فن

التعصب الكروي في السينما المصرية.. كثير من السطحية والتبسيط

من جديد طلت علينا ظاهرة التعصب الكروي (المصنوعة) ولكن أشد قبحا وانحدارا، بعد أن كان الأمر كله عبارة عن افيهات و نكات وسخرية من الفريق المهزوم، أصبح خوضا في أعراض وسبا وتطاولا على حُرمة الموتى.

بالطبع لفتت هذه الظاهرة انتباه صُناع السينما عندما ظهرت للمرة الأولى في أواخر السبعينيات وتم تقديمها بشكل كوميدي وساخر في عدد من الأفلام غلب عليها التسطيح وعدم الجدية وهو ما تناسب مع شكل و جحم الظاهرة في ذلك الوقت وقبل أن تتحول لما وصلت عليه الآن.

البداية كانت محاولة من صُناع السينما لجذب جمهور الكرة إلى شاشة السينما من خلال أفلام تدور أحداثها في عالم الرياضة وكواليسه و كان ذلك باستغلال نجومية وشهرة إكرامي وتقديمه لأكثر من فيلم سينمائي ” يارب ولد ، الرجل الذي فقد عقله، احنا بتوع الإسعاف” ثم فيلم ” غريب في بيتي ” والذي تحدث عن لاعب كرة مغمور وما يتم ضده من مؤامرات و مكايد للقضاء عليه بسبب الغيرة وينتهي الأمر بتطاول الجمهور عليه وضربه وتركه للنادي، الفيلم مأخوذ من  الفيلم الأمريكي فتاة الوداع ، لكن أشهر هذه الأفلام وتعامله مباشرة مع عالم الرياضة والتعصب الكروي كان فيلم ” 4-2-4″ إنتاج عام 1981 والمأخوذ من المسرحية الإيطالية ” الورثة” والذي تدور أحداثه حول رجل أعمال يمتلك مصنعا و ملحق به نادي ويأخذ كل مكسب وربح المصنع وينفقه على النادي حتى إن المصنع أفلس وتوقف عن الإنتاج في إشارة من مؤلف الفيلم للتناقض الذي حدث في المجتمع حيث تم إهمال الصناعة والإنتاج لصالح ما هو أقل أهمية، حتى إن الجمهور تظاهر أمام منزله بسبب سوء نتائج النادي وليس بسبب غلق المصنع وتوقفه عن الإنتاج، وتطرق الفيلم لكواليس شراء اللاعبين و بحثهم عن المال دون الاهتمام بما يقدموه للنادي والجمهور و أيضا هوس وجنون الجمهور بهذه اللعبة وهذا العالم وضغوطهم على النادي للرضوخ لطلبات اللاعبين المُبالغ فيها.

في عام 1988 قدّم شريف عرفه فيلم “الدرجة الثالثة” والذي تناول الصراع بين الجمهور الحقيقي للكرة وهو جمهور الدرجة الثالثة و شلة من المنتفعين من اللعبة  والنادي و محاولة نسف مدرجات الدرجة الثالثة وفي النهاية ينتصر الجمهور الحقيقي .

و مع بداية التسعينيات و ظهور جيل هنيدي وعلاء ولي الدين ومعهم موجة جديدة ومختلفة من الكوميديا، تم التوقف عن تناول ظاهرة التعصب الكروي (على اعتبار أنها ظاهرة كوميدية بالأساس)

في عام 2008 تم تقديم فيلم الزمهلوية وهو الفيلم الوحيد الذي تناول ظاهرة التعصب الكروي بشكل مباشر من خلال كبير مشجعي النادي الأهلي وأسرته وأيضا كبير مشجعي النادي الزمالك وأسرته و ما يحدث من تعصب بين أفراد الأسرة الواحدة إلى حد الطلاق عندما اكتشف أن زوجته تشجع النادي المانفس سرا، أو رفض الزواج من شخص ينتمي للنادي المنافس رغم قصة الحب التي جمعت بين ابن كبير مشجعي النادي وابنة كبير مشجعي النادي الآخر وشارك في بطولة الفيلم عدد كبير من اللاعبين ( الحضري، عمرو زكي، خالد بيبو، محمد شوقي) لمزيدا من المصداقية.

ومن بعدها لم يتطرق صُناع السينما لهذه الظاهرة يما لا يتناسب مع أهميتها و خطورتها ولا شعبية اللعبة الأولى في مصر والعالم كله، والآن لو تطرق أحد صُناع السينما لهذه الظاهرة بالطبع لن يكون بشكل كوميدي وسطحي كما حدث سابقا، خاصة بعد أن وصلنا لهذه الحالة من التردي والسوء والخوض في الأعراض ومن قبلها سقوط قتلى ومصابين في بورسعيد و الدفاع الجوي.

من جانبها أكدت الكاتبة و الناقدة ماجدة خير الله أن السينما تعاملت بسطحية ولم تتعمق في أسباب هذه الظاهرة بسبب أن التعصب في البداية كان عبارة عن تشجيع بجنون وهوس بالنجوم وسخرية من المهزوم ولم نصل لما وصلنا إليه من انقسام وانحدار إلى حد انتهاك الأعراض و حرمة الموتى، وأضافت خير الله لو تم التطرق  إلى هذه الظاهرة الآن لابد وأن يتناولها بشيء من العمق والواقعية بعد أن تطورت إلى هذا الحد، والعمق والواقعية لا تعني غياب الكوميديا لكن تعني الجدية في التناول والبحث عن أسباب هذه الظاهرة و ما وصلنا إليه وأيضا ما قد نصل إليه لو استمرت الأمور هكذا.

ماجدة خير الله
ماجدة خير الله

في نفس السياق أكد المخرج أشرف فايق مخرج فيلم الزمهلوية، أن السينما المصرية لم تعطِ هذه الظاهرة الأهمية التي تستحقها وتعاملت مع الأمر كله بقدر من السطحية والتغافل وكل ما تم تقديمه هو محاولة لجذب جمهور الكرة للسينما أو استغلال شعبية هذه اللعبة و نجومها في تحقيق نجاح تجاري فقط ولم يتناول أي فيلم ظاهرة التعصب بشكل واضح، و أضاف أن فيلمه الوحيد الذي تناول ظاهرة التعصب في السينما المصرية حيث إن دراما الفيلم قائمة في الأساس على التعصب وما يترتب عليه من مشاكل و أزمات، وأضاف فايق أن التعصب ظاهرة خطيرة يجب التطرق لها بمزيد من الأعمال الدرامية سواء في السينما أو التليفزيون، ولا نكتفي بما تم تقديمه خاصة بعد أن تمادى التعصب في الفترة الأخيرة ووصل إلى حالة لا يمكن السكوت عليها وأشار فايق أنه انتهى من كتابة الجزء الثاني من فيلم الزمهلوية و يستمر في هذا الجزء في طرح و تناول ظاهرة التعصب بعد تطورها الأخير وما وصلنا له من انحدار، وأيضا التطرق لمن يستفيد من هذا التعصب ويعمل على استمراره و زيادته.

المخرج اشرف فايق
المخرج اشرف فايق
زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock