فن

إبراهيم يسري.. فصيح العين والقلب

بلهفة شديدة انتظر جمهور الدراما المصرية في العالم العربي الجزء الثاني من مسلسل “الشهد والدموع” بعد النجاح الكبير الذي حققه الجزء الأول.. البطولة في الجزء الثاني كانت لمجموعة من الشباب الذين تأخر تألقهم في السينما والتليفزيون لأسباب تتعلق بإصرار الجيل السابق من النجوم على أداء أدوار شخصيات أعمارها أصغر من أعمار النجوم الحقيقية بعقد ونصف وفي أحيان كثيرة بعقدين.. ما حرم جيلا بأكمله من الظهور في أوانه.. ما اضطر هذا الجيل للقيام بأدوار شخصيات أصغر عمرا من أعمارهم الحقيقية، فرأيناهم على الشاشة طلابا في الجامعة بينما كانوا في الحقيقة في منتصف الثلاثينات، ومنهم من كان قد قارب الأربعين.. لكن ذلك لم يحل دون تألقهم نظرا لما تمتع به معظمهم من مواهب حقيقية.. صقلت في الدراما التاريخية والاجتماعية التي كانت تنتجها استوديوهات الخليج العربي واليونان وتونس.. قبل أن يتعرف عليهم الجمهور المصري عن قرب.

في دور “هاني” ابن “حافظ رضوان” يتألق “إبراهيم يسري” في هذا المسلسل حيث قدم شخصية شاب يعاني من التلعثم نتيجة لأسلوب التربية الذي مارسته عليه والدته المتسلطة “دولت”. ظن كثيرون أن “يسري” يعاني فعلا من التلعثم ومشاكل النطق.. لكن تطور الشخصية يكشف في الحلقات الأخيرة فصاحة “إبراهيم” الذي لم يكن فصيح اللسان فحسب، بل مُفوَّه العين والقلب أيضا.

يتفتح وعي الفتى “إبراهيم” مع انكسار الحلم عام 1967، ويمر العام التالي ومصر تلملم جراحها؛ لتبدأ طريق استعادة الأرض واسترداد الكرامة.. ورغم فداحة الهزيمة ؛ إلا أن الإرادة المصرية كانت أقوى بكثير من أن تُكسر أو تلين.. بعد حصوله على الثانوية العامة، يرضخ “يسري” لرغبة الأهل فيلتحق بكلية التجارة جامعة القاهرة؛ ليكون في المستقبل مصرفيا بارزا. مَرَّ عامان من الدراسة الجامعية غالب فيهما “إبراهيم” رغبته الشديدة في دراسة الفن الذي عشقه منذ الصغر. وفي خريف عام 1970، الذي سيشهد أكثر الأحداث دراماتيكية في تاريخ العرب الحديث والمعاصر، وهو وفاة الرئيس جمال عبد الناصر بشكل مفاجئ قبل أن يكمل عامه الثاني والخمسين- يقرر “يسري” ترك الدراسة بكلية التجارة، والالتحاق بالمعهد العالي للفنون المسرحية. بعد اجتيازه اختبارات القبول ينتظم فناننا في دراسته مقبلا عليها إقبال العاشق بعد أن وجد نفسه في المكان الذي خرَّج أجيالا من عظماء الفن منذ تأسيسه في أوائل الأربعينيات من القرن الماضي.

في منتصف عقد السبعينيات يتخرج “يسري” في المعهد؛ ليبدأ مسيرة العمل الفني في مسرح الطليعة. لم تكن التحولات الجذرية التي طالت المجتمع المصري خلال هذا العقد قد أعلنت عن قبحها البالغ بشكل سافر؛ لكن نُذُرَها كانت قد تبدَّت في العديد من المجالات، ولم يكن الفن المصري بعيدا عن ذلك.. كان مسرح الدولة يلفظ أنفاسه نتيجة لسياسات التضييق التي أدارتها الثورة المضادة ليوليو، ما دفع كثيرا من فناني المسرح من أصحاب الموهبة والالتزام المبدئي – إلى هجره والبحث عن سبل أخرى للتعبير، ووجد الكثيرون منهم ضالتهم في أعمال الدراما التاريخية والاجتماعية في استوديوهات الخليج وغيرها كما ذكرنا آنفا… وربما كان مسرح الطليعة وهو أحد المسارح التابعة للبيت الفني- هو آخر الحصون الفنية التي تمترس خلفها المسرحيون المصريون دفاعا عن القيمة الفنية ورسالة المسرح؛ حتى وُصِفَ بأنه “…كان أكاديمية تثقيف مستقلة، ومنصة فكر متجدد ومتمرد، وكنز مواهب لا ينضب، ومشتل فن لا تجف ثماره أو تذبل زهوره”.

قدَّم “إبراهيم يسري” على خشبة الطليعة عددا من العروض الجادة التي نالت إعجاب الجماهير التي ارتبطت بالمسرح بشكل كبير مع الفترة الذهبية له خلال عقد الستينيات، كما قدم خلال تلك الفترة أيضا، باقة من الأعمال الإذاعية الجيدة، راسما بصوته المميز أدق الملامح لشخصيات مُرَكَّبة، فوصل بأدائه الرائع لقطاع كبير من الناس، كانوا ما يزالون يتابعون باهتمام بالغ مسلسلات الإذاعة المصرية.

في الدراما التليفزيونية قدم “يسري” أدوارا متميزة في أوائل الثمانينيات مثل دور الأمير “أسامة بن منقذ” في مسلسل “الفارس العاشق” ودور “محسن” في “أهلا بالسكان” ودوره في مسلسل “المحروسة” قبل أن يتألق في “الشهد والدموع” كما ذكرنا قبل ذلك.. ثم يقع عليه الاختيار للمشاركة في فيلم من أجمل أفلام الثمانينيات وهو فيلم “عودة مواطن” للمخرج محمد خان.. يلعب “يسري” دور تامر الشاب “البرجماتي” الذي يترك العمل بشهادته الجامعية، ليعمل “بارمان” بحثا عن المادة، مبررا ذلك بأن كل زمن وله قيمه.. وأن التمسك بقيم الزمن الماضي “هبل” كما نعت “شاكر” شقيق زوجته الذي ترك عمله بالكويت، وعاد لمصر لِيُصدم بتغير الواقع، وتحوُّل كل شيء إلى سلعة.

وفي العام التالي يشارك “إبراهيم” في عمل ملحمي من أهم أعمال الدراما التليفزيونية في الثمانينيات، وهو مسلسل “عصفور النار” للكاتب أسامة أنور عكاشة ومن إخراج “محمد فاضل” حفل العمل بالإشارات الواضحة إلى مأساة الأمة العربية التي بدأت مع انتزاع الحق من أهله، لتقوم للظلم دولة تستند إلى شرعية المتغلب… يلعب نجمنا دور” رشاد الحناوي” الصحفي الثائر الذي يرتبط بقريته، ولا ينقطع عنها رغم عمله بالقاهرة، وهو الذي سيصحب “الحسيني” صاحب الحق إلى القرية ويساعده في إظهار الحقيقة… ورغم وجود فنانين عمالقة في العمل على رأسهم “محمود مرسي” و”أمينة رزق” إلا أن “يسري” كان لافتا للأنظار بأداء راعى تقلبات الشخصية، وقبولها تحت ضغط الحاجة للمال بالقانون الجائر الذي وضعه “صقر الحلواني” عمدة القرية.

وفي نفس العام يختاره المخرج رأفت الميهي في فيلم “السادة الرجال” لدور الدكتور “سامح” المتخصص في طب المستقبل والذي يريد من خلال عملية تحويل الجنس التي سيجريها لـ “فوزية “لتصبح “فوزي” أن يصدم المجتمع ليفيق من أوهام الجهل والتخلف التي يعيش فيها.

ومن أدواره المتميزة في السينما أيضا -على قلتها- دوره في فيلم “الإرهابي” من إخراج “نادر جلال” حين أبدع في دور الشاب “محسن” المتفتح المثقف الذي يستطيع ببساطته وعفويته، التأثير بشكل إيجابي في الإرهابي الذي يدخل بيت عائلته ويقيم معه في نفس الغرفة عقب حادثة سير.

لكن “يسري” يعود فيجسد من خلال مشهد واحد في “فيلم ثقافي” مأساة جيل شارف الأربعين ولم يحقق شيئا، ولم يعد في مقدوره حتى تأسيس بيت للزواج ليعف نفسه عن مشاهدة الأفلام الإباحية، يبدع “إبراهيم” في دور “أسامة” خريج كلية العلوم بتقدير جيد جدا، والذي لم يجد عملا مناسبا حتى يبلغ السابعة والثلاثين لتفوته كل الفرص تقريبا، فيدمن مشاهدة تلك الأفلام حتى تنحلَّ أعصابه.. وعندما يُسأل عن الأسباب التي أدت إلى فوات فرص في أن يحيا حياة طبيعية؛ يجيب بأن التنازل عن الحق في بداية معقولة لتحقيق الذات في عمر العشرين، سيلقي بالإنسان لا محالة إلى حافة الأربعين بلا أدنى فرصة في المستقبل.. لذلك فإن الغضب والتمرد لا يجب أن يُؤجل إلى تلك المرحلة التي تخور فيها القوى وترتعش الأيدي. لا أشك أن هذا المشهد من أعظم ما قدم “إبراهيم يسري”.. لا أشك أيضا أنه بهذا الأداء المأساوي الفذ قد أيقظ كثيرين من ثبات عميق.

تجاوزت أعمال الفنان الراحل حاجز المئة وثمانين عملا تنوعت بين الدراما التليفزيونية والإذاعية والأعمال المسرحية بالإضافة إلى عدد من الأفلام السينمائية، تركت لدى جمهور الفن العربي أثرا طيبا لا يمكن محوه، والمؤكد أن الفن قد خسر كثيرا بعدم الاستفادة من قدرات “يسري” الفنية في أعمال تليق بموهبته؛ لكن ذلك ليس جديدا على الفن المصري الذي يحتفظ بمعايير خاصة جدا لا علاقة لها من بعيد أو قريب بالموهبة ولا بالقدرات الفنية.

الوسوم
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: