رؤى

كيف تعاملت الحركات النِّسْوية مع الإرهاب

جذب الإرهابُ اهتمام الباحثين في مجال السياسةوعلم الاجتماع من قبل  أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 م، ولم تكن دراساتُ الإرهاب مقتصرة على العلوم السياسية فحسب؛ بل شَمِلتها بحوثُ العلوم المتعلِّقة بالأمن، والقانون، وعلم النفس،والدراسات الثقافية والفكرية وغيرها. ومع تصاعُدالإرهاب وتحدِّياته الجديدة، ومنها مشاركةُ المرأة  فجميع التيارات الإرهابية المعاصرة، صارت الحاجة ملحَّةً إلى إعادة تعريف المفهوم التقليدي للإرهابي الرجل.

إن التفكير الذكوريَّ في دراسات الإرهاب يغيِّرحقيقته، وازدياد نشاط المرأة في التنظيمات الإرهابية يُلجئ إضافتها إلى التأمُّلات البحثية، ولا بدَّ من اكتشاف مصادر الإرهاب في الطبيعة البشرية،فغالبًا ما يتجاهل الباحثون  وسائلَ تجنيد التنظيمات الإرهابية وتحفيزها،  فلو كان الإرهاب مسارًا وظيفيًّا،فهل ستكون عواملُ النمو نفسها مميِّزةً لكلٍّ من الرجل والمرأة؟.

حول إجابة هذا السؤال وغيره من الأسئلة تحاول الكاتبةُ د. ألكساندرا  كاشتولد أن تكشف حقيقة مشاركة المرأة في الإرهاب نظريًّا وعمليًّا، وحجم إسهامها المباشِر في العمليات الإرهابية، وسِمات هذه المشاركة في عصرنا الحاضر وقد جاء كتابُ”مواقف الحركة النِّسْوية من الإرهاب” في مقدِّمة،وستة فصول، وخاتمة. ليعالج مشكلة الإرهاب  بوصفه نوعًا من أنواع العنف السياسي المتطرِّف الصادرعن الأفراد والجماعات  والدول منذ قرون؛ لتحقيق أهداف سياسية أو فكرية، وينفَّذ عمدًا لنشر الخوف الشديد والتأثير في المجتمع، والفرضية الرئيسة في هذا الكتاب تقرِّر أن البحث في الإرهاب وَفقَ النظرية النِّسْوية يوسِّع نطاقَ التحليل، ويثبت أن نشأة الإرهاب وبنيته وعمله وعواقبه تتكوَّن من العوامل الثقافية، والاجتماعية، والبيولوجية.

مواقف الحركة النِّسْوية من الإرهاب - د. ألكساندرا كاشتولد
مواقف الحركة النِّسْوية من الإرهاب – د. ألكساندرا كاشتولد

إن النهج النسوي يُعين على تحليل الدوافع والأساليب للنشاط الإرهابي، ويظهر الطبيعةَ المحدَّدة لهذا الصنف من الإرهاب، وهو سِمةٌ من سمات دراسات النوع الاجتماعي التي تعتني بالاختلافات والتشابهات بين الرجل والمرأة الناجمة عن الحياة الاجتماعية، ويفترض أن الوضع الاجتماعي ومهمَّات المرأة وإمكاناتها هي ظاهرةٌ نسبية تتعلَّق محدِّداتُها بأحوال الرجال ومكاناتهم والمهامِّ المنوطة بهم.

إن تحليل مشكلة البحث في هذا الكتاب لم تقتصرعلى النظرية النسوية،  والمقاربة النسوية للعَلاقات الدَّولية؛ بل استفاد من إنجازات العلوم الاجتماعية المختلفة، ولا سيَّما العلوم السياسية وعلوم العَلاقات الدَّولية والدراسات الأمنية وعلم الاجتماع والقانون.

في الفصل الأول نجد القاعدة المرجعية الرئيسية للكاتبة هي المصادر المنشورة باللغات الإنجليزية والألمانية والفرنسية والروسية والبولندية حيث ترجع أهمية هذه المصادر لتحليل مضمونه، بسبب الاختلافات في تطوير مراكز البحث التي تتعامل مع النِّسْوية والإرهاب في الغرب.

ومن المنشورات باللغة الألمانية، تستحقُّ أعمال يورغن هابرماس وميرز فرديناند إشادةً خاصَّة، وقد اعتمدت المؤلفةُ كثيرًا على أعمال لوران بيبارد، وجاك دريدا،وسيمون دي بوفوار، وميشيل فوكو، وولوس إريغاري الصادرة باللغة الفرنسية، وكان من العوائق فقدُ تحليلات عميقة للقضايا النِّسْوية لدى العلماء البولنديين في العلوم السياسية والأمنية، ولعل ذلك بسبب الاستخفاف بنظريات ما بعد الفلسفة الوضعية،والممانعة السائدة تجاه النوع  الاجتماعي والنسوية في النقاش العام. وقد أثبتت الكاتبةُ قوائمَ مفصَّلة للمراجع المعتمدة في نهاية كلِّ فصل.

يورغن هابرماس
يورغن هابرماس

وفي الفصل الثاني «الإطار النظري لأعمال النسوية» تناولت فيه الكاتبة  المبادئ العامَّة للنظرية النسوية،التي عدَّتها جزءًا من نهج ما بعد الفلسفة  الوضعية. وعرضَت جوهر النظرية النسوية وشبكة مفاهيمها،وموجات  تطوُّر الفكر النِّسْوي، والتيارات النظريةوالانقسامات في نظرية المعرفة  النسائية، موضحةً تطوُّرَ دراسات المرأة ودراسات النوع، وأن حقيقة ولادة الحركة النسائية خارج العالم الأكاديمي لاتعني أن العلوم السياسية لا  يمكن أن تستمدَّ منها بوصفها حركةً اجتماعية، فهي سياسية بطبيعتها، وذلك يؤهِّلها لتكونَ موضوعًا للبحث السياسي.

إن النهج النسوي التحليلي له قيمةٌ كبيرة في العلوم السياسية، ولا سيَّما في السهولة التي يُدمج بها منظورُ النوع الاجتماعي في دراسة ظواهرَ معيَّنة، فضلً عن نهجه النقدي لمؤسسة الدولة.

واهتمت الكاتبة في الفصل الثالث بإثبات أن عرضَ القضايا الأمنية في العلوم السياسية لا يزال يهيمن عليه ما يسمَّى بالانحراف الذكوري، الذي يرى تاريخَ العنف السياسي على أنه (له) وليس (لها). فألقت الضوء على هذه القضية بالإشارة إلى النزاعات المسلَّحة وإعادة إضفاءالطابع الجنسي على العنف،  إذ يجري استبعادالنساء ويتدنَّى دورهنَّ. وفي انتقاد هذا النهج، دعت الكاتبةُ إلى استخدام «عدسات النوع الاجتماعي » والمنظور النِّسْوي  لتوسيع معرفتنا.

ويهدِفُ هذا الفصلُ إلى إثبات أن خصوصيَّة النوع في تحليل المشكلة يمكن أن تُسهمَ في تطويرالدراسات المتعلِّقة بالأمن  والعنف السياسي، وزيادة مرونة الدولة. فالنهج النِّسْوي يسمح بتحليلٍ أكثرَشمولًا للدوافع والطرق  التي تنشَطُ بها المرأة سياسيًّا، مما يُظهر خصوصيةَ السلوك المتعلِّق بالأمن.

إن مراعاة النوع في البحث الأمني لا ينطبق على النساء فقط،  ونظرًا لتجاهل أهميَّة ذلك في البحث التقليدي،  فإن التحدِّيَ الرئيس للباحثين هو سدُّ هذه الفجوة، وجعلُ تحليلاتهم أكثرَ  موضوعية. قد تظل الموضوعية في المعرفة بعيدةَ المنال، إذ يؤثِّر النوعُ الاجتماعي أيضًا في الباحث، وقد يغيِّر نظرته المعرفية.

النساء والإرهاب
النساء والإرهاب

وتحت عنوان «النسوية ومشكلة الإرهاب » قامت الكاتبة في الفصل الرابع بتحليل واسع للإرهاب وَفقَ النظرية النسوية، وتناولت الكاتبة فيه الإرهابَ على أنه نوعٌ من العنف السياسي،وأشارت إلى ضرورة  استخدام المصطلحات والمفاهيم النِّسْوية في تحليل هذه الظاهرة.

وترى المؤلفةُ أنه من الممكن رؤيةُ الإرهاب من نظر العنف السياسي أو النشاط الإجرامي، مشيرةً إلى إنجازات علم الجريمة والتحليل النفسي؛ من أجل تأكيد قضية تكرار وجهات النظر غير الكاملة والتمييزية التي تصِمُ المرأةَ المذنبة بالانحراف أوالنزوة أو الشذوذ، وتقترح نزعَ الذكورية من المنهج المستخدَم في دراسة الإرهاب وَفقَ النظريات النسوية.

وخَلَصَت الكاتبةُ إلى أن النساء سيُجبرنَ على اللجوءإلى العنف، إن كان  الإرهاب المعاصر ليس شكلًا منحرفًا للوجود الذكوري في العالم. ولا يمكن لمثل هذا النهج إلا أن يكون مظهرًا آخرَ من مظاهر«النظرة الذكورية » التي  تحرم النساء من تسويغها العقلاني للمشاركة في العنف السياسي.

وتقول الكاتبة: “من الواضح انجذابُ وسائل الإعلام إلى الأعمال الإرهابية النسائية أكثر من تلك التي ينفِّذها الرجال،  مما حدا بالتنظيمات الإرهابية لتوسيع شبكتها بإشراك النساء.

وتميل إستراتيجياتُ مكافحة الإرهاب إلى تجاهل أهمية عامل النوع الاجتماعي، وتهتمُّ بالأخطار التي يسبِّبها الإرهابيون الرجال.

ولمَّا كانت مكافحةُ الإرهاب تسعى إلى الحدِّ من النشاط الإرهابي،  فإن الإرهابَ ومكافحته يرتبطان عمومًا بالعالم الذكوري. ومن ثَم فإن الفرق بين الجنسين واضحٌ جدًّا بحضور الرجل وغياب المرأة.

لكن هذه الصورة خادعةٌ؛ لأن التنظيماتِ الإرهابيةَ تستخدم النساء المقاتلات والمؤيِّدات والمتعاطفات بازدياد، مع تجاهل ذلك سواء في إستراتيجيات الأمن القومي، أو في الحمَلات الدَّولية لمكافحة الإرهاب. ومن الصعب الجزمُ دون لَبْس إن كان لاستراتيجية مكافحة الإرهاب التي تميِّز بين الأنشطة الإرهابية للنساء والرجال أثرٌ إيجابي في نجاح البلدان والتنظيمات الدَّولية في مكافحتها للإرهاب.

وتناول الفصل الخامس «خصوصية الإرهاب النسوي » حيث قدَّمت المؤلفةُ في هذا الفصل نهجًا نِسويًّا لتحليل التطرف المؤدِّي إلى الإرهاب. وتطرقت إلى مناقشة فرضيَّات افتتان النساء بالتطرف الوحشيِّ، والدوافع إلى مشاركتهنَّ فيه. هذه النظرة النِّسْوية تمكِّن من تحليل المرجعيَّة المعقَّدة المؤثِّرة فيقرارات المرأة وحياتها عمومًا، وفي المناطق المعرَّضة للصراع المسلَّح خصوصًا. وقدَّمت في هذا الموضوع نظرةً انتقادية لواقع المرأة السياسي،وإدراك مشاركتها في  التطرف الوحشي الذي هو لونٌ من ألوان التحرر.

وترى الكاتبةُ أن دراسة تنشئة الرجال والنساء على العنف السياسي ممكنةٌ؛  بمراعاة القابلية، ووسائل التجنيد،  وأساليب التلقين والعمل في سياقها النفسي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي. هذاهو الأهمُّ إذ يجب فحصُ  المباني التي قد تشكِّل الظروف والمحفزات بوصفها جزءًا من النهج النظامي على مستويات مختلفة يؤثِّر بعضُها في بعض.

ويؤكد علماءُ آخرون من الذين يدرسون دوافع مشاركة المرأة في الإرهاب؛  الدوافعَ الشخصية،كتجرِبة الموت في الأسرة أو العُقم أو العنوسة، لكن العوامل الشخصية كالدوافع، والأهداف الذاتية للفرد قد تكون غيرَ منطقية،  وغير متماسكة، ولا معنى لها،مثل: السلوك القهري، وعدم النُّضج  العاطفي،واضطرابات الهُويَّة، والشخصية المضطربة داخليًا،وغيرها. لذلك ينبغي مراعاةُ عقلانية الهدف ذاته للتنظيم أو الحركة الإرهابية.

مشاركة المرأة في الإرهاب
مشاركة المرأة في الإرهاب

أما الفصل السادس والأخير «المناهج النِّسْوية لمكافحة الإرهاب»،  كان الهدف الرئيسُ إثبات أن خصوصية النوع الاجتماعي على مستوى منع الإرهاب قد تُسهم في تطوير دراسات العنف السياسي،  وفي نموِّ قدُرات المؤسسات الأمنية في الكشف والدفاع.  إن إدراج النساء في برامج الوقاية يحمل مفتاحَ تحسين الأدوات المستخدَمة لمعرفة قابلية التأثُّر والانبهار بالعقائد والأفكار المتطرفة.

ويمكن تقسيمُ طرق منع التطرف والخطوات التي تتخذها الدولُ لنزع فتيل انبهار مواطنيها بالعنف السياسي إلى مجموعتين: سلبية وإيجابية. تشمل المجموعةُ السلبية جميعَ أنواع التدابير القمعية، مثل: إغلاق التنظيمات التي تحرِّض على العنف، ومراقبة أماكن إقامة المشتبهَ بهم،  والاستبعاد من منطقة ما،وتتبعُّ استخدام الأموال، وحظر الوصول إلى  بعض وسائل النقل وبعض المهن والوظائف العامَّة، وفرض التعليم الإلزامي، ومنع بعض المحتويات في وسائل الإعلام والصِّحافة.

وقد تمتدُّ هذه الإجراءاتُ أيضًا إلى الأشخاص الذين يلجؤون إلى العنف، أو التحريض على الكراهية، أوالتجنيد، أو جمع الأموال، أو السفر إلى  مناطق النزاع المسلحَّ؛ للحصول على تدريب عسكري. وإن بعض هذه الأنشطة هي جرائمُ بموجب القوانين المحلِّية في كثير من البلدان، في حين يقع بعضُها الآخر تحت أحكام الاتفاقيات الدَّولية للأمم المتحدة والتنظيمات الإقليمية المختلفة.

وتشمل المجموعةُ الإيجابية من التدابير والأساليب: العفوَ والمصالحة،  والحوار، وإعادة التأهيل والدمج، وبرامج محاربة التطرف الفردية،  والاجتماعات،وحلَقات العمل، والدورات التدريبية عن الحقوق والحريات المدنية، وتوفير فرص العمل، والمساعدة الاجتماعية والصحية،  وتدريب المجموعات المعرَّضة للخطر، وإقامة

أنشطة للإدماج؛ مثل مباريات كرة القدم، وحمَلات التوعية.  وبالنظر إلى اتجاهات تطوُّر الإرهاب الحديث،  وأنواع الإجراءات، والابتكار في الوسائل والتجنيد والدعاية.

وقالت في خاتمة الكتاب أنه يمكن أن يُسهمَ تجاهل عامل النوع الاجتماعي  «الجندر» في سياسة مكافحة الإرهاب بزيادة مشاركة المرأة في النشاطات الإرهابية. وإن عدم المبالاة بمشاركة المرأة ومهامِّها في التنظيمات الإرهابية،  وتجاهل موقفها بادِّعاء أن معظم التنظيمات الإرهابية ليست جاهزةً لاستقبال

النساء في الأعمال العسكرية، سيمنح الإرهابيات فرصًا أكبر لإنجاز مهماتهنَّ بنجاح. وإن خطرالإرهاب الديني مرتفع و لاسيَّما في دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا،  وَفقَ مؤشِّر الإرهاب العالمي. وترتبط مشكلةُ التطرف في هذه المنطقة  بنقص النمو الاقتصادي، والتآكل الثقافي، والإجراءات الأمريكية في المنطقة، وفي أوروبا أيضًا، ولا سيَّما أوربا الغربية.  وقد أصبح تهديدُ الإرهاب مشكلةً حقيقية بسبب ظاهرة المقاتلين الأجانب،  ونشاط الجماعات النازية الجديدة المعادية للمهاجرين.  ويعدُّ اليمين المتطرف في أوروبا ظاهرةً داخلية، على الرغم من تعاون هذه الجماعات مع التنظيمات ذات التوجُّه الفكري المماثل في جميع أنحاء العالم.

تشارك المرأة في الأنشطة الإرهابية وتشارك أيضًا في مكافحتها، ومع ذلك لا يزال البحثُ في الإرهاب وسياسات محاربته ذكوريًّا.  ويمكن أن يكون تأثيرُالنوع الاجتماعي في الظروف المحدَّدة للنضال السياسي أمرًا حاسمًا؛ لفهم العَلاقة بين السُّلطة وتفكيك وجهها الذكوري.  إن تأطير الإرهاب له عَلاقةٌ بالجانب السياسي؛  كمفاهيم السُّلطة وأنظمتها،وكذا نظام النوع الاجتماعي. وهذا هو سببُ  ضرورة إجراء بحثٍ علمي يأخذ في الحسبان رؤى الحركة النِّسْوية، وينبغي استكشافُ تجرِبة النوع الاجتماعي، ومعرفة هيكله وآلياته داخل الإرهاب وخارجه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: