رؤى

أحد أهم القوى الناعمة المصرية… الأزهر الشريف والخارج: الدور والتأثير 

تأسس الأزهر الشريف خلال الحقبة الفاطمية في القرن الرابع الهجري، العاشر الميلادي، غير أن منصب رئيس المشيخة كما هو معروف اليوم قد تأخر ثمانية قرون كاملة حتى القرن الثاني عشر الهجري، السابع عشر الميلادي، ولا يزال الجدل مستمر حول أول من تولى منصب رئاسة المشيخة، إلا أن آراء عدة أجمعت على أن الشيخ محمد عبد الله الخراشي «1601-1689م» والذي كان عامة الشعب المصري يهتفون باسمه حين تصيبهم مظلمة هو أول من تولى ذاك المنصب.

تمكن الأزهر عبر تاريخه الممتد من لعب دور حضاري متميز جعله يتبوأ مكان الصدارة داخل مصر والعالم الإسلامي، فإلى جانب مساهمة الأزهر عبر علمائه في تكوين الوعي الديني والسياسي لأبناء مصر وقت أن كانت الطبقة المتعلمة تنحصر في خريجي الأزهر الشريف، لعب الأزهر إضافة لذلك عبر مبعوثيه دورًا حضاريًا كقوة ناعمة مصرية مهمتها نشر الفكر الديني الإسلامي الوسطي بالعالم.

الباحث كريم حسين متولي في دراسته للدكتوراه بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة المعنونة: «الدور الخارجي للأزهر الشريف، دراسة في تحليل خطاب شيخ الأزهر» يطرح قضية الدور الخارجي للأزهر عبر تحليل خطاب شيخ الأزهر في محاولة لفهم كيف يتشكل الدور الخارجي للأزهر بوصفه مؤسسة عابرة للقوميات.

دور الأزهر وطنيًا وليس سياسيًا

تنتقل الدراسة من التساؤل عما إذا كان هناك دور خارجي للأزهر إلى التساؤل عن مدى فاعلية هذا الدور، وكيفية قياس تلك الفاعلية؟ ومن ثم يطرح الباحث تساؤله حول الطريقة التي يرسم بها الأزهر الشريف خطابه ممثلًا في خطاب إمامه الأكبر وكيف تتداخل الأبعاد السياسية والاجتماعية والثقافية في تحديد سمات هذا الخطاب؟

انحصر الإطار الزمنى للدراسة في الفترة التي تبدأ من عام 2010 حين توالي فضيلة الدكتور أحمد الطيب منصب شيخ الأزهر وتنتهي هذا العام 2020، واعتمد الباحث في دراسته على تحليل «41» خطاب من خطابات الشيخ الطيب التي القاها بالعديد من المحافل الدولية.

الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر
الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر

«دور الأزهر كان ولا يزال وطنيًا، ليس له شأن بالسياسة» … تلك العبارة التي طالما رددها الشيخ أحمد الطيب وهى تتضمن أن الأزهر بعيد كل البعد عن تلك اللعبة السياسية التي تهدف للوصول للحكم أو المشاركة فيه، وأن الدور الوطني للأزهر يتمحور حول فكرة «المنقذ» الذي يهب لإنقاذ الوطن والدفاع عن قضاياه ومع استقرار الأمر يعود الأزهر لدوره التعليمي والدعوي والثقافي.

يحتشد خطاب الشيخ الطيب بالعديد من الإشارات التي تعبر عن اعتزازه بمؤسسة الأزهر وتاريخها ومنهجها ورؤيتها الوسطية، ويكشف تحليل خطابات الشيخ عن ميله الشديد لتقديم الأزهر بوصفه فاعل عابر للحدود ممثلًا عن الأمة الإسلامية كمرجعية علمية إسلامية أولى في العالم.

من جانب آخر يحرص الطيب بشكل دائم على الإشارة إلى التطوير المستمر للمؤسسة الأزهرية بما يتضمنه من جامع وأروقة ومعاهد دينية وجامعة ومرصد الأزهر والهيئة العالمية للفتوى الإلكترونية بالأزهر… إلخ من هياكل وأشكال تابعة لمؤسسة الأزهر.

الأزهر الشريف قوة مصر الناعمة

حرص شيخ الأزهر على القيام بالعديد من الجولات لبلدان العالم المختلفة ومن بينها ألمانيا التي أشاد بتجربتها الحضارية ورعايتها للاجئين، كما حرص خلال زيارته لفرنسا على امتداح دورها الثقافي قبل أن ينتقل إلى خطاب النقد والمطالبة بتغيير السياسات.

أبرزت خطابات الطيب بالخارج أن رؤيته تتمحور حول تغليب «الحوار والتعارف والتواصل» خاصة بين العالم الإسلامي والغرب، وهاجم بكل قوته الإرهاب ووصفه بأنه قد تجاوز أزمة كونه أزمة فكرية إلى كونه بات مساحة تعبر عن بعض المصالح السياسية التي ترغب في إيجاد مساحة من الاستعمار الجديد.

أكد الطيب خلال جولاته المختلفة على التأكيد على براءة الأديان من تلك الجرائم التي تُرتكب ضد الإنسانية في كل زمان ومكان، كما حرص الطيب في خطابته على تصحيح الصورة المغلوطة المتعلقة بالعديد من المفاهيم الإسلامية ومن بينها مفهوم «الجهاد في الإسلام» فشرح كيف أن الجهاد لا ينحصر في القتال الذي هو بالأساس ردًا للعدوان، بدليل أن الجهاد الأكبر في الإسلام يتمثل في «جهاد النفس والشيطان ونوازع الشر» ويدخل في مفهوم الجهاد الشرعي كل جهد يبذل من أجل تحقيق مصالح الناس وفي مقدمتها المجهود الذي يبذل من أجل مقاومة الفقر والجهل والمرض وإغاثة المحتاج وخدمة الفقراء والبؤساء ومساعدتهم، فالإسلام لا يأمر المسلمين بالجهاد المسلح ولا يحض عليه إلا في حالة رد العدوان والتصدي للحروب التي يشنها الأعداء.

حرص الطيب بخطابته الخارجية على التأكيد على حالة الوسطية التي يتبناها الأزهر الشريف مع ضرورة التعارف العالمي والحوار البناء والتعاون الإيجابي والتضامن في المسئولية الإنسانية المشتركة لنصرة الشعوب المظلومة والحقوق الأصيلة لها وخص من عموم المضطهدين حول العالم أبناء فلسطين، ذلك أن القضية الفلسطينية كانت ومازالت تحتل مكانة خاصة لدى الأزهر الشريف.

وعن الصراع السني الشيعي الذي يتسائل عنه أهل الغرب لطالما أجاب الطيب بأن السنة والشيعة هما جناحي الأمة الإسلامية وأن الإشكالية تكمن في محاولة تسيس الدين لتحقيق أغراض سياسية بحتة لا تمت للدين بصلة.

من جانب آخر انتقد الشيخ الطيب ظاهرة «الإسلاموفوبيا» التي باتت شائعة بالعالم الغربي ضد الإسلام والمسلمين، مؤكدًا على أن انتشار تلك الظاهرة تعد مسئولية مشتركة بين أبناء الغرب بمنحهم فرصة انتشارها وبين المسلمين المقيمين بالبلاد الغربية فهم مسئولين بسلوكهم عن تغيير تلك الصورة النمطية السلبية الشائعة عن الإسلام والمسلمين.

الأزهر نافذة مصر المشرقة على إفريقيا وبلدان آسيا

من قلب العاصمة النيجيرية «أبوجا» أعلن الشيخ الطيب في لقائه مع الرئيس النيجيري عن أن منظمة «بوكو حرام» التي حولت حياة أهل نيجيريا إلى حالة من الجحيم بأن «بوكو حرام لا تمثل الإسلام في شيىء» فهى ومثيلتها «داعش» منظمات إرهابية لا يمثلوا الإسلام.

زار الشيخ الطيب موريتانيا تلك الدولة الإفريقية التي تعد بمثابة جسر هام بين العرب والأفارقة، ولا يقتصر دور الأزهر بأفريقيا على زيارات الشيخ الطيب بل يمتد هذا الدور ليشمل العديد من الجولات التي يقوم بها مبعوثي الأزهر لمكافحة الفكر المتطرف، إلى جانب قوافل الإغاثة التي يرسلها الأزهر لعدد من البلدان المنكوبة، هذا بالطبع إلى جانب وجود نحو 15 معهد أزهري بعدد من البلدان الإفريقية إضافة إلى الوافدين من بلدان أفريقيا المختلفة للدراسة بالأزهر الشريف.

لا يقتصر برنامج الطلاب الوافدين على أبناء إفريقيا بل يمتد ليشمل الطلاب الوافدين من أندونسيا وسنغافورة ومنطقة جنوب شرق آسيا وآسيا الوسطى، والباحث هنا يؤكد على أن الدور الأساسي الذي تؤديه مصر بهذه البلدان هو دور أزهري بالأساس.

عقبات على الطريق يمكن تجاوزها

يخلص الباحث من الدراسته بان خطاب الشيخ الطيب على ما يحمله من تأكيد على وسطية الإسلام إلا أنه يعاني من أزمة تكمن في تناوله لقضايا المسلمين عبر العالم بشيىء من العمومية، وأن قضايا الأقليات المسلمة  ببلاد الغرب تبدو ثانوية في خطابه، فتعبير مثل «الأقليات» قد ورد بخطابته خمس مرات فقط ولفظ «جاليات» ورد بخطاباته مرة واحدة فقط، وهو ما يعد دليل على ندرة طرحه لقضايا الأقليات المسلمة ومشكلاتهم ببلاد الغرب.

ينتقد الباحث جامعة الأزهر كونها لا تهتم بعلوم السياسة بمشتقاتها على أن الدور الخارجي للأزهر يتطلب وجود متخصصين بشئون العلاقات الدولية والسياسات العامة، وعلى الجانب الآخر تنتقد الدولة المصرية أداء مبعوثي الأزهر عبر بعثاتها الدبلوماسية في الخارج في الوقت الذي لا تبادر بتقديم أي حل لتلك الأزمة من تدريب لازم لهؤلاء المبعوثين.

لفت الباحث النظر إلى أنه في الوقت الذي لا تهتم فيه مؤسسة الأزهر بإعداد متخصصين بعلوم السياسة تعتمد عليهم إذاء دورها الخارجي، تهتم الكنيسة المصرية بإعداد تقارير دورية حول حركة الكنيسة بأفريقيا ومتابعة الأحداث العالمية وذلك بالاعتماد على معهد الدراسات الإستراتيجي التابع لها.

الباحث يؤكد على أن مدى فاعلية مبعوثي الأزهر بدولة ما إنما يتوقف على مدى وعي وتفهم السفير المصري بتلك الدولة لأهمية هذا الدور الذي يقوم به مبعوثي الأزهر، فالعلاقة بين مبعوثي الأزهر والسفير في معظم الأحيان غالبًا ما تقتصر على الجانب الإداري التنسيقي فحسب.

الأزهر الشريف بوصفه حامل شعلة الإسلام الوسطي يعد بمثابة قوة مصر الناعمة والنابضة التي يمكن لها أن تلعب دورًا مميزًا في تشكيل رؤية العالم ليس لمصر وحدها ولكن لبلدان العالم الإسلامي أجمع لذا فإنه من الضرورة بمكان الاهتمام بكافة العوامل التي من شأنها تفعيل ذاك الدور، من تطوير نظم التعليم بجامعة الأزهر والمعاهد الأزهرية المختلفة، إلى تطوير مستوى أداء مبعوثي الأزهر الشريف، ودعم الطلاب الوافدين للأزهر من مختلف دول العالم الإسلامي، وتفعيل مختلف الأنشطة الخارجية التي تقوم بها مؤسسة الأزهر من قوافل السلام والإغاثة وغيرها من أنشطة حيوية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: