رؤى

حفاوتنا البالغة بالأدباء على حساب العلماء 

الاثنان مطلوبان لرفعة المجتمعات: الأدباء والعلماء… ومن الخطأ الفادح أن نهتم بطائفة منهما اهتمامًا يفوق الاهتمام بالأخرى ويكون على حساب وجودها وتجليها، لكننا نفعل لو أردنا الصدق، نفعل باستمرار وندفع الثمن الغالي لهذا الخلل في كل حين؛ فدرايتنا بالأدباء رحبة وبالعلماء محدودة، وإقبالنا على الأدب كثيف وعلى العلم نادر، وبالرغم من كوننا لسنا بنوابغ في الأدب مع حفاوتنا به، إلا أنه لو نزل في الشارع صحفي استقصائي للسؤال عن الدكتور يوسف إدريس والدكتور أحمد مستجير، على سبيل المثال، فلن يخرج إلا بنتيجة واحدة، مهما طال انشغاله بالبحث وتعددت الفئات التي قرر معاملتها وتنوعت، يوسف إدريس في الصدارة طبعًا، واسم مستجير مستغرب على ألسنة الناس،وقلَّ من يعرفه معرفة يقينية. الدكتور يوسف إدريس: القاص والروائي والمسرحي المصري (1927/ 1991). الدكتور أحمد مستجير: عالم الأحياء المصري الذي تخصصه الكيمياء الحيوية (1934/ 2006).

يوسف السباعي وأحمد مستجير
يوسف السباعي وأحمد مستجير

 الأدب والعلم

يروقني تعريف الكاتبة المصرية الراحلة الدكتورة نعمات أحمد فؤاد للأدب: هو قوة الكلمة التي تأتي من قوة الفكرة، وقوة الروح معًا، في أداءٍ حيٍّ معبِّر، دقيق ورقيق، أخَّاذ ونفَّاذ. (من كتابها الشهير الأدب والحضارة)

أما العلم فمعجميًا هو الاعتقاد الجازم، أي الرأي اليقيني، وهو الأصول الكلية في الموضوع الواحد.

لا يكون الأدب كالعلم ولا يحل محله، فلكلٍّ نطاقه ومهمته، وإذا كانت قضية الأدب  خيالية مجازية، في أغلبها، فقضية العلم واقعية حقيقية، وإذا كان الأدب يخاطب الوجدان فوق ما يخاطب العقل فإن العلم فلسفي بامتياز، صحيح أن مثل هذا لا يرجح أحدهما على الآخر؛ لكنه يشير إلى اختلاف الوظيفة ومن ثمَّ الفائدة، ويومئ إلى أن الأمم التي تعلي الأدب على العلم، كأمتنا للأسف، سينقصها شيء كثير من اليقين بالأشياء، وستبقى، ما دامت هكذا، بلا نور صادق، ومن عجيب أنها تردِّد أن “العلم نورٌ” ولا تسعى إلى نوره الكامن في علوم الطبيعة (علم الكيمياء والفيزياء وعلم الفلك وعلم النبات والحيوان) ولا في العلوم التطبيقية (كعلمي الطب والهندسة)، لكنها تسعى سعيًا حثيثًا إلى ذلك النور في العلوم الأخرى  كالعلوم الاجتماعية والمعيارية والشرعية والعسكرية واللغوية والإلهية والحقيقية (العلوم الحقيقية هي التي لا تتغير بتغير المِلَل والأديان كعلم المنطق).. ومن العجيب أنها تكرِّر أن “العلم في الصِّغر كالنَّقش على الحجر” لكنها لا تحرص على تثبيت العلوم التي قصدناها وبيَّنَّاها في نفوس الأطفال والناشئة لئلا تمَّحي مع مرور الأزمنة.. لكن تجتهد في تثبيت العلوم الأخرى.. العلوم النظرية التي لا تعتمد على التجارب العملية.

الدكتورة نعمات أحمد فؤاد
الدكتورة نعمات أحمد فؤاد

 الأدباء والعلماء

بموجب ما ذكرته آنفًا ينال الأدباء درجات عليا في مجتمعاتهم، صحيح أن الأمر غالبًا لا يحقق لهم غنى يصون أمثالهم من الحاجة والسؤال، إلا أنه يمنحهم شهرة والشهرة بدورها تمنحهم سلطات ما تتجلى في الأبعاد الروحية التي تمكنهم من السيطرة على الجوانب العاطفية للناس.. لا ينال العلماء مثل ذلك ولا أدنى منه، يظلون حبيسي معاملهم، وقد تتذكرهم جوائز عالمية رفيعة يعنيها تفوقهم العلمي العملي وتعتد بهم برامج شديدة التخصص لا تقبل عليها الجماهير في العادة، وقد يدركون الغنى المالي أيضًا، لكنهم يفقدون أهم شيء على الإطلاق.. يفقدون الحميمية فيما بينهم وبين القطاع العريض من الناس، ويفقدون التواصل أصلًا، فإذا قال قائلٌ نبيهٌ هنا: هم المسؤولون بحكم احتجابهم الكبير، وتقعُّرهم في الموضوعات، وصعوبة ما بين أيديهم وعدم مناسبته للأكثرية؛ قلنا له: ربما كان قولك صحيحًا بنسبة من النسب، لكنَّ الصحيح في المطلق والأدقَّ أن المسألة برمَّتها تعود إلى الجذور، جذورنا في بيئاتنا العربية، تلك التي صنعت أسواقًا للشِّعر والقصص وحدهما، وتأمَّلت الشَّمس والقمر تأملًا جماليًا بحتًا لا معرفيًّا؛ فلم تستفد من تأمُّلهما إلا تشبيه المرأة ذات الوجه الوضيئء بهما إمعانًا في الانتصار للصور الكلامية الجذَّابة لا المعاني الجوهرية العميقة الساكنة في خفاء ما يظهر في النهار والليل.

كيفية غرس العلوم العملية في أراضينا الشاغرة منها تقريبًا

لا تتوجه الطاقات العبقرية لدينا إلى فهم واقعنا جيدًا وفهم ما ينقصه، ولا تتكامل، في تنوعها المذهل، من أجل إنقاذ مستقبلنا من العدم الذي يمثله تمسكنا الحالي بما نشأنا عليه وأدمنَّا وجوده، ولا تضع هذه الطاقات أملها في الأجيال الجديدة؛ فتقرر عليها من الدروس ما لم يكن مقررًا على من قبلها؛ مما يحيي فيها همم البحث والتجريب والتعلق بالعلوم العملية، والإحساس بأن الخلاص المبين موجود في تعلمها وإتقانها وإكبارها ومحبتها.

لدينا أمثال هذه الطاقات حقًا، ولكنها قد تكون يائسة، وقد تكون متحمِّسة إلا أن الأجواء التقليدية المهيمنة لا تمكِّنها من صناعة ما تريد صناعته، بجانب فقر الإمكانيات المادية طبعًا، ولا يعني الفقر المادي، بالمناسبة، عدم القدرة على توفير الميزانيات اللازمة للتغير من الوضع النظري المميت الموروث إلى الوضع العملي الحيوي المنشود، لكن تعني أننا يجب أن يصاحبنا في رحلة التغير المقصودة خبراء اقتصاد، يدبرون لنا ما نحتاج إليه؛ والأمر يسير حين يوازنون بين الضروري والكمالي فيقتطعون لنا ما يلزمنا. أما توفير الكوادر الممتازة فأمر أيسر؛ فالبلاد مليئة بكوادر علمية عملية راقية، لا تجد من يأخذها من ضياعها وبطالتها إلى أماكنها الطبيعية التي يمكنها أن تبدع فيها بأريحية.

خاتمة

ما لم تفق مجتمعاتنا النائمة في كهوف الأسلاف النظريين إلى خطورة ما هي فيه من إهمال العلوم العملية؛ فإننا سنمكث في بلداننا العربية رجعيين ومتخلفين، لا نملك للعالم الذي يحرز أهدافًا عظيمة من التقدم العلمي العملي والتكنولوجي ومن الحداثة التى اعتمدها في تعامله مع الواقع؛ لا نملك شيئًا ذا قيمة لأننا أسرى علومنا النظرية، ولأننا مستهلكون لا منتجون، ولا نفكر في العواقب السيئة لحالتنا المتدنية.

الوسوم

عبد الرحيم طايع

شاعر وكاتب مصري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: