف يجد نفسه مدفوعًا نحو البحث عن خيارات جديدة، سوف تستقر نحو إعادة إخراج الاتفاق النووي، ولكن برواية أخرى، وذلك من خلال مخرجات جديدة للضغط، تأتي في ثلاث نقاط أساسية، الأولى منها؛ برنامج إيران للصواريخ الباليستية، والثانية علاقاتها مع الصين وروسيا، والأخيرة ضبط العلاقة فيما بين طهران وحزب الله في لبنان، لحساب المصالح الإقليمية والدولية في شرق المتوسط .

وفي المقابل، تأتي تصريحات وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، بأنّ طهران لن تعيد التفاوض على الاتفاق النووي، حتى لو فاز المرشح الديمقراطي للانتخابات الرئاسية الأمريكية، مضيفًا أّن “إيجاد طريق للتعامل مع واشنطن، يكون عن طريق عودتها إلى طاولة المفاوضات السابقة، وليس التفاوض مجددًا على الاتفاق النووي”، وأوضح ظريف أنّ “العقوبات الأمريكية أضرت بإيران، لكنها لم تؤد إلى التغيير السياسي الذي سعت إليه واشنطن”.

على أيّة حال، تبدو مجريات الأمور خلال المدى المنظور، تتجه نحو استمرار التوتر فيما بين واشنطن وطهران، خاصّة مع دخول إيران انتخابات جديدة خلال ربيع العام القادم، سيما مع تصاعد شعببة المعسكر الذي يرى الاتفاق النووي خطأً فادحًا، بيد أنّ التحدي الأخطر الذي سيواجه طهران، في إطار الصراع مع واشنطن، يستقر عند الحالة الاقتصادية الصعبة في إيران، والتي تفرض ضغوطًا هائلة على الحكومة، مع زيادة التضخم والبطالة، وتراجع قيمة العملة، ومع استمرار تدهور الوضع الاقتصادي الإيراني، ستواصل شرعية الحكومة الإيرانية التدهور أيضًا.

اقتباسات

– تتمثل أهداف السياسة الخارجية الولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط، من خلال ضمان أمن الطاقة، وما يرتبط بذلك من دعم وتأمين للدول المتحالفة.

– بايدن سوف يجد نفسه مدفوعًا نحو البحث عن خيارات جديدة، سوف تستقر نحو إعادة إخراج الاتفاق النووي.

-تبدو مجريات الأمور خلال المدى المنظور، تتجه نحو استمرار التوتر فيما بين واشنطن وطهران

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: